الإمام محمد بن يوسف السنوسي (832-895 هـ/1430-1493م)

هو الإمام المجتهد المجدد أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي، التلمساني الجزائري، كان مولده سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة (832هــ). أما السنوسي فنسبة إلى قبيلة بني سنوس قرب تلمسان، وأمّا التلمساني فنسبة إلى تلمسان الواقعة غرب الجزائر، مدينة العلم والعلماء.

ولعلّه ينتسب إلى الشّرف من جهة جدّته لأبيه.

نشـأته وتعلمه :

نشأ الإمام السنوسي على الفضل والصلاح، وأخذ العلم بداية عن أبيه أبي يعقوب يوسف، وهو من علماء تلمسان وصالحيها، و بعده أخذ علم المعقول والمنقول وأدب الولاية عن عدد من خيرة علماء عصره، فانتفع بعلمهم وببركة دعائهم، ثمّ تصدر لمجالس العلم فأدى ما تلقاه منها على أحسن وجوه الأداء.

ومن شيوخه، وهم كُثْر، نذكر: أبا الحسن علي بن محمد السنوسي الشهير بالتالوتي (تـ: 895هـ)، ومحمدَ بن الحسن بن مخلوف بن مسعود المزيلي الراشدي، الشهير ب: أبركان، (تــ: 868هـ)، وأبا الحسن علي بن محمد البسطي القرشي، الشهير بالقلصادي الأندلسي، (تـ: 891هـ)، وأبا عبد الله محمد بن أحمد بن الحبّاك، (تـ: 868هــ)، وإبراهيم بن محمد بن علي اللّنتي التازي، (تـ: 866هـ)، وأبا زيد عبد الرحمن الثعالبي (تـ: 875هـ)، وأبا العباس أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي (تــ: 884هـ).

تلاميذه:

وأخذ عنه العلم جماعة منهم : محمد بن إبراهيم بن عمر بن علي، أبو عبد الله، الملالي نسبته إلى بني ملال بالمغرب، التلمساني (898ﻫ) ، ومحمد بن أبي الفضل بن سعيد بن صعد، وبه عرف، التلمساني الفقيه العالم المحصل العلامة، توفي بمصر سنة (901ﻫ)، وبلقاسم بن محمد الزواوي (ت922ﻫ)، ومحمد بن أبي مدين التلمساني (ت915ﻫ)، ومحمد بن محمد بن العباس التلمساني، الشهير بـ "أبي عبد الله" الشيخ الفقيه النحوي العالم (كان حيا في حدود سنة (920ﻫ)، وأبو عبد الله محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي، التلمساني توفي سنة (909ﻫ)، وأحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق، (899ﻫ)، ومحمد بن عبد الرحمن الحوضي، الفقيه الأصولي التلمساني، العالم الشاعر المكثر، (ت910ﻫ).

شخصيته العلمية:

نكتفي في هذا الباب بذكر بعض ملامح شخصيته العلمية:

كان الإمام السنوسي متبحّرا في كثير من الفنون والعلوم، كما يدل على ذلك ما تركه من تراث، ولم يكن مجرّد ناقل عن غيره؛ بل كان يتعامل مع القضايا العلمية بطريقة تحليلية.
ولئن كان الإمام السنوسي قد أوْلى عنايته الكبرى للعقائد وعلم التوحيد، إيمانا منه بأن هذا الجانب الممثل لأصول الدّين إن أُحسِن فهمه كان المحرّك الأمثل للحياة الضّامنَ لوحدة الأمة، فإنّ هذا لم يمنعه من الاشتغال بغيره من العلوم.

ففي علوم القرآن شرح الشاطبية ( في القراءات)، والخزرجية في رسم القرآن، وكان له اشتغال بالتفسير تدريسا وتأليفاً، كما اختصر الكشاف للإمام الزمخشري، وقد ناقش عددا من أقوال المفسرين الذين سبقوه.

أمّا في علم الحديث ، فيذكر تلميذه الملاّلي في " المواهب القدسية" أنّه قرأ صحيحي البخاري ومسلم، وغيرهما من كتب الحديث على العالم أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الثعالبي.
وقال عبد الحي الكتاني في فهرس الفهارس 2/833 بعد أن ذكر ثبت مرويات الثعالبي الحديثية:" ومدار روايته فيه على الحافظ ولي الدين العراقي... أرويها وكل ما له من طريق ابن غازي عن محمد بن يحي الباديسي عنه ح وبأسانيدنا إلى الشيخ زروق والسنوسي التلمساني كلاهما عنه" .

وقد كان الإمام السنوسي يحدث بأسانيده، كما اعتنى بفن تخريج الحديث، حتّى إنّه كان يستدرك على بعض الحفّاظ.

وقد خلف الإمام السنوسي كتبا كثيرة في علوم الحديث دراية ورواية.

أمّا اهتمامه بالفقه وأصوله فنكتفي بنقل بعض ما قاله الأستاذ: أبو أحمد بلكرد بوكعبر في الصفحة: 89 من تحقيقه على شرح السنوسية الكبرى:" نعم كان الإمام أصوليا بارعا صاحب تقريرات واجتهادات عجيبة لو تتبعها بعضهم لكانت كتابا حافلا في علم أصول الفقه،..."

تصوّفـه:

لابد من الإشارة في البدء إلى أنّ الإمام السنوسي، كما يصفه تلامذته وعارفوه، كان حسن الخلق متواضعاً، رقيق القلب، رحيماً، مبتسما في وجه من لقيه، ليّنا هيّنا حتى في مشيته، حييّاً، مشفقا على الخلق، يمشي في قضاء حوائجهم عند السلطان، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، يقول عنه تلميذه الملّالي: " ما رأيت أحسن خلقا منه، ولا أوسع صدرا، ولا أكرم نفسا وأعطف قلباً، ولا أحفظ عهدا منه".

أمّا تصوّفه فلم يكن تصوّف تقليد ، لا في تصوفه ولا في ممارسته؛ بل كان له آراء ومواقف ترقى به إلى مرتبة المجدد في علم التصوف، وقد كان يحارب المبتدعة الذي تلبّسوا بالتصوّف.
ومن المصطلحات التي سعى الإمام السنوسي في تقويمها مصطلح الولاية والوليّ حيث نقل عن بعضهم- مقرا إيّاه- في شرحه على الوسطى وغيره، ما ملخّصه:

أحدها: أن يكون عارفا بأصول الدين حتى يفرّق بين الخلق والخالق وبين النبيّ والمدّعي.

الثّاني: أن يكون عالما بأحكام الشريعة نقلاً وفهما ليكتفي بنظره عن التقليد في الأحكام الشرعية كما اكتفى عن ذلك في أصول التوحيد.

الثالث: هو أن يتخلق بالخلق المحمود الّذي يدلّ عليه العقل والشّرع.

الرّابع: أن يلازمه الخوف أبدا سرمدا ولا يجد لطمأنينة النفس سبيلا". (شرح السنوسية الكبرى، تــ: بلكرد)

مؤلفاتـه:

(نقلا من كتاب شرح السنوسية الكبرى تحقيق بلكرد).

لقد ترك الإمام السنوسي جملة من الكتب ناهز عددها الخمسين؛ في العقيدة والتفسير والحديث واللغة والمنطق والفلك والطبّ، وفي غير ذلك من جوانب الثقافة الإسلامية، ممّا يدلّ على رسوخ قدمه في العلم والاجتهاد، نذكر نماذج منها:

- في العقيدة:

السنوسية الكبرى في العقائد، وشرحها، والسنوسية الوسطى وشرحها، والسنوسية الصغرى ( أم البراهين) وشرحها، وشرح نظم أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري بعنوان" المنهاج السديد في شرح كفاية المريد".

في التفسير وعلوم القرآن:

تفسير الفاتحة وفواتح البقرة

-مختصر حواشي التفتازاني على الكشاف.

في الحديث وعلومه:

- مختصر شرح صحيح مسلم للأبي المسمى بإكمال الإكمال.

- شرح صحيح البخاري

- شرح مشكلات البخاري.

في السيرة النبوية:

مختصر الروض الأنف للسهيلي

في الفقه وأصوله:

- مختصر في أصول الفقه

- شرح الوغليسة المسماة بالجامع في الأحكام الفقهية.

- شرح جملة من المدونة

- تعليق على مختصر ابن الحاجب

في علم اللغة:

شرح الآجرومية

في المنطق:

مختصر في المنطق

- شرح مختصر ابن عرفة في المنطق

في الطب:

شرح أرجوزة ابن سينا في الطب (مخطوط).

في فنون أخرى: شرح ابن اليسمين في الجبر والمقابلة (مخطوط)

السنوسي في عيون العلماء:

قال عنه الونشريسي في المعيار ( 1/250): " صاحبنا الفقيه العالم العلَم صدر المدرسين وحجة المتكلمين وعمدة المحققين ونخبة أكابر المؤلّفين، الولي الصالح الخاشع المتبرَّك به، سيدي أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي"

وقال محمد بن شنب في تحقيقه على دائرة المعارف (2/999):" يجمع علماء المغرب على الثناء على السنوسي، فقد كان في نظرهم مُحي الإسلام في مستهل القرن التاسع الهجري، ويشيدون بعلمه خاصة تفقهه في علم الكلام كما ينوهون بخشيته لله وغيرته"
وقال ابن عسكر في كتابه دوحة الناشر( ص121):" ما رأيت من غربل هذا العلم مثل هذا الرّجل"
وقال الإمام محمد البشير الإبراهيمي في الآثار ( 5/ 315): " ... وأما مغربنا هذا مع الأندلس فلم يتّسع فيه علم الكلام إلى هذا الحدّ وإن كانوا يدرسونه على هذه الطريقة ويقلدونه، ويدينون باتباع رأي الأشعري ولم يؤلفوا فيه كتابا له بال إلاّ الإمام محمد بن يوسف السنوسي التلمساني، فإنّه ألّف فيه على طريقة المشارقة عدة كتب شاعت وانتشرت في الشرق والغرب، وقُرّرت في أكبر المعاهد الإسلامية كالأزهر."

وفاته :

توفي رحمه الله يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأخيرة عام خمسة وتسعين وثمانمائة (895هـ) قاله تلميذه الملالي في تأليفه الذي ذكر فيه مناقبه، وسيرته وما ظهر من كراماته في حياته وبعد مماته، سماه «المواهب القدوسية في المناقب السنوسية»، إذ كل النصوص الواردة في المصادر التي ترجمت للإمام السنوسي مقتبسة منه.


المصدر: ملتقى الشيخين: الحركة التجديدية الإسلامية في الجزائر - السنوسيان ابن يوسف وابن علي مثالا – تلمسان جمادى الأولى 1439 هـ- يناير 2018

آخر التغريدات: