رابح بلعيد المؤرخ الذي قال لا للانتداب.. وأعوانه

بقلم: رياض حاوي-

عندما التحقت بدائرة العلوم السياسية في باتنة طالبا، سمعت بان هناك أستاذا متميزا اسمه الدكتور رابح بلعيد، وانه كان في الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية، كنت التقي به في السنة الأولى مع أساتذتي الدكاترة زياني وجندلي وقادري ورتيمة وغيرهم، حفظهم الله جميعا وأجزل لهم جميل العطاء، وهو له هيبته الخاصة، ووقفته المتميزة، ودرست عنده تاريخ الجزائر الحديث..

كانت تلك السنة مفتاح من مفاتيح التاريخ قد انفتحت لنا، ولكل من درس عنده قبلي أو بعدي، كان بلعيد يقدم لنا أوراق المطبوعات مكتوبة بخط اليد ولكنه خط متميز لا يشبه خطنا في شمال إفريقيا، لنكتشف فيما بعد بأنه خط مترجم مصري وان النص الأصلي الذي ندرسه مكتوب باللغة الانجليزية، وأن الدكتور بلعيد أصلا لا يكتب بالعربية وان تعليمه ودراسته بالانجليزية.. وتلك لوحدها قصة يجب أن تكتب بشكل مستقل..

كان متواضعا أشد التواضع.. وقد اقتربت منه أكثر لأجد نفسي أمام قصة إنسانية ليس لها مثيل.. والأهم من ذلك أن مع رابح بلعيد وكأنك من التابعين في رواية التاريخ (بمصطلحات علم الحديث)، فأنت تجلس مع صحابي (بمصطلحات علم الحديث) عن أحداث يرويها لك وقد عايشها.. فهو لم يسمع عن فرحات عباس بل عاش معه، ولم يسمع بلمين دباغين بل كان قريبا منه، ولم ينقل رواية عن اغتيال عميرة علاوة بل كان في وسط المعمعة.. وعلى الرغم من تقدمه في السن فقد كانت حماسته منقطعة النظير، وطاقته متدفقة، وأمنيته أن يجد طريقا لتبليغ أمانة الرواية التاريخية للأجيال دون زيف..

مع رابح بلعيد بدأنا نقرأ تاريخ الجزائر المعاصرة قراءة مختلفة، لم يكن من أنصار الرواية الرسمية، بل كان هو صاحب رواية خاصة به.. فقد جمع بين الشهادة والتأريخ، فهو شاهد من شهود العصر عن أحداث عاشها عن قرب ورجال خالطهم في الصغيرة والكبيرة، ووثائق اطلع عليها، وفوق ذلك فقد تدرج في مسارات البحث العلمي واعتكف على مراجعة تاريخ الجزائر من مصادره المتعددة وبدأ تكوين روايته الخاصة به، وبذلك استحق موقع الجدارة كرائد من رواد مدرسة التأريخ غير الرسمي، مدرسة التاريخ من مصادره دون رتوش..

تشربنا روح كتاباته على مدار سنة كاملة، ولا زلت استعيد ذكريات تلك الأيام وكأننا كنا نعيش تاريخ الجزائر خطوة خطوة ويوما يوما ولحظة لحظة.. حتى وكأننا نعيش أحداث ولقاءات واجتماعات الحركة الوطنية وكأننا نراهم في شاشة التلفزيون أن ننظر لهم من زجاج شفاف عبر التاريخ..

رابح بلعيد كتب التاريخ بندية، ولم يكتبه بروح المريد الذي يمجد الأحداث ويضفي هالة على الشخصيات والوقائع، بل هو يتحدث عن رجال من سنه ينخفض وهجهم ويقل إشعاعهم، ولذلك لا يتوانى في سلقهم سلقا ونقدهم نقدا إذا ما تطلب الأمر ذلك..

لقد شعرت بتغلغل ذلك التأريخ في ثنايانا، وكأننا نستند إلى مرجعية لا يهزها أحد، ونحن نستقي التاريخ من مصادره، وقد هالني ان هذه الثروة ضائعة بل في الواقع كان محاصرا بشكل غريب، فعلى الرغم من أن كل من هب ودب قد طبعت له الإسناد والمطبوعات الجماعية كتبهم إلا أن رابح بلعيد رفضوا طباعة كتابه، وقد تكرر هذا الأمر سنوات وحتى مع كبار الشخصيات وكثير منهم كان يلجأ إلى الخارج لطباعة كتابه ولا زلنا نذكر ان احد قادة الولاية الثانية علي كافي طلبوا منه ان يصحح جزء من مذكراته ورفضوا طباعتها وهو من هوا تاريخا وثورة ومرجعية.. لمجرد انه برر عملية تصفية عبان رمضان لانه خرج عن خط الثورة وباشر اتصالات مشبوهة مع فرنسا خارج اطر مؤسسات الثورة..

في سنة 1996 عادت جريدة الأطلس إلى الصدور يقودها الثناي سليمان سراوي وعلي بوخنوفة، وقد التحقت بطاقمها مع الإخوة ناصر صفان وطاهر حليسي وعيسى جرادي وغيرهم من الكتاب.. واقترحت على سليمان سراوي أن ننشر كتاب رابح بلعيد، في الجريدة في شكل حلقات متسلسلة أو كتاب متسلسل، وقد توليت الإشراف كاملا على النشر والمتابعة.. كانت خطوة سليمان سراوي وعلي بن خنوفة جريئة وغير عادية، فنحن ننشر تاريخا جديدا لا يمجد أحدا ويسمي الأسماء بمسمياتها.. استمرت عملية النشر تقريبا سنة ونصف الى نهاية نوفمبر 1997، وكان ذلك آخر شهر في الجزائر قبل أن أخرج مهاجرا.. ثم أعدت نشرها في موقع الشهاب لما عدنا في عصر الانترنيت والديجيتال.. كما قام تلميذه المجد صديقنا وحبيبنا محمد مصدق يوسفي بنشر حلقات أخرى عن المتغربين بعد الاستقلال في جريدة الزمان اللندنية حيث كان يعمل وبذلك انتشرت خارج الجزائر أيضا.. وفك الحصار عن هذا التراث الذي أرادوا دفنه..

كانت الحلقات بعنوان مثير وصادم: ” المتغربون الجزائريون وأثرهم في التاريخ المعاصر “.. حاولت جهدي تحويل الكتاب من طابعه الأكاديمي إلى جريدة سيارة، وتقريبه من الجمهور.. وقد اضطر إلى دمج الهوامش لما أرى ما فيها من فائدة.. وكل ذلك بإشراف ومتابعة وعناية من أستاذنا بلعيد رحمه الله.. اقتربت منه أكثر وأكثر وكنت دائم الزيارة له واللقاء به والاستماع له ولحكاياته ورواياته..

وقد سمع به فضيل بومالة وكان ينشط حصة جميلة جدا اسمها أنيس فاتصل به وكنت رفيقه أثناء تسجيل الحصة، وهي المرة الأولى والأخيرة التي أدخل فيها مبنى التلفزيون.

كتابة رابح بلعيد انقلاب في الطرح التاريخي وقد اصبح اليوم مرجعية جيل جديد تراه يردد أفكاره هنا في الفيسبوك، وكان له صدى ايجابي جدا.. لا ازعم خطا أن جيل الرواية البلعيدية قد نشأ، والفضل في ذلك يعود إلى شجاعة سليمان سراوي وعمي علي (كما كنا نناديه) على نشر هذا الكتاب القنبلة في جريدة الأطلس..

سقطت أساطير من كتب التاريخ.. وقد كانت الحلقات تجمع وتقرأ ويحتفظ بها الناس لوقت المذاكرة.. لم يكن هناك لا فيسبوك ولا وتساب ولا يحزنون… جوهر كتابته التاريخية البلعيدية يتركز على نظرية الاستعمار الجديد وكتلة المستيزوس، أي العصابات التي من جلدتنا وتتكلم لغتنا ولكن ولاءها ومشاعرها للمستعمر.. وهو في كتابه يشرح ويبرز هذه الطبقة ويظهرها للعيان اسما اسما وخطوة خطوة وحلقة حلقة من حلقات التاريخ المترابطة..

قبل أشهر تقريبا تولى الأستاذ فارس بوحجيلة مهمة نشكر كتاب بلعيد كاملا طبعة أنيقة بعد وفاته رحمه الله.. وكتب مقدمته أحد أنجب تلاميذه إبراهيم زراري جزى الله الجميع على جهدهم وجهادهم..

وهو كتاب لا غنى للجيل الجديد عنه يجب أن يقرأ قراءة خاصة ويدرس في حلقات وندوات ومنتديات وتدار حوله النقاشات.. بلعيد يشرح بالتفصيل ما أجمله مالك بن نبي في فقرات متقطعة واراء مجملة وقوانين وضعها… فبينهما من التكامل الشيء العجيب.

آخر التغريدات: