من أوراق التاريخ: ”الخبر” في زيارة الدكتور زهير احدادن

بقلم: حميد عبد القادر-

يُعرف الدكتور زهير احدادن، أستاذ تاريخ الإعلام السابق بجامعة الجزائر، والباحث حاليا في التاريخ، بتدخلاته الثاقبة التي تفصل في كثير من الأحيان في قضايا شائكة تتعلق بالحركة الوطنية وحرب التحرير. يتحلى بالموضوعية والصرامة العلمية التي جعلته يحظى بكثير من الاحترام، قررت ''الخبر'' زيارته اعترافا بمكانته العلمية والثقافية.  دخلنا بيت الدكتور زهير احدادن بحسين داي، في الصباح. وجدنا صعوبة في إيجاد الحي الذي يسكن به. لكن بمجرد أن سألنا أحد المارة حتى دلنا عليه، فعثـرنا عليه بسهولة. استقبلنا الدكتور بنفسه. جلسنا في غرفة الصالون، ولم تكن انطلاقة الحديث معه صعبة، ليس بحكم معرفتنا المسبقة به، بل لشيء في شخصيته جعل الحوار سهلا غير متكلف.

أردنا أن يحدثنا عن طفولته حتى نتمكن من معرفة روافد الرجل. أخبرنا أنه تنقل بين عدة مدن وهو بعدُ طفل صغير. قضى طفولته بين سيدي عيش ببجاية والطاهير بجيجل. كان والده قاضيا، وتخرج من مدرسة قسنطينة. كان يحسن اللغتين العربية والفرنسية، كتابة وقراءة، وهو من علم ابنه اللغة العربية. كان مُلما بالعلوم، فقرأ تفسير القرآن الكريم للثعاليبي، وألفية ابن مالك، ورسالة أبي زيد القيرواني، وكان يوجد بمكتبه عدد من كتب التاريخ بالفرنسية. ما يزال الدكتور احدادن يحتفظ ببعضها إلى اليوم، وهي مجلدات ضخمة اصفرت أوراقها.

لما قامت الحرب العالمية الثانية سنة 1939، انتقلت عائلة احدادن إلى ''توجة'' التي تبعد عن مدينة بجاية بحوالي ستين كيلومترا. كانت المدارس قد أغلقت أبوابها في تلك الفترة بسبب الحرب، فتكفل الأب بتدريس ابنه في البيت. وفي سنة 1956 توفي الوالد على إثر سكتة قلبية، فترك في حياته فراغا كبيرا.

بعد الحرب انتقل زهير احدادن للدراسة بقسنطينة. وقال عن هذه المرحلة من حياته: ''وجدت قسنطينة مدينة تعج بالثقافة وأهل الفكر، فقد ترك الشيخ عبد الحميد ابن باديس إرثا وتقاليد ثقافية بقيت تميز المدينة. لكن في نفس الوقت كان نشاط حزب الشعب على المستوى السياسي بارزا، وفي نفس مستوى نشاط جمعية العلماء الفكري والثقافي. وكنت أتابع نشاطات الجمعية الثقافية، وفي نفس الوقت كنت منخرطا في حزب الشعب''. وأضاف: ''كثير من المنخرطين في جمعية العلماء كانوا مناضلين في حزب الشعب في الوقت نفسه، رغم أن إدارة الجمعية في تلك الفترة كانت تميل لأفكار حركة أحباب البيان والحرية التي تأسست عقب نهاية الحرب مباشرة''. وعن قراءاته في تلك المرحلة قال احدادان: ''كنا نقرأ عدة مجلات كانت تصلنا من مصر، وقد جعلتنا نتشبع بالفكر الوطني والتحرري''.

نقاش حول ''الربوة المنسية''.. الأشرف ضد مولود معمري

لا تزال ذاكرة الدكتور احدادان تحتفظ بتفاصيل ذلك النقاش الذي احتدم بين محمد شريف ساحلي ومصطفى الأشرف من جهة، وبين الروائي مولود معمري من جهة أخرى، لما نشر هذا الأخير روايته الأولى بعنوان''الربوة المنسية''، وقال مضيفنا بخصوص هذه المسألة: ''كتب معمري روايته لوصف المجتمع القبائلي. لكن المجتمع الذي وصفه ليس المجتمع الأصيل بل المجتمع المتخيل. وكانت عليه عدة مآخذ، فانتقده مثقفو حزب الشعب، وقال له ساحلي: ''إنك ترغب في خلق التفرقة بين العرب والبربر''. بعد أن قرأت الرواية، وجدت فعلا أن معمري يقدم مجتمعا قبائليا متخيلا غير أصيل، وهو ما يفسر دفاع الفرنسيين عن روايته، وعزوف مثقفي حزب الشعب عن الدفاع عنه''. وأضاف: ''في تلك الفترة عينت من قبل الحزب كمراقب لخلايا الحزب في الوسط الطلابي، وهناك تعرفت على الدكتور عثمان سعدي''.

في سنة 1950 انتقل زهير احدادن إلى الجزائر العاصمة، وسجل بالجامعة المركزية بمعهد الدراسات الإسلامية العليا. وفي نفس الوقت بقي ينشط في حزب الشعب. كانت تلك الفترة عصيبة بالنسبة له، فقد أوجد اكتشاف أمر المنظمة الخاصة (os) واقعا مليئا بالمشاكل العويصة. كما أن المشاكل التي ترتبت عن الأزمة البربرية خلقت بعض التوترات، وقال عنها: ''بعض المناضلين كانوا ضد التوجه الشرقي لحزب الشعب، فتحدثوا عن الجزائر الجزائرية''. واتخذ الدكتور احدادن مواقف ضد أفكار هذه الجماعة التي تخلت عن الحزب عقب انفجار الأزمة، وتوجهت إلى أحضان الحزب الشيوعي الجزائري. وبرر احدادن خيار حزب الشعب الذي كان يرمي إلى البحث عن السند السياسي في الشرق بعدم توفر نفس الدعم لنضال الجزائريين ضد الاستعمار في الغرب.

لقاء مصالي الحاج وسط جو يعبق برائحة البخور والجاوي

كان على زهير احدادن ورفاقه الطلبة آنذاك، وهم بلعيد عبد السلام، رضا مالك، لمين خان، وبن محمود أن يمارسوا تأثيرهم على الحركة الطلابية، لكن في الوقت نفسه بدأت ترتسم في ذهنه ملامح الابتعاد عن مصالي الحاج الذي قال عنه: ''كنا نقدره كزعيم وطني، لكن لما ذهبنا لزيارته سنة ,1953 بصفتنا ممثلين للطلبة، بدأ ينتابني كثير من الشك تجاهه. استقبلنا في بيته ببوزريعة في غرفة كانت تعج برائحة البخور والجاوي، والمسك، وكان الجو غريبا فعلا. كان مصالي يحتكر الكلام. أما نحن فكنا نستمع له فقط، فظهر لي سطحيا جدا، ولا يتحدث إلا في الأمور العادية، ومجمل كلامه كان يدور حول شخصه''. وأضاف احدادن: ''كنا جيلا جديدا، درس الفلسفة والتاريخ في الجامعة. وكان لنا إلمام بالأدب العربي. فأدركت كم كانت ثقافة مصالي محدودة. رفض الحديث معنا عن كيفية الخروج من الأزمة التي كان يعاني منها الحزب، وبداية بروز الخلافات بينه وبين جماعة حسين لحول، الذين سوف تطلق عليهم لاحقا تسمية المركزيين''. وأضاف: ''شخصيا بدأت أميل لأطروحات المركزيين بعد اللقاء المخيب للآمال مع مصالي الحاج. آنذاك اشتدت الأزمة بين أنصار مصالي وأعضاء اللجنة المركزية الذين ساندوا حسين لحول، وكان بلعيد عبد السلام ممثل الطلبة واحدا من هؤلاء بحكم أنه كان عضوا في اللجنة المركزية للحزب. كانت الاستعدادات للثورة جارية بفضل دور جماعة اللجنة الثورية للوحدة والعمل، لكن لم تكن تصلنا أي أخبار عنها، فقد غلب عليها طابع السرية الكاملة حتى لا تعاد تجربة اكتشاف أمر المنظمة الخاصة التي كان لها وقع مأسوي على جميع المناضلين، مما آخر الإعلان عن تفجير العمل المسلح''.

آنذاك كان احدادن يتردد على نادي الترقي، ويتابع محاضرات الطيب العقبي. وكان على اتصال مع الحسن بن الميلي الذي كان بدوره على اتصال مع محمد بوضياف أحد أعضاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل. وقال احدادن بخصوص هذه المسألة: ''كان بن الميلي، وهو من أتباع مصالي، يقول لي إن أعضاء اللجنة خرجوا عن طاعة مصالي، ولم تكن تميل للمركزيين، فاختارت الحياد وتفجير العمل المسلح''.

ومن المناضلين الذين وضعوا زهير احدادن على طريق الثورة والعمل المسلح، ذكر اسم الشهيد عمارة رشيد. وقال: ''في مارس 1955 حضرت رفقة عدد من الطلبة اجتماعا مهما مع أحد قادة الثورة، قدم لنا باسمه المستعار. شرح لنا الأهداف المنتظرة من الثورة، فبدا لنا مقنعا، واضحا في أفكاره ومؤمنا بالثورة، وأخبرنا بأن الثورة بحاجة للطلبة. وقال احدادن: ''علمت لاحقا أن القائد الذي اجتمع بنا، وكان يحدثنا بتلك الطريقة المقنعة هو عبان رمضان''.

بقي زهير احدادن في الجزائر العاصمة إلى غاية صيف .1955 وانتقل بعدها إلى مليانة، وعين أستاذا بإحدى ثانوياتها. وهناك شرع في تحسيس الطلبة وحثهم على الالتحاق بالثورة، ما أدى بالسلطات الاستعمارية إلى اكتشاف أمره، فوضعته تحت الرقابة بالأخص بعد أن عثروا على قائمة بأسماء المناضلين على مستوى العاصمة لدى الشهيد سويداني بوجمعة، وكان زهير احدادن أحد هؤلاء.

اضطر الدكتور احدادن للتوجه إلى فرنسا فرارا من متابعات الشرطة الاستعمارية، بعد أن قضى فترة وجيزة في وهران تعرض خلالها للتهديد. ومن فرنسا توجه إلى تونس، ثم التحق بطاقم تحرير صحيفة ''المقاومة الجزائرية'' بتيطوان، وعمل تحت إمرة علي هارون إلى غاية الاستقلال.

خيبة صيف 1962 والانسحاب من الحياة السياسية

تأثر زهير احدادن بالخلافات التي نشبت بين الحكومة المؤقتة وقيادة أركان الجيش في صيف 1962، فاتخذ قرار الانسحاب من الحياة السياسية، والتحق بسلك التعليم، كأستاذ في ثانوية عيسات ايدير بساحة أول ماي، ثم كنائب لمدير المدرسة العليا للأساتذة عبد الرحمن بن سالم. لكنه سرعان ما غادر المدرسة بعد بروز خلافات بينه وبين بن سالم، فعاد إلى التعليم الثانوي. وفي عام 1966 عين محمد الصديق بن يحي وزيرا للإعلام. فاتصل به بحكم الصداقة التي كانت تربطهما أيام الدراسة في الجامعة المركزية. وعن بن يحي قال احدادن: ''كان بن يحي مقربا جدا من هواري بومدين. عرفته إنسانا بسيطا، وذكيا، ومثقفا مُسيسا''.  بعد ذلك انتقل احدادن إلى المدرسة العليا للصحافة. وعمل بها إلى غاية سنة 1976، وهي السنة التي سافر فيها إلى باريس لإعداد شهادة الدكتوراه في الإعلام، فعاد إلى الجزائر بعد أن قضى سنتين، وعين أستاذا محاضرا لمادة تاريخ الصحافة في معهد الدراسات السياسية والإعلامية، في الوقت الذي كان فيه الوسط الطلابي منشغلا بإصلاحات بن يحي التي تمحورت حول ضرورة التخلص من النظام الفرنسي، وفرض تصور وطني على الجامعة الجزائرية.

إعادة صياغة التاريخ لتصحيح المغالطات

تقاعد زهير احدادن بعد أن تخرجت على يده أجيال من الطلبة بمعهد الإعلام، وهو الآن منشغل بالكتابة والتأليف، ومتابعة المحاضرات والنشاطات الفكرية التي تقام هنا وهناك. ألف مؤخرا كتابا باللغة الفرنسية حول تاريخ مدينة بجاية، نشر بدار دحلب ضمن فعاليات تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية، وقال: ''فضلت كتابته بالفرنسية حتى أصحح المغالطات الموجودة لدى كثير من المثقفين الفرانكفونيين بخصوص تاريخ بجاية، بالأخص ما يتعلق بالجانب الإسلامي في تاريخ المدينة''، مضيفا: ''لا يوجد الآن للأسف ما يدل بأن بجاية كانت عاصمة لحضارة كبيرة، بعد أن هدم الغزاة الإسبان كل معالم الحضارة التي كانت موجودة بها.  والآن نجد الأستاذ احدادن منشغلا بتأليف كتاب ضخم حول تاريخ الجزائر، ومنه علمنا أنه مشروع عزيز إلى قلبه كثيرا. عاد إلى التاريخ القديم، منذ خمسة آلاف سنة خلت. ومرة أخرى نجده يكتب باللغة الفرنسية حتى يصحح المغالطات نفسها التي نعثـر عليها لدى المتأثرين بالكتابات التاريخية الفرنسية. ويتحدث احدادن في هذا الكتاب عن السيطرة الأجنبية على الجزائر، وكيف بقيت السيادة الوطنية قائمة. ولم يخف محدثنا تأثيره بكتاب مرجعي صدر منذ عدة سنوات بعنوان ''تحرير التاريخ من النظرة الاستعمارية'' لمؤلفه محمد شريف ساحلي. وقال إن كتابه سوف يسير وفق التصور ذاته. كما أن الكتاب يصحح بعض المغالطات التي وقع فيها المؤرخ مبارك الميلي، الذي اعتبر أن البربر عبارة عن قوم يتصارعون في ما بينهم، ما كان يسهل عملية الغزو الأجنبي لأراضيهم.


الخبر: 2012

آخر التغريدات: