عمق الرؤية الحضارية عند الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي

بقلم: حميد لعدايسية-

ومما يدلنا على عمق الرؤية الحضارية عند الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، أنه كان طول حياته مدافعا عن عروبة الجزائر الثقافية، إذ أنه أدرك بثاقب نظره وحدسه التاريخي أن (عروبة الجزائر ثقافية(، وفي ذلك يقول في نفس العنوان السالف الذكر صفحة: 309-310 ونفس هذا السياق أريد أن أتعرض لمفهوم العروبة، لأقول بأن المقصود عندنا بهذه العبارة... محتواها الثقافي بشكل خاص... فنحن لا نوافق من يؤول هذه العبارة تأويلات عنصرية... فنحن إذن نعطي للعروبة مفهوما ثقافيا نقضي به على بذور التفرقة... وإن أكدت على دور التاريخ في غرس فكرة الارتباط بالأرض وبث روح التآزر بين أبناء الشعب الواحد فلأن الثقافة الجزائرية ينبغي أن تندرج في إطار الديمومة التاريخية لشعبنا.

لقد كانت رؤية الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من خلال مدونات لا حصر، لها أبرزها (رسائل من السجن) )مذكرات جزائري) بجميع أجزائها، )المعضلة الجزائرية 1989 م 1999 -م(، (محاضرات في الحضارة الإسلامية) التي ألقاها الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي على طلاب المدرسة الوطنية للإدارة من سنة 1975 م إلى سنة 1982 م، و)شاهد على العصر) الذي أعدته قناة الجزيرة. هاتان المدونتان مازالتا لم ترى النور إلى حد كتابة هذه السطور.

لقد وقف الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من خلال هذه المدونات كمثقف على قمة عصره، وكان ممثلا لآخر جيل الرواد، وخاصة عن طريق حسه خر جيل الرواد، وخاصة عن طريق حسه لتاريخي البارز، الحس الذي يكشف الدسائس التي تريد أن تخترق حصوننا الحضارية والتاريخية والفكرية، وهي صفات متأتية من كونه عضو بمجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضو الأكاديمية الملكية بالأردن، وعضو مؤسس لمعهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بفرنكفورت بألمانيا سنة 1982 م.

هذه مقاربة أملتها التقاليد المنهجية والعلمية، التي تتناول الشخصيات العلمية المؤثرة في الأمة والمساهمة في صناعة تاريخها، والدكتور طالب لا يقل بأي حال من الأحوال عن أي دور قام بأدائه أعظم المفكرين في أمتنا العربية من مشرقها إلى مغربها على امتداد تاريخها من القديم إلى الحديث حتى أيامنا هذه. فالدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من المفكرين العرب الذين استوعبوا ثقافة الغرب استيعابا أكاديميا، واستوعبوا الإستشراق بجميع مدارسه، كما أنه من المستوعبين لأصولنا الحضارية والثقافية؛ لذلك فهو من المفكرين الذين يرون أن الهوية الوطنية تتكون من عناصر ثابتة، وعميقة الجذور تاريخيا، وهناك عناصر متغيرة مشروطة بالتحولات التاريخية لهذا الوطن. والمقصود بالتحولات: هي التحديات الخارجية التي تتثاقف في كثير من الأحيان مع العناصر الثابتة التي تتأثر بها وتؤثر فيها على حد سواء. لذلك فهو عندما أراد أن يحدد عناصر الهوية الوطنية من هذا المنظور المتحول فقد حدد عناصرها بعناصر ثلاثة: العنصر الأمازيغي الذي مازال ممتدا بتصورات شديدة العمق التاريخي، وفي هذا العنصر يستشهد الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بأحد عظماء القرن الثاني عشر، وهو ابن تومرت -منضر ومؤسس دولة الموحدين- حيث يقول في مدونته الموسمة بـ: (المعضلة الجزائرية) صفحة 23 )كان ابن تومرت( يتعامل في حياته اليومية بلهجتنا الأمازيغية، وذلك عندما ألف كتاب (أعز ما يطلب) ألفه باللغة العربية.

أما العنصر الثاني من مقومات الهوية الوطنية فهو العروبة، وسبق أن شرحنا رأيه في العروبة، كما يرى الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي أن الإسلام من العناصر الأساسية في تكوين الهوية الوطنية، لأنه يتصل بالقيم الروحية التي حافظت على تماسك هذه الهوية بكل مكوناتها، حيث جمعت هذه العناصر السالفة الذكر بين العنصر الأمازيغي الذي لم يمحه من الوجود، تعاقب الغزوات والاختراقات (رومانية إسبانية، فرنسية... إلخ( وهذا ما أكده في مذكراته الجزء الثاني، ص 44 : حيث يقول بالحرف الواحد (لم

أتوقف يوما عن الدفاع عن فكرة قيام الشخصية الوطنية على ثلاثة دعائم: الأصول البربرية والثقافة العربية والحضارة الإسلامية عندما احتلت فرنسا الجزائر؛ وأمام استحالة تغيير أصولنا، وجعلونا أمساخا من نسل الغاليين (goulois) هاجمت الدعامة الأخرويتين لهويتنا، بغية فرنستنا. واستهدفوا الدين الإسلامي طمعنا في تنصيرنا، وحدث ذلك كله تحت غطاء »الرسالة الحضارية «،وذلك بالذات ما يفسر أنه في مجموع أدبيات الحركة الوطنية لا توجد أية مرجعية إلا مرجعية العروبة والإسلام، بسبب أنهما يتعرضان للخطر خلافا لما هو عليه البعد البربري الذي استعمله الاستدمار كأداة حيث لا توجد » بربر « » عرب « لخلق صراعات إلا خصوصيات لغوية.

هكذا تحدث الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي عن الهوية الوطنية كإحساس ينبع من حاجتنا إلى الانتماء، بل هي حاجة طبيعية للجزائر العابث بها من طرف من لا هوية لهم، لأن في الانتماء احتماء، والاحتماء ترجمان الجزائر البربرية الأصول، العربية اللسان، إسلامية الروح. وفي هذا يقول في مذكراته الجزء الثاني، ص:385 » إن الذين ينكرون حتى وجود الجزائر قبل 1830 م فإنهم أولائك الذين يسكتون عن (12 عشرة( قرنا من الحضارة الإسلامية، ويزرعون التفرقة بين العرب والبربر والمتلاحمين إلى الأبد بفضل الإسلام( يريد أن يؤكد الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من خلال هذه الحيثية التاريخية أن لغة الفاتح العربي ما لبثت أن تغلغلت تلقائيا في سويداء الجماهير البربرية، قبل أن تنصهر إبان الحكم البربري في بوتقة واحدة مع الحضارة الأندلسية خلال ثلاثة قرون، تجتمع فيه أروع ما عرفه أروع ما عرفه الفكر الإسلامي في العلم والفن والثقافة، مما تمخض عنه عصر النهضة والانبعاث في أوروبا.

هذا هو الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بمبناه ومعناه، والذي قال عنه الرئيس الفرنسي أثناء الاستعمار »مندوس فرانس« »إنه العنيد« لأنه رفض أن يستسلم للمغريات الفرنسية التي تريد أن تفصل الإتحاد العام الطلبة المسلمين الجزائريين عن جبهة التحرير الوطني، حيث قال الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي لـ» كمندوس فرانس«عبارة مقتبسة من» مونيي «إن جبهة التحرير الوطني هي محط أمل البائسين( ففاجأ منداس بهذا العناد، وبقي عنيدا ورفض كل المغريات الفرنسية التي راودته عن نفسه ليكون مرشحا لها لرئسيات 1999 م التي أنسحب منها عزيز النفس، أخذته العزة بالملحمة النوفمبرية، وبالأصول الأصيلة، فهو كما وصف الله تعالى الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة في القرآن الكريم: »ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء « سورة إبراهيم: 24، وستكون لنا وقفة بإذن الله تعالى مع دراسة أخرى بعنوان مدونة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في محراب التاريخ.

آخر التغريدات: