الإشكالية الحضارية عند مالك بن نبي

بقلم: حميد لعدايسية-

يعتبر مالك بن نبي أبرز مفكّر عربي معاصر في طرحه للإشكالية بمنهج متكامل عرفانيا وعقلانيا الحضارية، حيث أخذت الحيّز الكبير من تفكيره، ذلك لأنّ الحضارة من الشّروط اللاّزمة لأيّ اجتماع بشري مستقر، وهي حصانة لحياة الإنسان، وتأمين على مصيره، وحفاظ شخصيته الوطنيّة والدّينية، وفي ذلك يقول: “إنّني أؤمن بالحضارة على أنّها حماية للإنسان، لأنّها تضع حاجزًا بينه وبين الهمجيّة”.

ومع أنّ مالك بن نبي قد تمثّل فلسفات الحضارة الحديثة تمثّلاً عميقًا واستلهم في كثير من الأحيان بعض الفلاسفة الغربيين، إلاّ أنّ ابن خلدون يظلّ قدوته وملهمه الأكبر. يقول:”إنّ مشكلة كلّ شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدّمها”. هذا وقد أوضح مالك بن نبي أمرًا في غاية الأهميّة، وهو نقطة انفصام الحضارة، التي كان لابن خلدون السّبق في ايضاحها في مقدّمته، وهي النقطة التي ابتدأ منها عصر التخلّف الحضاري في العالم الإسلامي.

وعلى ضوء فكر ابن خلدون الذي تمّ قبوله من طرف مالك بن نبي كمنهج مبدئي، إلاّ أنّه يختلف عن ابن خلدون في كثير من آرائه، والقضية تحتاج منّا إلى تحليل واستقصاء كبيرين لا يتّسع لهما مجال القول هنا ويكفي أن أشير إلى عنصرين مهمين منها. أوّلهما أنّ مالك يقبل بدورة الحضارة على طريقة ابن خلدون: نقطة البداية، الصّعود إلى القمّة أو الأوج، الأفول؛ لكنّه لا يُسلّم بأنّه مكتوب أبدا على حضارة خفّت ضياؤها وسدر أبناؤها في ليل طويل أن لا تقوم لها بعد ذلك قائمة، لأنّ اليقظة أو النّهضة مرهونة في رأيه بما نصّت عليه الآية القرآنيّة: “إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم”.

ومعنى ذلك أنّ بعث الحضارة وولادتها من جديد أمران ممكنان تماما إذا ما توافرت بعض الشّروط الإنسانية الذاتية. ثاني هذين العنصرين أنّ مركّبات الحضارة عند مالك بن نبي، أو ما يُطلق عليه بـــــ ( الناتج الحضاري) – وهي تساوي عنده الإنسان+ التراب + الوقت – لا تبزغ إلاّ بدخول عنصر خارجي مستلهم من مبدأ روحي. ودورة الحضارة التي تقع بين حدّي الميلاد والأفول تقف عندما تفقد هذه الرّوح القدرة على السّيطرة على ( الغريزة ). فيدخل أصحاب هذه الحضارة في “عهد ما بعد الحضارة “. وعلى رغم أنّ إنسان هذا العصر مشوّه حضارياً إلاّ أنّه يظلّ لديه الاستعداد “لعمل متحضّر” من جديد بتضافر ثلاثة شروط: إرادة ( التّغيير الذاتي)، و(انعاش الفكرة الدّينيّة)، و واقع التّحدي على حدّ قول “تويبسي”.

وهكذا نرى أنّ المنحى العام لإشكالية مالك بن خلدوني في جوهره لكنّ مضامينه تستلهم الفكر الفلسفي الأوروبي الحديث إلى مدى بعيد. ولا شكّ أنّ لاستلهام مالك بن نبي للفكر الفلسفي الأوروبي مبرّرات موضوعيّة يمكن أن نلخصها فيما يلي:

1- الاهتمام بابن خلدون عند مالك بن نبي لا يقف عند حدود قراءته (للمقدّمة)، وإنّما يتخطّى ذلك إلى إحياء الإشكالية الرّئيسيّة فيها   اشكالية مصير الأمم ومستقبل التّمدّن.

2- أنّ مالك بن نبي قد وعى وعيًا تامًا خطورة النّظرة التّاريخيةالتي آمن بها ابن خلدون والتي قوبلت في أحايين كثيرة بالنّقد الشّديد وخاصّة عندما فُهم منها أنّها تبعث حقًّا على اليأس من المستقبل، وذلك بما يذهب إليه من القول بحتمية انقراض كل أنماط العمران.

3- وإن كان ابن خلدون المعلم النّظري لمالك بن نبي في بحثه عن “الإشكالية الحضارية”، وعن أسرار تقهقر مدينة العرب والإسلام، وفي بحثه عن الأسباب المفضية إلى الانتقال من حالة التّدنّي والتّدلّي إلى حالة التّمدّن والتّقدّم، أمّا المعلم العملي لمالك بن نبي فقد تمثّل بدون شكّ في واقع الإنحطاط نفسه، وفي التّحدّيات الصّميمة التي أثارها غزو المدينة الأوروبية لعالم المسلمين الحديث.

مرتكزات الإشكالية في فكره:

لقد عانى مالك بن نبي من الإشكالية الحضارية بعقله و وجدانه، وشغلت تفكيره في كل كتاباته، إلى درجة نستطيع أن نقول معها إنّ الفكر الإسلامي المعاصر لم يشهد تقريبا مفكّرا شغلته الإشكالية الحضارية مثل مالك بن نبي بعد ابن خلدون، إذ ركّز تفكيره حول هذه الإشكالية من أجل تأصيلها ودراسة أبعادها وأعماقها، مُدركا بأنّ مشكلة كلّ شعب هي في جوهرها حضارية.

وقد كان على وعي تام بهذه الإشكالية وصرف جهده العلمي في دراستها، فهو يقول: “أعتقد أنّ المشكلة التي استقطبت تفكيري واهتمامي منذ أكثر من ربع قرن وحتى الآن، هي مشكلة الحضارة، وكيفية إيجاد الحلول الواقعيّة لها و إزالة التّناقض بين النّجاح المادي والتّخلّف المعنوي، أعني تخلّف القيم وإهمالها، ولقد شعرت ومنذ فترة طويلة وعلى وجه التّحديد منذ وصولي إلى أوروبا لتلقي العلم عام (1930) أنّ المجتمعات المعاصرة بالغة التّعقيد ومتعدّدة الأنواع″.

وحين يُحدّد المشكلة الرّئيسية التي تواجه الأمّة الإسلامية يقول: “المشكل الرّئيسي بل أمّ المشاكل التي يواجهها العالم الإسلامي هي مشكلة الحضارة من طرفين، كيف تدخل الشّعوب الإسلامية العذراء دورة حضارية جديدة، وكيف نقود الشّعوب الإسلامية التي خرجت من حلبة التّاريخ لدورة حضارية جديدة…”. هذه القضيّة باختصار هي التي وجهت لها الجهود المتواضعة منذ ثلاثين سنة.

ومن هذه المنطلقات نرى أنّ محاور مرتكزاته الفكرية تدور كلّها حول “الإشكالية الحضارية”، ولذلك نجد كتبه جميعها قد صدرت تحت عنوان ثابت هو “مشكلات الحضارة”، وقد تميّز منهجه بالمنطق الصّارم والتّأمّل العميق، والقدرة على التّحليل، وذلك راجع إلى تكوينه الرياضي والعلمي.

مفهوم الحضارة:

الحضارة في مفهومية ابن نبي هي: ( جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل فردمن أعضائه جميع الضمانات الاجتماعية لتقدّمه). وما يلاحظ في هذا التّعريف أنّ الحضارة لا تعني تقدّم أو تطوّر طبقة أو فصيلة اجتماعيّة معيّنة لأنّ تكون الطّبقة الثّرية أو المثقّفة والمتعلّمة، وإنّما الحضارة هي ظاهرة اجتماعية شاملة ومستوعبة لكافة الطّبقات والشّرائح يعيش فيها كل فرد ويحيا حياةً سعيدة في عدل وأمن ورفاه. وعندما ارتفع نسق تفكيره وتطوّر فهمه للحضارة يقول: “إنّ جملة العوامل المعنويّة والماديّة اللاّزمة لتحقيق تقدّم الفرد موضوعية، وذلك بأن تتحول إلى سياسة تشريع، فيمثلان عالم الأفكار في هذا المجتمع على الصّعيد الاجتماعي والأخلاقي تمثيلاً مباشرًا”.

ومن هذه الحيثيات الفكريّة نرى أنّ الحضارة عند ابن نبي تتولّد من عالم الأفكار وتتحوّل إلى نظام اجتماعي مشروع قانونيًا وحاكمًا سياسيًا على المجتمع، ومؤطّر بالضوابط الأخلاقية ضمانًا للتّوجيه السّليم وخلقًا للحوافز الإنمائية والإعمارية في نفسية أفراد المجتمع، وبذلك كان مالك بن نبي صاحب رسالة حضارية، يؤمن بها ويدعو إليها، وقد جسّد هذه الرّسالة في كتبه تحت عنوان ثابت هو “مشكلات الحضارة”، تناول مشكلة الحضارة في “الظاهرة القرآنية” من حيث قاعدتها السّماويّة وإطارها العقيدي اللذان جاء بهما الإسلام، وتناولها في (وجهة العالم الإسلامي) من حيث مجالها الأصلي، والعوالم الدّاخلية والخارجيّة التي تواجهها. ودرس في “شروط النّهضة” نشوء الحضارات وأسباب انحلالها ليرسم أمام المسلمين طريق النّهضة.

الحضارة لا تُستورد:

ومن أسمى تصوّرات مالك بن نبي الدّالة على أصالة فهمه لـ “الإشكاليّة الحضاريّة”، أنّ الحضارة لا تُستورد من الخارج أي كان هذا الخارج وتقدّمه، فالحضارة: “لا تُشترى من الخارج بعملة أجنبية، غير موجودة في خزينتنا، فهناك قيم أخلاقية، اجتماعية ثقافية لا تستورد وعلى المجتمع الذي يحتاجها أن يلدها”. وإنّ الحضارة ليست شيئًا يأتي به سائح في حقيبته لبلدٍ متخلّف…، بل إنّ ابن المستعمرات هو الذي يذهب إلى الحضارة، إلى مصادرها البعيدة، وقبل كل شيء إلى مصادرها الأقرب من أصالته، وليست الحضارة في نيّة المستعمر ولو صحّت هذه النيّة، بل نتيجة الجهد الذي يبذله كل يوم الشّعب الذي يُريد التّحضّر.

وهذا التّصوّر فيه نقد صريح للاتّجاهات العلمانيّة التي طالبت بتقليد الغرب، بتقليد منتجات الحضارة الغربية واعتبارها المنهج الأمثل لنقل العالم الإسلامي من التّخلّف والانحطاط إلى الحضارة والازدهار، كاعتقاد طه حسين(1889-1973) حين يرى أنّ سبيل التّقدّم هو: “أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرّها”.

وفي نقد ابن نبي لهذا التّصوّر يقول: “لا يجوز لأي أحد أن يضع الحلول والمناهج، مغفلا مكان أمّته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته، مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمّته، أمّا أن يستورد حلولاً …، فإنّ في ذلك تضييعًا للوقت، ومضاعفة للدّاء، إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار، وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنيّة ونفسية ناتجة عن فكرة معيّنة، تؤرّخ من ميلادها عمليات التّطوّر الاجتماعي في حدود الدّورة التي ندرسها، فالفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار الدّورة الزّمنيّة الغربية، ومشاكل أخرى تولّدت في نطاق الدّورة الإسلامية).

مُعدّات البناء الحضاري:

1- إعادة تأصيل الإنسان في حضارته: من أبرز المعدّات في البناء الحضاري أن يُعاد تأصيل الإنسان- المعني بالحضارة – في ثقافته التي تشكّلت فيها شخصيته عبر التّاريخ، ذلك لأنّ الثّقافة هي حياة المجتمع وعنوان تطوّره ورباط الوحدة بين أبنائه، وأي مشروع حضاري لا ينبع من ثقافته هو مشروع محكوم عليه بالفشل، حتّى وإن توافرت له كلّ الوسائل الماديّة، وفي ذلك يقول ابن نبي: “الحضارة حركة شعب أيقظته ثورة على الواقع المختلف وتهيّأت له أفكار نابعة من تراثه وطبيعة تربيته الثّقافيّة الاجتماعيّة، وهي سير إلى الأمام مع وضوح رؤية الأهداف وبرمجة الخطوات للوصول إليها”.

2- الإنسان أساس البناء الحضاري: مفتاح الإشكالية الحضارية عند مالك بن نبي تنحصر في ثلاث مشكلات أوّلية هي: مشكلة الإنسان ومشكلة الوقت ومشكلة التّراب، ولكي نقيم حضارة في تصوّر مالك بن نبي، ولا نُكدّس أشياء ومنتجات، فلا بدّ أن نحلّ المشكلات الثلاث من أساسها، وقد تثير هذه المعادلة أو الصّيغة التي وضعها مالك بن نبي للحضارة أثناء التّطبيق اعتراضا هو:

إذا كانت الحضارة في خلاصتها عبارة عن ناتج لثلاث قضايا هي: الإنسان، الوقت، التّراب، فلم لا تكون الحضارة تلقائيًا حيثما توفرت هذه العناصر الثلاثة؟ ولعلّ الأستاذ مالك بن نبي كان يقتبس هذه المعادلات الفكرية أو التّشبيهات من اختصاصاته العلميّة الرياضّية والكيميائية، حيث نجد في هذه المعادلة تشبيها بالحقيقة الكيميائية لتركيب الماء الذي هو ناتج عن عنصري الأكسجين والأيدروجين وهذان العنصران الأخيران لا يكوّنان الماء تلقائيًا إلاّ بوجود مركّب آخر يقتضي تفاعلهما، وبالمثل فالفيلسوف مالك بن نبي على حق في أن يقول: “إنّ الحضرة لا تنشأ تلقائيا بتوفير تلك العناصر، إلاّ بوجود عامل يُؤثّر في مزجها”، ذلك ما يطلق عليه مالك بن نبي (العقيدة أو الفكرة الدّينية التي رافقت قيام الحضارات عبر التّاريخ).

والمركّب هو ما يتعلّق بحالة خاصّة وشروط خلقية وعقلية لازمة للإنسان ليبلغ درجة في التّقدّم والتّحضّر، والسؤال الضروري عن دور العقيدة أو الفكرة الدّينية، بهذا المفهوم هو: من أين للحضارات بمبدأ الشّعور أو الفكرة الدّينية أو الرّوح إن لم يكن أساسه أو مصدره الوحي؟ كما أنّه لا يمكن أن يتحقّق دور حضاري فعّال حقا في الأمّة إلاّ بشرط توحّد شبكة العلاقات الشّخصية والاجتماعية، والعلاقات الثّقافيّة والاقتصادية التي تكون عوامل التّحضّر في الأمّة، كما أنّ هذه العوامل تظلّ عناصر تحتاج إلى مساندة قانون أخلاقي وفاعليّة قويّة في استقامة الإنسان، تحرّره من عبوديته لنفسه بطاعته شهواته وغرائزه الشّريرة.

وبذلك يعيد مالك بن نبي للإنسان دوره الإستخلافي في الأرض بعد أن سُلب منه في الفكر السّياسي الذي يوجّه الدّول الكبرى ولا يرى في الإنسان إلاّ عالم أعداد وأرقام لا غير، وفي ذلك يقول: “إنّ الإنسان ليس في نظر المسلم الكم الذي تجري عليه تجارب المخبر وعمليات المصنع وحاجات الجيش، فالإنسان ليس الكم، بل الصّفة التي قرنها الله تعالى بالتّكريم في سلالة آدم”، ومن هنا كان لابدّ من تحرير الإنسان من جذور التّخلّف، وفي مقدّمتها هذا المرض الذي يسمّيه مالك بن نبي “القابلية للاستعمار”: ” لكي نتحرّر من الاستعمار يجب أن نتحرّر من سببه، وهو القابليّة للاستعمار”، وذلك لكي نتحرّر من القّيود الفكرية التي تعتبر مقدّمة لتحرّرنا من قيود التّبعيّة لمواجهة تخلّفنا ثم نعمل على نهضتنا لبلوغ الصّف الأوّل من الحضارة. لأنّ الاستعمار يسعى بشتّى وسائله وضغوطه ومخطّطاته، على الحيلولة دون تحقيق ذاتنا الحضارية في العالم الإسلامي خاصّة، والشّعوب المستضعفة عامّة، التي يرغب في استمرار استعماره لها.

ومن أخطر أعماله في هذا المجال، تفتيت عناصر الوحدة الثّقافية والاجتماعية، واستنزاف قوّة الأمّة بشتّى الوسائل، ومن أعماله بخصوص تفتيت الوحدة الثّقافيّة، نشر الضّلالات العلميّة، ومنها فصل معرفتنا عن جذورنا التّاريخيّة والجغرافيّة، حتّى لا تعطينا هذه المعرفة قدرًا كافيًا من البصيرة التي تقود إلى المعرفة الحقيقيّة بطريقة الوصول إلى الأهداف التي نتطلّع إليها من خلال المسيرة الثّقافية. ومثل هذه الضّلالات العلميّة تقود إلى الضّياع واليأس، ومن ثمّ الوهن الحضاري الذي يُتيح للاستعمار أن تنشط أعماله للتّحكّم بمقدّرات مسيرتنا الحضاريّة، لأنّ سلب المعرفة يقود إلى سلب الحريّة، ويقود بالتّالي إلى عدم التّنبؤ السّليم للوصول إلى الغايات. وفي ذلك يقول الفيلسوف مالك بن نبي: “قد تتغيّر خريطة توزيع الملكية في الوطن، وقد تبدّل الحروف اللاتينيّة بحروف عربيّة على واجهات لافتات  الحوانيت، إلاّ أنّ التّغييرات هذه جميعًا تصبح مجرّد سحر للأبصار ولا يستقرّ أمرها إذا لم يتغيّر الإنسان نفسه”.

ولعلّ السّياسات التي اتّبعها تعود في أساسها على حدّ قول بن نبي: “اتّجهت في كفاحها إلى المستعمر دون أن تلتفت إلى الفرد الذي تسخّره للقضاء على الاستعمار”. وتبقى هذه السّياسات ومثلها ثورات التّحرير في العالم الإسلامي تتخبّط في الفشل طالما تظلّ تستورد الأنظمة والفلسفات الأجنبية دون أن تُعير اهتمامًا للإنسان، وفي ذلك يقول ابن نبي: “فالثّورة لا تستطيع الوصول إلى أهدافها إذا هي لم تغيّر الإنسان بطريقة لا رجعة فيها من حيث سلوكه وأفكاره وكلماته… وإذا ما نظرنا إلى الأمور في عمقها، فإنّ ثورة ما لابدّ أن تسير طبقا للقانون الاجتماعي الذي تشير إليه الآية الكريمة:( إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم)”.

3- دور القيم الأخلاقيّة في بناء الحضارة: تبقى القيم الأخلاقية مركز الثّقل في حضارات الأمم، وشحنات الدّفع في مسيرتها، واستمرارية حضارة لا بدّ من أن يكون لها نظام تربوي وثقافي، يحسن استخدام كل الطّاقات البّشريّة والمّاديّة، ومن هذا المنطلق يرى فيلسوفنا مالك بن نبي أنّ نظم التّربية الاجتماعية العقديّة التّعبديّة الصّحيحة، تحدث الأثر والتّغيير حتّى في سمات الفرد الخاصّة ومظاهره الخارجية، وفي ذلك يقول المولى تبارك وتعالى: “…سيماهم في وجوههم من أثر السّجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجب الزرّاع ليغيظ به الكفّار”.(الفتح:29)

ولذلك يشير فيلسوفنا بن نبي إلى أنّ عناصر الحضارة من تراب وإنسان ووقت لن تجدي منفردة إن لم يكن الجامع المشترك لها الأخلاق، فهي الضّامن الوحيد لحماية الحضارة من الارتكاس إلى الهمجيّة فالتّخلّف، ذلك أنّ أيّة حضارة: “تلتزم رأس مال أوّلي يكون من الإنسان والتّراب والوقت فهي مركّبة من هذه العناصر الثلاثة الأساسيّة، ولا بدّ أن يركّبها العامل الأخلاقي أعني تماسكها، وبدون هذا العامل يوشك أن تتمخضكومة لا شكل لها، متقلّبة عاجزة عن أن تأخذ اتّجاها أو تحتفظ به”، وبذلك تكون الأخلاق هي الخيط الذي يجمع عناصر العامل التّحضيري، والرّوح الذي يحدّد مساره نحو تحقيق تحرر الإنسان وكرامته، أو نحو العمل على استبعاده حتى يفقد حصانة الضّمير الإيمانيّة التي تعصمه من السّقوط وتحفّزه للعمل من أجل التّقدّم.

وقد أكّد مالك بن نبي في أغلب كتاباته على أنّ تدهور حضارة المسلمين بدأ يوم تخلّى المسلمون عن التزاماتهم الأخلاقيّة التي عبّر عنها بخيانة عالم الأفكار، يوم أصبحت الأفكار في خدمة عالم الأشخاص والأشياء، فاستبيح الكذب وبًرّرت الخيانة والغش وأصاب النّاس الوهن فتكالبوا على الدّنيا: ” في بادئ الأمر عندما بدأت عمليّة اندماج المجتمع الإسلامي في التّاريخ، تأسّس عالم الأشخاص فيه على نموذج فريد يمثّله مجتمع الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم الأخوّة في المدينة، ولقد جسّد هذا النّموذج الفكرة الإسلاميّة، وكان بالنّسبة للعصور التّالية الصّورة المثالية التي وجد فيها المسلمون القدرة والإلهام والذكريات العزيزة…واستمرّ الامتداد حتى نقطة الإنتكاسوالإرتدادحيث تجمّدت الفكرة وأصبحت المسيرة إلى الوراء، ورجع المجتمع الإسلامي على أعقابه… وتقهقر… ولكنّ عالم الأشخاص فيه لم يعد على هيئة النموذج الأوّل الأصيل، بل أصبح على صورة المتصوفين والدّجّالين في كلّ نوع ولا سيّما في نوع “الزّعيم”، أمّا عالم الأشياء فلم يعد متواضعًا وضروريًا…فقد استبدّت الأشياء بالعقول وبالنّفوس، وقد تكون هذه الأشياء تافهة ولكنّها برّاقة.

ولقد ظهر الانفصام بين المسلم والفكرة يوم قال عقيل بن أبي طالب أخو الإمام علي:”إنّ صلاتي مع علي أقوم لديني، وطعامي مع معاوية أقوم لحياتي”؛ إنّ هذه الحياة النّفسية الموزّعة بين الطّعام و الصّلاة كانت من الأعراض التي تُنبئ عن بداية صراع الفكرة والشّيء، أي بداية تبعثر الالتزامات الخلقيّة التي ستحمي الحضارة الجديدة بعد أربعة قرون.ومهمّة الرّوح الخلقي في المجتمع ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: “وألّف بين قلوبهم، ولو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم، ولكنّالله ألّف بين قلوبهم، إنّه عزيز حكيم”. (الأنفال:63)

وهكذا يرى بن نبي أنّ التّماسك الضّروري للمجتمع الإسلامي موجود بكلّ وضوح في الإسلام، ولكن أيّ إسلام؟ إنّه الإسلام الحي المتحرّك في عقولنا وسلوكنا والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي، وقوّة التّماسك جديرة بأنّ تؤلّف لنا حضارتنا المنشودة وفي يدها _ضمانًا لذلك- (تجربة عمرها ألف عام، وحضارة وُلدت على أرض قاحلة وسط البدو، رجال الفطرة والصّحراء)، وهذه الرّوح الأخلاقية هي التي ستسم –أي حضارة- بالنّزعة الجماليّة، لأنّ (للجمال أهميّة اجتماعيّة كبيرة… فبالذّوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعًا إلى الإحسان في العمل وتوخيًا للكريم من اعادت).

ونحن في حاجة إلى المنطق العلمي الذي يعني كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه، لاستخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معيّنة  إذ أنّه كما يقول مالك بن نبي: “في حياتنا اليومية جانبًا كبيرا من اللاّفاعلية في أعمالنا، إذ يذهب جزء كبير في العبث والمحاولات الهازلة”  ويعود ذلك إلى أنّنا لا نربط بين الأشياء ووسائلها، وبين الأشياء وأهدافها، حتى أصبح المجتمع الإسلامي المعاصر –مع الأسف- لا يعيش طبقا لمبادئ القرآن، ولكّنه يتكلّم تبعا لمبادئ القرآن.

إنّ الذي ينقصنا ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل و الحركة… و أنّ الحل الوحيد لمشاكلنا في نظر مالك بن نبي :”منوط بتكوين الفرد الحامل لرساله في التّاريخ”. وأصل الحضارة في تصوّر ابن نبي أنّها ليست سوى فكرة تتجسّد في رجل مثل إبراهيم الذي ذكر في القرآن بأنّه أمّة: “إنّ إبراهيم كان أمّة…”(النّحل:119)، ويبقى تأثير الفكرة في المجتمع أو الأمّةمرتبطًا بشروط منها القابليّة الدّاخليّة لأبناء الأمّة لهذه الفكرة أو تلك، وعنصر المكان لأحداث التغيير الاجتماعي، فالفكرة الإسلاميّة مثلا ما استطاعت أن تؤدّي دورها إلاّ لكون شبه الجزيرة العربيّة كانت مكانًا ملائمًا وأرضًا عذراء، وكان الإنسان العربي بها مهيأ فطريا قابلا للتّحضير.علما أنّ جزيرة العرب لم يكن بها قبل نزول القرآن إلاّ شعب بدوي، يعيش في صحراء مجدبة، بذهاب وقته هباء لا ينتفع به لذلك كانت العوامل الثلاثة:(الإنسان + التّراب+ الوقت) راكدة مكدّسة لا تُؤدّي دورا، حتى تجلّت الرّوح بغار حراء كما تجلّت من قبل بالوادي المقدّس، أو بمياه الأردن فنشأت من العناصر الثلاثة حضارة جديدة، كأنّها ولدتها كلمة ( إقرأ).

ومن هذه المنطلقات الفكرية، والمؤشّرات العقديّة التي أثارها فيلسوفنا إبن نبي، فإنّ من واجب أمّة الإسلام التي تحاول أن تسعى إلى التّجديد، أن تبتعد عن التّخبط في التّجديدات الشّكلية، إذا إنّ إعادة الحقيقة لا تنطلق من تكديس المنتجات، وإنّما تنبجس من المنابع والجدور الفكريّة.هذه بإيجاز كبير الإشكالية الحضارية عند مالك بن نبي، ويبقى فكره أكبر من أن يلم به مثال من هذا الحجم، وكم نحن في حاجة أكيدة إلى الاستفادة من كتابات مالك بن نبي، عوض استيراد النّظريات والفلسفات التي ظهر افلاسها …فما حكّ جلدك مثل ظفرك.

آخر التغريدات: