نبات الربيع للإبراهيمي

بقلم: ليلى محمد بلخير-

يحدثنا الإبراهيمي رحمه الله في “عيون البصائر” عن الشباب والزواج بكلمات فيها من الأدب أعلاه قمة وبيانا، وفيه من الاجتماع أجله فكرة وفهما، وفيه نهج فريد لأدب يشخص أمراض المجتمع، بلغة تضع حلولا حاسمة لوضع حرج. إنه إعراض الشباب عن الزواج، بسبب مطالب مادية، وحجج مرتبكة في الأغلب، وكأن الأمر يخصهم وحدهم. إنه مصير أجيال مرتقبة وآمال معقودة، وانتشار الظاهرة يجعلها معولا يهدم بناء المجتمع، “فيضيع على الجنسين ربيع الحياة ونسماته وأزهاره وبهجته وقوته، ويضيع على الأمة نبات الربيع وثمر الخصب والنماء والزكاة فيه، ثم تضيع بسبب ذلك أخلاق وأعراض وأموال، وإذا زادت هذه الفاشية فشوا واستحكم هذا التقليد الفاسد، فإن الأمة تتلاشى في عشرات من السنين” عيون البصائر، ص 223.

ويعود بنا الموضوع إلى زماننا، ففيه شبه كبير ومنفعة أكبر، فهذا قطاع من الشباب يعزف عن الزواج، تستهويه حياة العزوبية، إلى ما بعد الأربعين، رغم إمكاناته المادية الميسرة، فقد يخطب أولى وثانية وثالثة، وبمجرد أن يطالب أهل العروس بإتمام الزواج، يتنصل، وكأن الأمر مجرد قصة وقع فيها بلا قصد ولا رغبة، أو ورطة يسعى للخروج منها.

لقد حاول الشيخ الإبراهيمي تصحيح الأمر، فيربطه بمقصدية الزواج، الذي يراه بعيدا عن المعنى البيولوجي؛ لأن الأسرة محضن الإيمان والأخلاق؛ إن انتفت لا يمكن لأي نمط دخيل كالمثلية أو الرهبنة المتعمدة، أن تقوم بمهمة الأسرة الخاصة ببناء أجيال تعرف حياة الإيمان قبل الحياة الجنسية.

ومن أهم أسباب هذه القطيعة مع سنة فاضلة لحياة نظيفة، يتواصل فيها الإيمان والعمران بخيط رفيع، ما شخصه عبد الوهاب المسيري في كتابه (الحقيقة والمجاز) إذ يركز على دور قطاع صناع اللذة بصبغ مناحي الحياة ومجالاتها (تربوية، علمية، فكرية، ثقافية، سياحية، رسوم متحركة…) بالإباحية، فأصبح الجسد العاري يعلن عن نفسه نهارا وبجرأة مستفزة، واستطاع قطاع اللذة بوسائله استدراج المرأة خارج الأسرة، تلعب دور السوق المفتوح، لمنتجات استهلاكية، أول ما يتلقى فيها المتلقي الجسد العاري، كان من أسباب عزوف الرجال عن الزواج ؛ لأن سياسة الترويض عودت الشباب على هذه الأجساد المعروضة معلبة بشكل مثير على الشاشات، وشبكة الانترنت، وعلى الرصيف، وفي السوق حيث سيطر الجسد على كل وسائل الخطاب الأخرى، به وحده تتحدث الفتاة في الشارع، كل ذلك في غفلة عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الأنعام: 151، والنتيجة ضعف الوازع الضابط للنفس، بينما صارت العفة والشرف والعرض رأيا شخصيا، فانسحب الحياء وتراجعت الأخلاق، وكثرت الخصومات بين كل خطيبين، يفترقان قبل الحياة الفعلية داخل الأسرة، بعدما استهلكا مشاعرهما، بسوء استغلال وسائل التواصل الاجتماعي في البوح والإفضاء الماجن، وأصابهما الملل، نتيجة غياب الحدود الصارمة، خاصة من قبل الفتاة للمحافظة على جدية العلاقة، وقدسيتها.

المحزن أن تقليد الغرب في الميوعة والاستهتار برسالية الزواج ضارب في العمق، يزلزل كل الثوابت، وحدها التكاليف المرهقة ظلت ثابتة، لماذا لا تقلد المرأة المسلمة بنت الحضارة الغربية في بساطة عرسها وزينتها وجهازها؟ لماذا تقلدها فقط في تقصير اللباس ورسم الوجه وتبديل قيم الرفعة والجمال بأخرى منحطة في أدنى درجات الانحطاط؟ وهكذا يضيع نبات الربيع في ريعانه واخضراره…

آخر التغريدات: