بن باديس وتربية الشباب

بقلم: محمد والي-

المعروف عن شيخ المصلحين ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الإمام عبد الحميد بن باديس، اهتمامه البالغ بالشباب، وذلك بوضعهم على رأس انشغالاته، وجعلهم من أولى أولوياته، فهم عنده مستقبل الأمة ومعقد آمالها، والرجاء الذي سيأتي معه صبحه المرتقب، والسراج الذي سينير لها درب التحرر والاستقلال.

ولقد نظر إلى واقعه – الشباب – في ذلك الوقت فوجده جاهلاً بلغته ، بعيدًا عن تاريخه  ومجده ، نافرًا من دينه ، غافلاً عن آلام أمته وآمالها ، فكتب في افتتاحية الشهاب في عدد مارس 1983م ، يصوّر  الحالة التي آل إليها هذا الشباب، بحيث صار ضائعًا في هذه الحياة ، بعدما عمل الإستدمار الفرنسي بكل ما أوتي من وسائل الغزو والتضليل على إفراغه من مقومات شخصيته ،  ليتواصل مسلسل الاستعباد والتدمير للجزائر وطناً وشعبًا ، فقال رحمه الله : " ولم يكن يومذاك  من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته وتاريخه ومجده ، وقبح له دينه وقومه ن وقطع له من كل شيء - إلا منه -  أمله وحقره في نفسه كثيرا ، وإلا شباب جاهل أكلته الحانات والمقاهي والشوارع ، ومن وجد العمل منه ، لا يرى نفسه إلا آلة متحركة في ذلك العمل لا هم له  من ورائه في نفسه  ، فضلا عن شعوره بأمر عام، وإلا وشباب حفظه الله للإسلام والعروبة ، فأقبل على تعلمها ، لكنه تعلم سطحي خال من الروح ، إلا شباب لا يعتز بماض ، ولا يألم لحاضر ، ولا يطمح لمستقبل ، اللهم إلا أفرادا هنا وهناك ".

ومن أجل إنقاذ هذا  الشباب  وانتشاله من هذا الضياع ، وتخليصه من الذوبان في ثقافة الاستدمار وأخلاقه الغربية المادية ، وإعادة تربيته وفق دينه الحنيف ، وتبصيره بحقيقة أمره وبما يجري في وطنه ، وتوعيته بما ينتظر منه ، وإعداده لاستعادة الحياة الكريمة في ظل سيادته على أرضه والتحرر من كل أشكال العبودية والتّبعية المفروضة عليه ، قام رحمه الله بإحداث واستعمال مؤسسات تربوية متنوعة ، تختلف في طبيعتها لكنها ترمي في الأخير إلى غاية واحدة  ، وهدف مشترك ، لخصه الدكتور / رابح تركي في كتابه " الشيخ عبد الحميد بن باديس : رائد الإصلاح والتربية في الجزائر في ثلاث نقاط :

1-  حماية الشباب من عوامل الانحراف والفساد الخلقي والاجتماعي  .

2-  استغلال طاقته فيما يعود على الأمة والوطن بالنفع والفائدة .

3- تربية وطنية سليمة حتى لا يجرفهم تيار الفرنسة والتغريب الذي كان يهدد الجزائر كلها في الثلاثينات .

وفي هذه المؤسسات دأب الشيخ – رحمه الله – على توجيه عنايته بالدرجة الأولى على التربية ، فكانت المساجد لإلقاء الدروس في الوعظ والإرشاد ، بحيث تولى بنفسه هذه العملية بقسنطينة . وأرسل علماء الجمعية للتكفل بها في سائر أنحاء الجزائر ، كما فتح المدارس للأطفال يتعلمون فيها نهارا والشباب والكهول ليلا ، أما النوادي فكانت لها مكانة خاصة عنده ، بحيث جعلها للشباب فحسب قصد تنظيمهم وتهذيبهم فيها ، فأسس الجمعيات الثقافية والرياضية والفنية ، كجمعية الشباب الفني للموسيقى العربية ، وأفواج الكشافة الإسلامية الجزائرية  وتشجيع الأفواج القائمة آنذاك . ففي حوار ليومية السلام ( عدد /1278)  مع أحد المؤسسين للكشافة الإسلامية الجزائرية المرحوم الصادق الغول ، روى بأن الشيخ عبد الحميد بن باديس وهو خارج من مدينة مليانة بعد أن تمّ زيارته لها ، وجد الكشافة تردد  نشيدا يدعوا لرفع السلاح ضد المستعمر مستوحى من رواية بن وائل ، فسأله عنها فقال بأنها أفواج كشفية أنشئت منذ مدة فقال الإمام مشجعا : " هذا أمر عظيم يجب السير فيه إلى الأمام ، فسيروا وأعدكم بمجرد وصولي إلى مقاطعة قسنطينة سأعمل على تأسيس حركة مماثلة ولتكن بينكم علاقة .

لا غرو أن نجده في نشيده الذي خاطب فيه الشباب الجزائري يرمز إليه بفوجي " الرجاء " والصباح "  الكشفيين بقسنطينة ، فيقول :

يا نشء أنت رجاؤنا *** وبك الصباح قد اقترب

ورغم مضايقات الإدارة الاستدمارية  والتضييق على أنشطته وأتباعه ، و رصد تحركاته والتخطيط لاغتياله ، إلا أنه لم تفتر عزيمته ـ ولم تضعف همّته ولم يتوان لحظة واحدة في بذل الجهود و الصبر على عقبات الطريق و مشاقه ، من أجل إعداد الشباب وتربيته حتى يبني مستقبل الجزائر بيده ويصون كرامتها بعزيمته ، وهو الذي كان يقول عليه رحمه الله : " الشباب نتيجة الماضي . وزهرة الحاضر ، وآمال المستقبل  و عدّة الحياة .

 

المصدر : أسبوعية السفير ، العدد 98:من 02إلى 08 صفر 1423هـ- الموافق ل15إلى 21افريل 2002م

آخر التغريدات: