من أسباب النهضة

بقلم: محمد الهادي الحسني-

أغلب علماء الدين ينزوون في مساجدهم أو معابدهم أو زواياهم، وعلى الناس أن يسعوا إليهم، وحجة هؤلاء العلماء في ذلك مقولة منسوبة إلى الإمام مالك - رضي الله عنه وأرضاه- مؤدّاها أن "العلم يؤتى ولا يأتي"، وحتى إن صحّت نسبة هذه المقولة إلى الإمام مالك، فإنها لا تؤخذ بإطلاق.. فهي "إن صدقت في زمان لا تصدق في كل مكان". (آثار الإبراهيمي 4/119).

وقد كان سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- يتصل بالناس في محالّهم ومضاربهم، وقد سجل القرآن الكريم ما قاله المشركون عنه - صلى الله عليه وسلم- من أنه "يأكل الطعام ويمشي في الأسواق".

وعندما بدأ الإمام المرتضى عبد الحميد ابن باديس حركته المباركة أحي هذه "السنّة الفعلية للرسول - عليه الصلاة والسلام- فكان يخصص جزءا من وقته لزيارة الناس في المدن والقرى والمداشر أداء لأمانة التبليغ، وفي شهر سبتمبر من عام 1938 زار مدينة العلمة التي نجّستها فرنسا بتسميتها باسم أحد أكابر مجرميها وهو "سانت آرنو" كما نجّست مدينة سطيف بذلك التمثال.

من نشاط الإمام ابن باديس في تلك الزيارة إلقاء محاضرة استغرقت نحو ساعتين تحت عنوان: "لا تنهض أمة من الأمم إلا بثلاث: الدين والعلم والظلم". (البصائر 23/9/1938. ص 5. عمود 3). اللافت للنظر في هذه المحاضرة أن يجعل الإمام ابن باديس "الظلم" من أسباب النهضة.

إن من تعامل مع تراث إمام الجزائر يعلم أنه لم يكن راجعا بالغيب، بل كان متحدثا بفهم ووعي من اطلع على تجارب الأمم، وعرف أسباب ثوراتها على ظالميها من ملوك وأمراء ورؤساء ومستعمرين..

وقد حدّثنا الشيخ عبد الرحمن شيبان - رحمه الله- أن الإمام ابن باديس ألقى درسا في مدينة بجاية، ومما جاء فيه: "إن الأمم لا تنهض إلا بقوة العلم أو قوة الظلم، فأما قوة العلم فنحن فيها فقراء، وأما قوة الظلم فنحن فيها أغنياء، فاللهم إن كنت تريد بهذا الظلم إيقاظنا فزدنا منه".

إن أمتنا العربية والإسلامية واقعة الآن تحت ظلمين أرحمهما بها أظلم من فرعون، وهذان الظلمان داخلي وخارجي، فالداخلي يتمثل في هؤلاء الأصنام من الحكام، والخارجي يتمثل في هؤلاء "الجبابرة" من المستعمرين. ولا نهضة للأمة إلا بالتخلص من هؤلاء الظلاّم، وصدق الإمام الإبراهيمي القائل: "لا أظلم من الظالم إلا من يخضع لظلمه، ويحترم قوانينه الظالمة". (البصائر 4 أفريل 1949).

آخر التغريدات: