أباطيل بدري المدني وحقائق التاريخ.!

أباطيل بدري المدني وحقائق التاريخ.!

بقلم:كمال أبوسنة-

الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله شخصية إصلاحية عالمية، تعدّى تأثيرها الفكري والنضالي حدود الجزائر...

وقد اعترف بعبقرية الإمام الرئيس ذوو الألباب والنهى في العالمين الغربي والإسلامي، فعرفوا قدره، ورفعوه مكانا عليا، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء...

بيد أن الإمام المصلح عبد الحميد بن باديس وزملاءه وجمعيته لم يعدموا خصوما يناصبونهم العداء ويكيلون لهم التُّهم، ويرمونهم بالأباطيل، ويزورون الحقائق، ليلوثوا تاريخهم الأبيض الناصع بسواد حقدهم، وعظيم مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال...

لقد رمى خصوم الإمام عبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الجزائر بسهام من الأكاذيب لتشويه صورتهما لدى العامة والخاصة، ولكن أبى الله إلا أن تعود سهامهم إلى نحورهم وينكشف باطلهم بما أظهره الله من الحق، وها هو السيد بدري المدني من تونس ينضم إلى قافلة المناوئين لجمعية العلماء ورجالها ويشارك في الحملة الشرسة عليهم التي تولى كبرها بعض المستلبين فكريا في الجزائر ليرفع عقيرته مدعيا بعض الادعاءات الكاذبة الخاطئة في ابن باديس والإبراهيمي وجمعية العلماء فيما خطته يمينه التي ستشهد عليه يوم القيامة بما كسب من الإثم في مقال له موسوم بـ"اتحاد علماء المسلمين "القرضاوي" وجمعية علماء المسلمين "ابن باديس" وجهان لعملة واحدة" بجريدة [ المغرب السياسي] الصادرة يوم الثلاثاء 03/10/2017... وفي هذا الرد لن أجادل عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيسه الدكتور يوسف القرضاوي فهناك من يمكنه الرد من أعضاء الاتحاد أو من تلاميذ الشيخ... وسأقتصر في ردي على ما يخص جمعية العلماء.

حين قرأت المقال الطويل للسيد بدري المدني المملوء بالمغالطات والتحامل على جمعية العلماء وعلى الإمامين ابن باديس والإبراهيمي أشفقت عليه مما يعاني من جهل فاستخلصت من ذلك أنه أراد أن يوهم القراء بفكرتين أساسيتين وهما:

1- أن الإمام الإبراهيمي كان من خصوم الثورة التحريرية ومعارضيها ومن مهادني الاستعمار...وحين نقول الإبراهيمي فبالتبعية تُذكر جمعية العلماء.

2-أن جمعية العلماء هي امتداد للحركة الوهابية لأن مؤسسيها ابن باديس والإبراهيمي هما وهابيان سلفيان وقد أسسا بمرجعيتهما للتشدد والإرهاب والإسلام السياسي الفاشل...

ومن عجيب ما بدأ به مقاله المسموم وصف إصلاحات ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بـ"الواهية" و"الأكذوبة"، ويظهر من هذه البداية المتهافتة أن الرجل غير مطلع على ما حققته جمعية ابن باديس في تاريخ الجزائر المعاصر من إنجازات في محاربة الاستعمار بنوعيه: الاستعمار الروحي والعسكري، و"الاستعمار الرّوحي لا يُعدّ الاستعمار المادي معه شيئًا مذكورًا" كما قال الإبراهيمي.

أو ربما أن الرجل له شيء من الاطلاع، ولكن أعمته غشاوة تطرفه "الديني" ففكر وقدر ثم رأى أن يلغي كل ما قدمته جمعية العلماء في تاريخها برئاسة الشيخين، منذ تأسيسها إلى استقلال الجزائر، بجرة قلم حاقد حاسد، ولهذا صدق من حذر من سوء "الصوفية حين تشطح" التي تختلف عن "صوفية الجنيد السالك" فالسيد بدري المدني تطرّف في صوفيته فشطح غير أنه نطح صخرا صلدا، فصدق فيه قول «الأعشى»:

كناطحٍ صخرة يوماً ليوهنها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ

والغريب أن السيد بدري المدني حاول التأكيد على صحة تلفيقاته التاريخية في مقاله المسموم بالاختفاء خلف السيد بلعيد عبد السلام فقال:"...لأول مرة يجرؤ أحد مناضلي الحركة الوطنية الجزائرية اسمه بلعيد عبد السلام على كشف المستور حول الدور السلبي للشيخ البشير الإبراهيمي-من أبرز مؤسسي جمعية علماء المسلمين الجزائرية-تجاه القضية الوطنية وحرب التحرير الوطني وذلك في كتاب بعنوان" كتابات وتحليلات غير منشورة، حول قضايا ماضي غير بعيد". كشف فيه الدور المهادن والمتصالح سياسيا مع الإدارة الاستعمارية بل انتقد بلذاعة دور الشيخ الإبراهيمي تجاه ثورة التحرير لأنه كان مواليا للأنظمة العربية الملكية الموالية للاستعمار البريطاني التي كانت تكيد لجمال عبد الناصر الذي أطاح بالملكية المصرية وناصر الثورة الجزائرية، وهذا ما شكل عقدة للإبراهيمي الذي احتفظ بكراهية لأحمد بن بلة الذي وجد الدعم من عبد الناصر خلال الثورة وبعدها. بهذه الشاكلة بدأت الإطاحة بصنم جمعية العلماء وبشيخها الإبراهيمي...".

إنّ هذا الكلام ردده من قبل "احميدة العياشي" بنفس العبارات في مقال له بجريدة الحياة الجزائرية بعنوان:" بلعيد يطيح بصنم جمعية العلماء،الشيخ الابراهيمي" فهل هي توارد خواطر وأفكار أم توافق من وراء الأكمة على تشويه جمعية العلماء ورجالاتها؟.

ومهما يكن من أمر فإن السيد بلعيد عبد السلام له كامل الحرية في أن يقول ما يشاء ويتوهم ما يريد، ولكن من حقنا أن نناقش ما جاء به من انتقاد في حق الإبراهيمي والمقصود به ضرب جمعية العلماء وترديد أكذوبة معارضة الجمعية للثورة التحريرية، والحق أن هذا الكلام عارٍ عن الصحة، ولا يحتاج إلى كثير عناء للتدليل على مجانبته للحقيقة التاريخية التي أثبتت أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بزعامة الشيخين ابن باديس والإبراهيمي، كانت من أشد الحركات الجزائرية، بل والعربية والإسلامية، المؤمنة بالاستقلال الوطني، والعاملة في سبيله، والمتحركة نحوه في كل نشاطاتها التربوية والتعليمية والإرشادية والسياسية...

إن القارئ الذكي لأدبيات أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومواقفهم، وعلى رأسهم الإمام عبد الحميد بن باديس والإمام محمد البشير الإبراهيمي –رحمهما الله- المنشورة في جرائد الجمعية وغيرها، سيدرك بسهولة أن هؤلاء العلماء كانوا يرمون في جهادهم الشامل المصبوغ بلون التربية والتعليم، إلى إعداد الشعب بعد التنوير لمرحلة التحرير، وإخراجه من مرحلة التيه إلى مرحلة اكتشاف الذات، وفصله عن كوابل الاستعمار العسكري والثقافي الذي حاول استئصاله، فلما استصعب ذلك، عمل على دمجه ومسخه.

وقد عبرت جريدة "صدى باريس" فيما نقلته جريدة البصائر بالعدد 61 بتاريخ 20 محرم 1356هـ/ 2 أفريل 1937م عن هذه الحقيقة –وخير الحقائق ما أكدها الخصوم-، فقالت: "...إن الحركة التي يقوم بها العلماء المسلمون في الجزائر أكثر خطرا من جميع الحركات التي قامت حتى الآن فيها، ولأن العلماء المسلمين يرمون من وراء حركتهم هذه إلى هدفين كبيرين: الأول سياسي، والثاني ديني، والعلماء المثقفون هم العالمون بأمور الدين الإسلامي وفلسفته، والواقفون على أسرار معتقداته، فهم لا يسعون إلى إدماج الجزائر بفرنسا، بل يفتشون في القرآن نفسه عن مبادئ استقلالهم السياسي...".

وهذا المعنى الذي سبق، هو الذي بيَّنه إمامنا محمد البشير الإبراهيمي في مذكرته التاريخية التي رفعها باسم جمعية العلماء إلى جامعة الدول العربية، ونشرتها صحيفة "منبر الشرق"، وصحيفة "الدعوة" في أوت 1954 بالقاهرة، جاء فيها: "مبدأ جمعية العلماء يرمي إلى غاية جليلة، فالمبدأ هو العلم، والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها، قسمان: تحرير العقول والأرواح، وتحرير الأبدان والأوطان، والأول أصل الثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح من الأوهام في الدين والدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية، والأوطان من الاحتلال، متعذرا ومتعسرا، حتى إذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدا، إنه بناء على غير أساس، والمتوهم ليس له أمل، فلا يرجى منه عمل، لذلك بدأت جمعية العلماء منذ نشأتها، بتحرير العقول والأرواح، تمهيدا للتحرير النهائي".

ويقول الإمام عبد الحميد بن باديس –رحمه الله-، وهو يتحدث عن الحرية وأهميتها في حياة الأمم والأفراد، في مجلة الشهاب بتاريخ جانفي 1937م: "حق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، المعتدى عليه في شيء من حريته، كالمعتدى عليه في شيء من حياته".

وهذا ما دفع الإمام الإبراهيمي ليعترف بهذه الحقيقة الناصعة التي لا ينكرها إلا جاحد أو حاسد في رفيقه المجاهد ابن باديس، الذي كان من السابقين في رفع الصوت عاليا مناديا بالحرية حين قال في "المذكرة السابقة": "الحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان، والشهادة التي يؤديها لوجه الحق حتى رجال الاستعمار، هي أن أول صيحة ارتفعت بحرية الجزائر كانت من لَهَاةِ عبد الحميد بن باديس ولسانه، وأن أول صخرة وضعت في أساس نهضة الجزائر بجميع فروعها، من علمية وسياسية واجتماعية وأخلاقية إنما وضعتها يداه...".

ولما اندلعت ثورة التحرير المجيدة بادر الإمام الإبراهيمي ومعه الشيخ الورتلاني إلى توجيه نداء إلى الشعب الجزائري في 03 نوفمبر 1954م، يدعوانه إلى الالتفاف حول المجاهدين الثائرين حين تنكر لهم بعض الجزائريين، وفي الخامس عشر من نوفمبر نفسه، وجها نداءا آخر على أمواج إذاعة صوت العرب من القاهرة يدعمان به فتوى الجمعية الصادرة في 25 جوان 1954، التي أعلنت فيه يأسها الكامل من عدالة فرنسا وصدقها في التعامل مع القضية الجزائرية. فكان لهذا النداء أثره البالغ في إخراس العملاء والمشككين في شرعية الجهاد باسم الدين.

وأُحيل السيد بدري المدني أيضا إلى البيان المسمى "ميثاق جبهة تحرير الجزائر"، الذي وقعه الإمام الإبراهيمي في 17 فبراير 1955، بعد اندلاع الثورة، ومن موقعي هذا الميثاق معه السادة ابن بلة، وحسين آيت أحمد، ومحمد خيضر، ومزغنة، والشاذلي المكي، والفضيل الورتلاني، وأحمد بيوض. [انظر: فتحي الديب. عبد الناصر وثورة الجزائر].

إن بعض البلاد العربية والإسلامية كباكستان، والعراق، وسوريا، والسعودية، والأردن، والكويت، لتشهد شهادة حق على مساندة الإبراهيمي للثورة وخدمتها بكل قوة وإخلاص، ويشهد على ذلك كبار المناضلين مثل السادة أحمد بودة، والأمين دباغين، ومحمد يزيد، وعبد الحميد مهري..وغيرهم كثير.

لقد اعتمد السيد بدري المدني على ما سمعه من خصوم جمعية العلماء، فالحزبية المقيتة تفعل بالناس الأفاعيل، ولو اطلع على ما كتبه علماء الجمعية ومنهم رئيسهم ابن باديس لعلم أنهم كانوا من أشد المؤمنين باستقلال الجزائر، حيث كتب الإمام الرئيس عبد الحميد بن باديس في الشهاب بتاريخ جوان 1936 وكان عمر السيد بلعيد عبد السلام يومها تسع سنوات: "إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا، وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة.. فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ، فمن الممكن أن تزداد تقلبا، وتصبح مستقلة استقلالا واسعا، تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر..."

ومثل هذه المفاهيم والدعوات هي التي صنعت جيل الثورة، ويكفي الجمعية فخرا أن أعضاء 22 الذين أعلنوا الثورة وفجروها منهم من هم من أبناء الجمعية، والمتأثرين بها، وقد كان سي بن بولعيد تلميذا من تلاميذ مدارس الجمعية وعضوا فاعلا في شعبتها بآريس، والعربي بن مهيدي الشهيد كان من تلاميذ جمعية العلماء، والشهيد محمد العيفى قائد الولاية العسكرية السادسة، من تلاميذ معهد عبد الحميد بن باديس، وسي عميروش كان من أعضاء شعبة باريس النشطين والمؤمنين بأفكارها، ويكفيها فخرا أنها أعدت للثورة رجالا قادة وجنودا، وقدمت الكثير من الشهداء، وعلى رأسهم "الإمام الشهيد العربي التبسي" نائب رئيس جمعية العلماء القائل: "إن الاستعمار حيوان مسلح لا يعرف إلا ما كانت لغته القوة والسلاح..." (البصائر س3/ع90/1949).

أما بخصوص اتهام جمعية العلماء أنها امتداد للحركة الوهابية لأن مؤسسيها ابن باديس والإبراهيمي هما وهابيان سلفيان وقد أسسا بمرجعيتهما للتشدد والإرهاب والإسلام السياسي الفاشل...فهذا حديث خرافي فيه من لي عنق الحقيقة والغلط ما يعلمه كل من قرأ تراث الشيخين ابن باديس والإبراهيمي، و" أهل مكة أدرى بشعابها "، فهما أسَّسا معا مدرسة إصلاحية جزائرية وسطية لها أصولها وخصائصها ومميزاتها قد تشترك مع بعض الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي في بعض القواسم، وتشابهها في بعض الوسائل والغايات، وتجمعها ربما كثير من الهموم والآمال، غير أن جمعية العلماء حركة لها خصوصياتها التي جعلتها مختلفة عن الحركات الإصلاحية الأخرى في العالم الإسلامي بسبب الواقع الذي وجدت فيه والظروف التي أحاطت بها وتكوين رجالاتها المتنوع الذي كان عامل تكامل لا تضاد، ففي الجمعية كان من العلماء الزيتوني والأزهري والمتخرج من الشام والدارس في الحجاز، والإباضي، وبعضهم من أبناء بعض الزوايا الصامدة المتواجدة عبر الوطن الذين تعلموا فيها القرآن والعلم النافع وهيأتهم ليكونوا من العلماء والمعلمين...فكانت جمعية العلماء جامعة لكل أبناء الجزائر الذين قبلوا بالعمل تحت ظلها، وكانوا محترمين لقوانينها، ومعترفين برئاسة الشيخين وزعامتهما.

لقد حاول السيد بدري المدني أن يلصق بابن باديس والإبراهيمي صفة "الوهابية" ظانا منه أنه بذلك يذمهما، ويلبسهما لباس التشدد والتطرف، ولكن أحسن رد عليه هو ما رد به الإمام عبد الحميد بن باديس على أمثاله من المشبهين المزورين في مقال بعنوان" عبدويون! ثم وهابيون! ثم ماذا؟ لا ندري. والله!" جاء فيه ما يلي:" لما قفلنا من الحجاز وحللنا بقسنطينة عام 1332ه وعزمنا على القيام بالتدريس أدخلنا في برنامج دروسنا تعليم اللغة وأدبها والتفسير والحديث والأصول ومبادئ التاريخ ومبادئ الجغرافية ومبادئ الحساب وغير هذا ورأينا لزوم تقسيم المعلمين إلى طبقات واخترنا للطلبة الصغرى منهم بعض الكتب الابتدائية التي وضعتها وزارة المعارف المصرية وأحدثنا تغييرا في أساليب التعليم وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي والفرنسي ونحبب الناس في فهم القرآن وندعو الطلبة إلى الفكر والنظر في الفروع الفقهية والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين ومؤلفات المعاصرين، لما قمنا بهذا وأعلناه قامت علينا وعلى من وافقنا قيامة أهل الجمود والركود وصاروا يدعوننا للتنفير والحط منا (عبداويين) دون أن أكون- والله- يوم جئت قسنطينة قرأت كتب الشيخ محمد عبده إلا القليل فلم نلتفت إلى قولهم ، ولم نكترث لإنكارهم، على كثرة سوادهم وشدة مكرهم وعظيم كيدهم، ومضينا على ما رسمنا من خطة وصمدنا إلى ما قصدنا من غاية وقضيناها عشر سنوات في الدرس لتكوين نشء علمي لم نخلط به غير. من عمل آخر فلما كملت العشر وظهرت- بحمد الله- نتيجتها رأينا واجبا علينا أن نقوم بالدعوة العامة إلى الإسلام الخالص والعلم الصحيح إلى الكتاب والسنة وهدى صالح سلف الأمة وطرح البدع والضلالات ومفاسد العادات فكان لزاما أن نؤسس لدعوتنا صحافة تبلغها للناس فكان المنتقد وكان الشهاب ونهض كتاب القطر ومفكروه في تلك الصحف بالدعوة خير قيام وفتحوا بكتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم- أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، وكانت هذه المرة غضبة الباطل أشد ونطاق فتنته أوسع وسواد اتباعه أكثر وتمالأ على دعاء الحق الجمود والبدعة وعليها بنيت صروح من الجاه، ومهما جرت أنهار من المال، وأصبحت الجماعة الداعية إلى الله يدعون من الداعين إلى أنفسهم (الوهابيين) ولا والله ما كنت أملك يومئذ كتابا واحدا لابن عبد الوهاب ولا أعرف من ترجمة حياته إلا القليل و والله ما اشتريت كتابا من كتبه إلى اليوم، وإنما هي أفيكات قوم يهرفون بما لا يعرفون ويحاولون من إطفاء نور الله ما لا يستطيعون وسنعرض عنهم اليوم وهم يدعوننا (وهابيين) كما أعرضنا عنهم بالأمس وهم يدعوننا (عبداويين) ولنا أسوة بمواقف أمثالنا مع أمثالهم من الماضين".[آثار ابن باديس 3/27].

وقال الإمام ابن باديس في ( العدد 3 ) من جريدة " الصراط السوي " ( 5 جمادى الثانية 1352 هـ / 5 سبتمبر 1933 م: " ثم يرمي الجمعية بأنها تنشر المذهب الوهابي، أفتعد الدعوة إلى الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وطرح البدع والضلالات واجتناب المرديات والمهلكات؛ نشرا للوهابية؟!، أم نشر العلم والتهذيب وحرية الضمير وإجلال العقل واستعمال الفكر واستخدام الجوارح؛ نشرا للوهابية؟!، إذاً فالعالم المتمدن كله وهابي! فأئمة الإسلام كلهم وهابيون! ما ضرنا إذا دعونا إلى ما دعا إليه جميع أئمة الإسلام وقام عليه نظام التمدن في الأمم إن سمانا الجاهلون المتحاملون بما يشاءون، فنحن - إن شاء الله - فوق ما يظنون، والله وراء ما يكيد الظالمون ". ثم يقول : " (إننا مالكيون ) ومن ينازع في هذا ؟! وما يقرئ علماء الجمعية إلا فقه مالك، ويا ليت الناس كانوا مالكية حقيقة إذاً لطرحوا كل بدعة وضلالة، فقد كان مالك - رحمه الله - كثيرا ما ينشد :

وخير أمور الدين ما كان سنة *** وشر الأمور المحدثات البدائع".

وقال الإمام محمد البشير الإبراهيمي - رحمه الله - في مقال له نشر في ( العدد 9 ) من جريدة " السنة " في 11 صفر 1352 هـ / 5 يونيو 1933 م: " ويقولون عنا إننا وهابيون، كلمة كثر تردادها في هذه الأيام الأخيرة حتى أنست ما قبلها من كلمات: عبداويين وإباضيين وخوارج. فنحن بحمد الله ثابتون في مكان واحد وهو مستقر الحق، ولكن القوم يصبغوننا في كل يوم بصبغة، ويسموننا في كل لحظة بسمة، وهم يتخذون من هذه الأسماء المختلفة أدوات لتنفير العامة منا وإبعادها عنا، وأسلحة يقاتلوننا بها وكلما كلت أداة جاءوا بأداة، ومن طبيعة هذه الأسلحة الكلال وعدم الغناء، وقد كان آخر طراز من هذه الأسلحة المفلولة التي عرضوها في هذه الأيام كلمة "وهابي..." .

ثم قال رحمه الله: " أإذا وافقنا طائفة من المسلمين في شيء معلوم من الدين بالضرورة، وفي تغيير المنكرات الفاشية عندنا وعندهم - والمنكر لا يختلف حكمه باختلاف الأوطان - تنسبوننا إليهم تحقيرا لنا ولهم، وازدراء بنا وبهم، وإن فرقت بيننا وبينهم الاعتبارات؛ فنحن مالكيون برغم أنوفكم، وهم حنبليون برغم أنوفكم، ونحن في الجزائر وهم في الجزيرة. ونحن نعمل في طرق الإصلاح الأقلام، وهم يعملون فيها الأقدام، وهم يعملون في الأضرحة المعاول ونحن نعمل في بانيها المقاول ".

لقد شطت بالسيد بدري المدني صوفيته المتطرفة فأوقعته في الخلط فلم يفرق بين سلفية القرون الثلاثة المرضي عنها وبين بعض المنتسبين إلى الاتجاه السلفي المعاصر، وفي البشر الصالح والطالح، فراح يلعن الجميع من دون ترو رغم أن ابن باديس والإبراهيمي وغيرهما من علماء الجمعية حين يذكرون السلفية أو ينتسبون إليها فإنهم يقصدون الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، فهما وهديا وسمتا...ولهذا وضع الإمام ابن باديس في دستور الجمعية وأصول دعوتها أربعة مواد يؤكد فيها على التزام هديهم وفهمهم، وهذا مما يُمدح به ولا يُذم، فقال في المادة الخامسة :" سُلُوك السلف الصالح – الصحابة والتابعين وأتباع التابعين – تطبيق صحيح لهدي الإسلام"، وقال في المادة السادسة :" فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب السنة ". وقال في المادة العاشرة :" أفضل أمته بعده هم السلف الصالح لكمال اتباعهم له". وقال في السابعة عشر:" ندعو إلى ما دعا إليه الإسلام ، وما بيناه من الأحكام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من الأئمة مع الرحمة والإحسان دون عداوة أو عدوان"[الآثار 5/154-155].

فهل في هذا ما يؤاخذ عليه ابن باديس والإبراهيمي وعلماء الجمعية، والله إن اتباع السلف لـمَكْرُمة لأصاحبها، ومنقبة يحمدون عليها..!

وفي الأخير أود أن أُؤكد للسيد بدري المدني وأطمئنه أن مرجعية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بوسطيتها واعتدالها، كما يعلم الجزائريون جميعا، سلطة وشعبا، هي صمام الأمان للجزائر من أي نوع من أنواع التطرف والإرهاب، أو التسيب والانحلال، وهي حارسة القيم الإسلامية والذائدة عنها، والمعبرة بحق عن الوجه المشرق للإسلام السمح بشموليته وعالميته كما تعلمته من النبي البشير النذير.. وسيبقى صبياننا الصغار دائما يرددون نشيد الإمام عبد الحميد بن باديس الخالد:

شعب الجزائر مسلم * وإلى العروبة ينتسب.

آخر التغريدات: