الشيخ عبد الحميد بن باديس – رائد الإصلاح في الجزائر

لعب الشيخ عبد الحميد بن باديس وإخوته في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أكبر الأدوار في إعادة بناء الإنسان الجزائري وصقل شخصيته وكان مؤسسّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يرى أنّه يستحيل على الجزائريين أن يحاربوا فرنسا وهم مستلبون حضاريّا وثقافيا, فعكف على إقامة المعاهد التعليمية و المدارس القرآنية و العربية التي ألغتها فرنسا وحاربتها من باب تجفيف المنابع كان إبن با ديس يرى أنّه وبعد إستكمال المعركة الثقافية والفكرية ومعركة الإنتصار للهوية العربية والإسلامية لابدّ أن يستتبع ذلك بمقاومة شعبية مسلحة ولعلهّ عبر عن ذلك في قصيدته الخالدة: شعب الجزائري مسلم وإلى العروبة ينتسب من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب.

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

لعب الشيخ عبد الحميد ابن باديس وإخوته في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أكبر الأدوار في إعادة بناء الإنسان الجزائريّ وصقل شخصيّته، وكان مؤسّسُ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين يرى أنّه يستحيل على الجزائريّين أن يحاربوا فرنسا، وهم مستلَبون حضارياً وثقافياً، فعكف على إقامة المعاهد التعليمية والمدارس القرآنية، والعربية التي ألغتها فرنسا أو حاربتها من باب تجفيف المنابع.

وقد نجح في إنشاء تيارٍ عريضٍ في الساحة الجزائرية يتّخذ من هويّته الثقافية عنواناً له، واستطاع أن ينسف مقولة الفرنسيين الذين كانوا يعتبرون الجزائريين فرنسيّين، حيث كتب قائلاً في جريدة الشهاب لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين "أيّها الشعب الجزائريّ، أيّها الشعب المُسلم، أيّها الشعب العربيّ الأبيّ، حذار من الذين يمنّونك ويخدعونك، حذار من الذين يأتونك بوحي من غير نفسك وضميرك، استوح الإسلام ثم استوح تاريخك وقلبك واعتمد على نفسك وسلام الله عليك". وصعّد باديس موقفه ضد فرنسا فأطلق قولته المشهورة، "والله لو طلبت منّي فرنسا أن أقول لا إله إلا الله لما قلتها".

ولِد ابن باديس في شهر ديسمبر 1889 وسط أسرةٍ من أكبر الأسَر في مدينة قسنطينة والتي يمتدّ نسَبُها إلى أسرة المعز الصنهاجي، وهي إحدى الأسر التي حكمت الجزائر. ورغم كونه من أصولٍ أمازيغية مجيدة، إلا أن ابن باديس كان يفاخر بعروبته وإسلامه، أتمّ حفظ القرآن الكريم وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة، ودرس مبادئ العربية والفقه الإسلامي عن الشيخ حمدان لونيسي رحمة الله عليه الذي هاجر في ما بعد إلى المدينة المنوّرة وتوفي فيها.

انتقل بعد ذلك إلى جامع الزيتونة في تونس حيث درس من سنة 1908 إلى سنة 1912، وبعد رحلةٍ قادته إلى المشرق العربي عاد واستقرّ في مدينة قسنطينة حيث بدأ حركته الإصلاحية والثقافية والفكرية. وإلى جانب انبرائه للتدريس فقد أسّس جريدة المنتقد عام 1925 كما أسّس المطبعة الجزائرية الإسلامية والتي ساهمت في طباعة المنتوج الفكري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وباللغة العربية أيضاً أسّس جريدتي الشهاب والبصائر.

نجح ابن باديس في أن ينسف كلّ المنطلقات الفكرية والأيديولوجية التي قامت عليها الحركة الاستعمارية الفرنسية. ففرنسا كانت تؤكّد أنّ الجزائريّين لا يشكّلون أمّةً، وأكّد ابن باديس أنّ الأمّة الجزائريّة موجودة، وأن طرفي معادلة شخصيتها العروبة والإسلام، ورفع شعارها الذي تبنّته الثورة الجزائرية في وقتٍ لاحقٍ، "الإسلام ديني والعربية لغتي والجزائر وطني".

كان ابن باديس يرى أنه وبعد استكمال المعركة الثقافية والفكرية ومعركة الانتصار للهوية العربية والإسلامية، لا بدّ من أن يُستتبَع ذلك بمقاومةٍ شعبيّةٍ مسلّحة، ولعلّه عبّر عن ذلك في قصيدته الخالدة، "شعب الجزائر مسلمٌ، وإلى العروبة ينتسب، من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب". وأيضاً أشار إلى تلاميذه وقال "يا نشأ أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب".

الشيخ عبد الحميد ابن باديس رائد الإصلاح في الجزائر عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش العلاّمة الفاضل الشيخ صلاح الدين المستاوي الأستاذ المُحاضِر بالمعهد العالي لأصول الدين في الزيتونة، ومن الجزائر الدكتور والمُفكّر الإسلامي عمار طالبي نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأيضاً جامع إرث وتراث الشيخ عبد الحميد ابن باديس.

مشاهدينا مرحبا بكم جميعا.

دكتور عمار طالبي من الجزائر الحبيبة، من الجزائر التي نحبّ ونعشق، كان عبد الحميد ابن باديس علامةً فارقةً في المشهد الجزائريّ فكراً ومقاومةً وعلماً وإصلاحاً.

هلاّ بيّنت لنا معالم شخصيته في هذا السياق؟

عمار طالبي: بسم الله الرحمن الرحيم. الواقع أنّ شخصية ابن باديس فريدةٌ في مجال الإصلاح وكان قد وهب حياته كلها للتعليم ولوعي المسلمين بواقعهم، خاصةً في الجزائر، وأوّلُ ما فكّر فيه هو أن يُحيي الذاتيّة الإسلاميّة العربيّة في الجزائر، واتّخذ لذلك أداةً مهمّة، وهي أنّه أنشأ مدرسة التربية والتعليم، كما جعل الجامع الأخضر مدرسةً أخرى، كأنّها زيتونة صغيرة، وعندما يتخرّج أبناء هذا الجامع، الجامع الأخضر، يبتعثهم إلى جامع الزيتونة لاستكمال دراساتهم.

ونستطيع القول بأنّه كان قد فهم عصره، لأنّ الفترة ما بين الحربين العالميّتين الأولى والثانية، كانت هناك اتجاهات كثيرة في العالم الإسلاميّ تحاول إصلاح شأنه، وهذا الامتداد الإصلاحيّ شمل الجزائر، وكان الطلبة في الجزائر يتداولون قراءة العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده في ذلك الحين، كما أنّهم كانت تصلهم جريدة المنار.

لكنّ ابن باديس اتّخذ منهجاً ربما ليس كمنهج جمال الدين الأفغاني الذي ركّز على اللوائح السياسية ومحاربة الاستعمار والحُكم الأجنبي، ولا أنه اتّبع فقط طريقة محمّد عبده في العناية بالنُخبة وبالثقافة، وإنّما ابن باديس شملت حركته كلّ شرائح المجتمع من الفلاحين والعمّال والأمّيين والطلبة والمُثقّفين، فكان يصل صوته إلى أنحاء الجزائر كلّها، كان يرحل في أنحاء الجزائر من حينٍ إلى آخر ويبثّ دعوته في المساجد وينشئ النوادي وينشئ المدارس، وكان لا يركن إلى مكانٍ واحد، فقد اتّخذ لنفسه اشتراكاً في القطار من قسنطينة إلى الجزائر العاصمة كلّ أسبوع، أثناء العطلة عندما يأخذ طلبته عطلتهم ويتّصل بالحركة في العاصمة، الشيخ الطيّب العقبي، وكذلك أحيانا يذهب إلى تلمسان، إلى الشيخ البشير الإبراهيمي الذي هو ركن من أركان النهضة في الغرب الجزائري، كما كان ابن باديس في الشرق الجزائري والعقبي هنا في العاصمة.

ولذلك فإن ابن باديس نستطيع أن نقول إنه لم يهتمّ اهتماماً كبيراً بالنواحي السياسية الحزبية الضيّقة بقدر ما اهتّم بأن تحيا المقاومات الأساسية للشعب الجزائري وهي الإسلام والعربية والوطن الجزائري، وكان للاحتفال الفرنسي بمئوية احتلال الجزائر العاصمة في سنة 1930، لأنّ الجزائر احتلّوها سنة 1830 وفي سنة 1930 مرّ قرن كامل على احتلال العاصمة، فأقاموا احتفالاً كبيراً، وقرّروا أن يدوم لمدة سنة ولكنه لم يدم إلا ستة أشهر، وادّعوا أنّ الجزائر أصبحت فرنسية وأرضاً فرنسية وأن دينها الأصلي هو المسيحية ولغتها الفرنسية، ولكن ابن باديس رحمه الله حينما أسّس جمعية العلماء بعدها بسنة، في 5 مايو 1931 وقرّر الإجابة عن هذه الدعاوى المُزيّفة، وقال الإسلام ديننا لا المسيحية، والعربية لغتنا لا الفرنسية، والجزائر وطننا وليست وطنًاً فرنسياً ولا جزءاً من فرنسا.

فكان هذا الرد هو الشعار الأساسي الذي سار عليه وهيّأ الشعب الجزائري إلى ثورته في 1954، ولذلك كان أول عدد أصدره من  جريدة المنتقد سنة 1925، كتب شعاراً له، "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء"، وكانت في ذلك الوقت الشعارات الوطنية من الصعب أن ينطق بها الإنسان، ولكنّه كان جريئاً بشكل واضح جداً، في أول عدد من المنتقد وبين مبدأه السياسي ومبدأه الانتقادي، وقال إننا نناهض كلّ من يظلم الشعب الجزائري سواء من الفرنسيين أو من الجزائريين، وكل من له شأن عام فنحن ضدّه إذا ما ظلم الناس ونرفع قضايا المظلومين، واتّخذ لنفسه هذا النهج النقدي لأن كلمة المنتقد لها دلالتها، كما أنّ الشهاب له دلالته في إحراق كلّ الشياطين، والمنتقد، انتقاد كل الإعوجاج الذي يأتي من الفرنسيين.

يحيى أبو زكريا: دكتور عمار، إذا سمحت، لقد وطّأت لي الأرضيّة. دعني أذهب إلى الزيتونة، إلى تونس، لاستكمال الفكرة، ثمّ أعود إليك.

أستاذنا الفاضل شيخ صلاح الدين المستاوي، طبعاً الشيخ عبد الحميد بن باديس كما قال الفاضل الدكتور عمار طالبي مهّد للثورة الجزائرية من خلال حركة علمية، من خلال تثقيف المجتمع. كان ابن باديس يروّج لثقافة القرآن التي أنتجت مقاومة صارمة.

طبعاً الشيخ مرّ بالزيتونة. ماذا عن الشيخ في أصدائه المغاربية سماحة الشيخ الفاضل صلاح الدين؟

صلاح الدين المستاوي: بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

شكراً أستاذ أبو زكريا على هذه الاستضافة، ومرحباً بضيفك في الجزائر أستاذنا الدكتور عمار طالبي. ويُقال لا يفتى ومالك في المدينة، فمثلما قدّمت في المقدّمة أستاذ أبو زكريا، فإنّ الذي أخرج لنا الإرث العلمي ووثّقه هو الدكتور عمار طالبي مشكوراً.

يحيى أبو زكريا: جزاه الله خيراً واقعاً.

صلاح الدين المستاوي: جزاه الله خيراً على هذا الصنيع الذي قام به نحو هذا الرجل، نحو هذا العملاق الذي لا نعتبره شخصية جزائرية بقدر ما نعتبره شخصية مغاربية وعربية إسلامية تجاوزت حدود الجزائر، وإن كان ثمرة الجهد الذي بذله كان في الجزائر أوضح وأجلى، وكانت الجزائر في أمسّ الحاجة إليه رحمه الله.

مثلما قلت أستاذ أبو زكريا الرابطة بين هذه الربوع المغاربية وبالخصوص بين الجزائر وتونس رابطةٌ متينةٌ، وهي رابطةٌ علمية ومُتمثّلة في ما يُسمّى بكعبة الشمال الإفريقي العلمية الزيتونة المباركة، هذه التي لم ينقطع سندها العلمي منذ القرن الثاني للهجرة إلى أوائل استقلال البلاد التونسيّة، ونتمنّى أن تستأنف دورها الذي قامت به في هذه الربوع المباركة من ربوع الأمّة الإسلاميّة.

الشيخ عبد الحميد ابن باديس هو جزائريٌ وتونسيٌ، وهو أحد تلاميذ وشيوخ الزيتونة، تتلمذ في الزيتونة على شيوخها الكبار، منهم العلاّمة شيخنا سماحة الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور، وتلقّى عليه وعلى زملائه علوم الشريعة، بعد أن كان قد تكوّن التكوين الأصليّ المتين في قسنطينة من الجزائر، والتحق بالجامع الأعظم، نسمّيه الجامع الأعظم، وتلقّى العلوم الشرعية على أيدي هؤلاء الشيوخ المهَرة البَرَرَة، والذين يمثّلون حقيقةً تجانس هذه الربوع الشمال إفريقية التي الإسلام دين أهلها والعربيّة لغتهم، وهذه الربوع الشمال إفريقية تونس والجزائر والمغرب هي مواطنهم.

إذاً، في هذه المؤسسة العلميّة العريقة، كان للشيخ ابن باديس رحمة الله عليه التلقّي، وليس فقط التلقّي وإنما التعليم، لأنه وبمجرّد أن تخرّج من الزيتونة قضى بعد التخرّج فترة من الزمن قبل أن يعود إلى الجزائر ليتولّى التدريس، ونقول التطبيق، التعليم سواء كان لأبنائه من الطلبة الجزائريين الوافدين على تونس، أو تلاميذه التونسيين الذين يعتزّون بمشيخته والذين واصلوا من بعده ذكره أفضل ذكر.

الشيخ عبد الحميد ابن باديس في تتلمذه على شيوخ الزيتونة الكبار، وبالخصوص سماحة الشيخ الطاهر بن عاشور، الذي يُسمّى التلميذ، رسول الحركة الإصلاحية في المؤسسة الزيتونية في بداية القرن الماضي، بما توفّر له من لقاء وتشرّب لأعلام هذه المدرسة وبالخصوص الشيخ محمّد عبده رحمه الله عندما زار البلاد التونسية. كان رسول المدرسة الإصلاحية في الزيتونة بين علمائها يبشّر بضرورة النهوض بها وضرورة النهوض بالخطاب الديني وبالتعليم الديني من أجل أن يواكب وضع البلاد الإسلامية الذي هو في ذلك الزمان سواء كان ذلك في تونس أو في الجزائر أو في غيرهما وضعٌ متردٍ، إذ تجثم على هذه الربوع، يجثم عليها استعمارٌ صليبيٌ حاقد، حتى أنه قال مقولته في ذكرى مئوية احتلال الجزائر واستعمارها، إنّ عهد الهلال في الجزائر قد غبر وإنه عهد الصليب قد بدأ وإنه سيستمر إلى الأبد، هذا هو الشعار الذي أعلنته.

يحيى أبو زكريا: شيخ صلاح الدين، سأتوقّف من فضلك عند هذا الشعار، ونستكمل سياق البحث بالذهاب إلى الجزائر الحبيبة من فضلك.

دكتور عمار طالبي، ما هي معالم المشروع الثقافي الفرنسي في الجزائر، حتى نقول أنّ ابن باديس استطاع أن يدكدك هذا المشروع؟

عمار طالبي: اسمحوا لي أولاً أن أنبّه إلى أنّ جريدة الشهاب كانت باسمه الخاص، وليس باسم الجمعيّة، لأنه يخشى أن تؤذى الجمعية فاستقل بالشهاب إلى عام 39 على أبواب الحرب العالمية الثانية، فامتنع من إصدارها حتى لا تفرض عليه فرنسا تأييدها، ولذلك أريد أن أشير إلى هذا.

ثانياً، في تونس كما لا يخفاك، كانت حركات دستورية، حركات وطنية، مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي رحمه الله وأصله من الجزائر، من قبيلة الثعالبة، في بلتيجة، وكان للشيخ ابن باديس صلة وثيقة بالشيخ الثعالبي.

وفي سنة 1921 كتب المُقيم العام لفرنسا إلى حاكم قسنطينة ويقول له إنّ ابن باديس هذا قد جاء ومعه سيّدة لا ندري هل هي زوجته أو أمّه للعلاج، وأنه اتصل بعبد العزيز الثعالبي، واتصل بالسياسيين التونسيين، ويقول لهم إنّ هذه الصلة هي صلة ودّ وليست صلة سياسية، لإبعاد النزعة السياسية عنه كما تعلم، وهذا تكتيك من ابن باديس رحمه الله. ولكن الذي أثّر فيه تأثيراً كبيراً في تونس هو كما أشار الأخ الكريم الشيخ صلاح الدين هو الشيخ طاهر بن عاشور، ثم شيخ ثانٍ أيضاً هو محمّد النخلي، وكلاهما كانا من اتباع الحركة الإصلاحية العبداوية إن صحّ التعبير.

فالوصية التي أوصاه بها شيخه النخلي لمّا اشتكى له كثرة المباحث اللفظية والاختلافات في التفاسير، قال له إجعل ذهنك مصفاةً لتميّز السقيم من الصحيح، وتستريح، فقال فتح لي بهذه العبارة آفاقاً وكنت من أتباع التقليديين، ولكنه بهذه العبارة فتح لي آفاقاً جديدة في الفكر وعدم التقيّد بأخذ آراء الرجال، وكذلك شيخه الحمدان العنيسي أوصاه وصيّة عملية لا علمية، وهي قوله "لا تشغل نفسك بأية وظيفةٍ تعرضها عليك الحكومة الفرنسية لتكون مستقلاً أخلاقياً"، ولذلك لم يتوظّف عند فرنسا أبداً، فهذه هي التي أريد أن أشير إليها، ولذلك أشير أيضاً إلى أنّه لمّا عزمت فرنسا على إقامة احتفال بمناسبة احتلال قسنطينة سنة 37 كتب منشوراً يدعو فيه الشعب في قسنطينة أن لا يذهب إلى هذا الاحتفال وأن يقاطعه، وفعلاً قاطعه الشعب كله ولم يحضروا احتفال الفرنسيين باحتلال مدينة قسنطينة لكن المشروع الفرنسي كما لا يخفاك يقوم على.

يحيى أبو زكريا: دكتور عمار، إذا سمحت حتى لا أقاطعك، لديّ فاصلٌ قصير ثم أعود إليك لتبدأ الفكرة من بدايتها إذا سمحت.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

المحور الثاني

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نتناول شخصية العملاق الجزائري الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمة الله تعالى عليه.

سماحة الدكتور عمار طالبي جامع إرث عبد الحميد ابن باديس والوصيّ على هذا الإرث إن شاء الله وموصله إلى الأجيال الجزائرية والعربية، كنت قد سألتك عن المشروع الثقافي لفرنسا، لأنّ فرنسا عندما دخلت إلى الجزائر في العام 1830، حوّلت المساجد إلى إسطبلات، ألغت تعليم الأصل العربي، غيّرت أسماء الجزائريين.

فما هي معالم هذا المشروع من فضلك حتى نتبيّن قوة وقيمة وقدر العملاق عبد الحميد ابن باديس؟

عمار طالبي: كما تفضّلتم، كان مشروع الاحتلال الفرنسي ذا شُعَبٍ متعدّدة. الشعبة الأولى أنهم استولوا على الأوقاف في الجزائر التي كان التعليم يقوم عليها في جميع مراحله، سواء في العاصمة أو في غيرها، فقطعوا هذا المال وهذه الأوقاف عن الشعب الجزائريّ، فأهمِلت المدارس والمساجِد، ثمّ بعد ذلك سيطرت على المساجد، وتُعيّن الأئمة، وهم مسيحيون فرنسيون استطاعوا أن يُفرِغوا المساجد من أئمّتها الذين أبوا أن يخضعوا لها، فنفوا المفتي الجزائري الشيخ القبابطي إلى الاسكندرية لأنه رفض أن يسلّم لهم الأوقاف، فالاستيلاء على الناحية الدينية والتبشير بالمسيحية، ثمّ الشعبة الثانية نستطيع أن نقول أنّها التعليم، فكوّنوا تعليماً فرنسياً خالصاً وأبعدوا اللغة العربية تماماً من المدارس التي كانوا يعلّمون بها، وكذلك أخذوا الأيتام في منطقة مُعيّنة وجعلوهم مسيحيين وتزاوجوا بعضهم ببعض، أي الذكور يتزاوجون بالإناث ليكوّنوا مجتمعاً مسيحياً، ونادوا بأن أصل الجزائر مسيحية رومانية، فلا بدّ من أن تعود إلى الثقافة الرومانية المسيحية واشتغلوا بتاريخ وآثار الرومان في الجزائر وكتبوا مؤلّفات كثيرة جداً، فمنع تعليم الإسلام ومنع تعليم اللغة العربية من الأهداف الأساسية، وقالوا وصرّحوا بأنه لا يمكن أن نربح الجزائر وأن تكون فرنسية إلا إذا قضينا على القرآن وعلى الإسلام وأصبح التعليم فرنسياً وأدخلناهم في الحضارة الفرنسية وهذا كذلك من المشاريع الأساسية.

ثم الإدارة، كلّ الإدارة كانت باللغة الفرنسية، ولذلك أبعدوا اللغة العربية عن الإدارة وكذلك القضاء الإسلامي، المحاكم الشرعية الإسلامية، ضيّقوا عليها إلى أن أصبحت لا تعمل إلا بالأحوال الشخصية، فقضوا أيضاً على التشريع الإسلامي وكانوا قد ترجموا مختصر خليل إلى اللغة الفرنسية مرّتين لأنهم رأوا أن الجزائريين يرجعون إليه في القضاء ويرجعون إليه في الإفتاء، فترجموه ليعرفوا كيف يتصرّفون مع هذا القضاء، المهمّ أيضاً القضاء قضوا عليه بالتدريج. ثمّ بعد ذلك أصدروا قوانين صارمة تعسفيّة ضدّ الجزائريين الأهالي كما يسمّونهم، ومنعوا سفرهم مثلاً من جهة إلى جهة إلا برخصة، وكانت الصحراء في الجنوب منطقة عسكرية لا يدخلها أيّ جزائري إلا برخصةٍ، ولذلك فقد قضوا على التشريع، وقضوا على الاتصال بين الجزائريين في ما بينهم، ولا يكون الاتصال إلا برخصةٍ، كما أنّهم استطاعوا أن يحوّلوا الناس باتجاه بربري، فعملوا بالنواحي الأمازيغية من أجل أن يفرّقوا، وقرّروا أن يجعلوا التشريع في البلاد في الناحية الأمازيغية تشريعاً قديماً، ما يُسمّى بالجماعة، وأن يبعدوا الشريعة الإسلامية من هذه المنطقة ولكنهم لم يجدوا أي شيء مكتوب يستطيعون به، وكتبوا مجلّدات عن الحياة الاجتماعية والعادات في هذه المنطقة، كذلك كوّنوا لنا جماعة من النّخبة، فرنَسوهم تماماً وقطعوا صلتهم بالثقافة العربية الإسلامية، وكانت لهم جريدة في الناحية الوهرانية والناحية القسنطينية، تدعو إلى أننا لا نستطيع أن نحيا إلا في الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية، ويدعون إلى الاندماج التام، وكذلك نشأت حركات حزبية ووطنية، ولكنّها تدعو أيضاً إلى الاندماج والذوبان في الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية، وأنّ الجزائر لم تكن دولة ولم تكن لها قوميّة، ولم يكن لها تاريخ، كما فعل بعض رؤساء الأحزاب، فرحات العباسي الذي تاب بعد ذلك رحمه الله، وغيرهم من هذه النُخبة التي كانت تدعو إلى الفرنَسَة والاندماج في الثقافة الفرنسية، وأنه لا تقدّم لنا ولا حرية إلا إذا اندمجنا في الجمهورية الفرنسية لغةً وثقافةً، وهذه الأصوات جابهها ابن باديس. في الحقيقة جابه هذه النُخبة كما جابه جماعة الطُرُق الصوفية التي هي قد انحرفت وتعاونت مع فرنسا تعاوناً وثيقاً، واستعملهم للتأثير على الشعب لكي يكونوا قادة له، وقد نجحوا في بعض الطرُق الصوفية، ولكنّهم لم ينجحوا في بعضها مثل طريق الرحمانية التي كانت دائماً طريقة مقاومة، وهم يعلمون أن الطرّق الصوفية مقاوِمة ولا ترضى بالاحتلال ولكنهم استطاعوا أن يحوّلوا بعضها إلى طريقتهم وإلى أن يكونوا أعواناً لهم يأتمرون بأوامرهم، وابن باديس قال نحن لا شأن لنا بالطرُق هذه إذا امتنعت عن التعاون مع الفرنسيين، وامتنعت عن بعض التصرّفات والشعوذة والدجل، ولذلك فهو استطاع أن يتّصل بهم في جميع أنحاء الجزائر وأن يخاطبهم، ولذلك فهو لا يريد أن يقطع تمام الصلة وإنما يريد أن يحوّلهم إلى أن يكونوا أعواناً للشعب الجزائري لا أعواناً ضدّه.

قام برحلة في جميع أنحاء الجزائر واستطاع أن يتصل بهم بما في ذلك طريقة بن علي في الغرب الجزائري التي اتّهمت بأنها حاولت اغتياله في قسنطينة سنة 1926 ميلادياً. فهو قد جابه هؤلاء وجابه السلطات الفرنسية، مدير الشؤون الأهلية وحاكم قسنطينة وحاكم الجزائر في كثير من المظالم وكتب برقيات كثيرة ورسائل كثيرة وعرائض للحكومة الفرنسية دفاعاً عن اللغة العربية عندما منعوا تدريسها، ودفاعاً عن تعليم الإسلام في المدارس التي أسّسها، وكانوا قد منعوا التدريس وسجنوا كثيراً من المعلّمين ومنعوهم من التدريس، مثل الشيخ عمر ضرضور من لوراس وغيره من المعلّمين الذين كانوا من أتباع ابن باديس وأنصاره والذين يعلّمون اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وكذلك لا بدّ من أن أشير كما تفضّل إلى الأعمال أيضاً.

يحيى أبو زكريا: دكتور عمار، هذا القدر يكفيني إن شاء الله. دعني فقط أستكمل الأفكار مع الشيخ صلاح الدين المستاوي من فضلك.

شيخ صلاح الدين، استمعت إلى ما قاله الدكتور عمار طالبي، المشروع الفرنسي كان مشروعاً أخطبوطياً جبّاراً، تفكيك النسيج الثقافي، تغيير عقلية الجزائريين، فصل الأمازيغ الأحرار الذين أيضاً صفعوا فرنسا، فأسّس في بلاد القبائل، في بجايا، في البويرة، في مشدلة، في كلّ مكان زوايا وكتاتيب ومعاهد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. هل نستطيع القول أنّ ابن باديس استطاع أن يتحدّى ثقافياً الاستعمار الفرنسي؟

صلاح الدين المستاوي: نعم أستاذ أبو زكريا مثلما أورد ذلك صديقنا الأستاذ عمار طالبي في التفصيلات التي ذكرها وهو بالجزائر أدرى وبابن باديس أعلم، من خلال ما حقّقه من أعماله وما تابعه من مسيرته والحقيقة نحن بالنسبة للمشروع الفرنسي واضح معالمه وأن لديه ثلاث مراحل التفقير والتجهيل ثم التنصير، وهذه الخطى الثلاثة التي رسمها المستعمر الفرنسي في الجزائر واستعمار فرنسا للجزائر لم يكن على شاكلة استعماره للمغرب ولتونس، إذ كانت كلّ من المغرب وتونس حماية، أما الجزائر فهي فرنَسَة وإلحاق للجزائر بالتراب الفرنسي وبالدولة الفرنسية، ولأجل ذلك فإنّ المخطّطات كانت موضوعة لا أقول بإحكام ولكن أقول بدقّة مُتناهية تريد أن تجعل من هذا الشعب ومن تلك الربوع منفصلاً كلياً عن أصوله العربية الإسلامية.

لكن هذه الجهود باءت بالخسران بفضل هِمَم الرجال وعزائم أمثال هؤلاء العلماء الأعلام الذين في طليعتهم ابن باديس، الذي إذا ذُكِرت الجزائر في العصر الحديث ومقاومتها للاستعمار وما لقّنته له من دروس، إنما يُذكَر في الطليعة ابن باديس كزعيمٍ روحيٍ إصلاحيٍ هيّأ البنية الأساسية الفكرية التي من شأنها أن تجعل من الثورة على فرنسا من طرف الجزائريين مشروعاً يهدف إلى استعادة الأصول والثوابت التي أوشكت أن تضيع في خضمّ الاستعمار بجحافله.

إذاً نجح نجاحاً بل لعلّ هذا النجاح يُحسَب له لأنه كل الميسر لما خلق له، اعتبر ابن باديس بتكوينه العلمي الديني وبتشرّبه للثقافة الإسلامية، وبإدراكه لأهمية التعليم، والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي منه يقتبس ابن باديس وكل علماء الأمّة يقول "إنما بُعِثت معلّماً"، فبتعليم الجزائريين دينهم ولغتهم، ضمن الحفاظ على وحدتهم وعلى شخصيتهم، ومن حُسن الحظ أنّ بن باديس وجد في الربوع التونسية بغيّته وضالّته في الزيتونة المباركة، والتي نريد أن نذكّر أجيالنا الصاعدة أنّها لم تكن تعترف بالحدود الضيّقة التي رسمها الاستعمار، بين الجزائر وتونس، ولأجل ذلك فإنه بمثل ما كانت للزيتونة فروع في الربوع التونسية، في مختلف المدن، فإنّ الزيتونة كانت لها فروع في الجزائر ومنها الفرع الذي أسِّس إكراماً للشيخ ابن باديس وللشعب الجزائري، فرع الزيتوني في مدينة قسنطينة، وألحِق بفرعٍ ثانٍ في عنابة، وكانت لجان الامتحان تخرج من مشيخة الزيتونة من تونس العاصمة لتمتحن الطلاب الجزائريين في عنابة وفي قسنطينة مثلما تذهب إلى توزر وإلى صفاقص وإلى القيروان وإلى تطاوين وبدين حيث الفروع الزيتونية التي كانت منتشرة.

فهذه المؤسسة التعليمية هي بالنسبة إلينا معاشر الجزائريين والتونسيين، هي صمّام أمان كانت بالنسبة إلينا محافِظة على شخصيّتنا وعلى هويّتنا، ويظهر بجلاء أنّ خرّيج الزيتونة يمتدّ إلى الجوهر وإلى اللّب، حتى خلافات الشيخ بن باديس مع بعض الزاوايا وبعض الطرُق ليس فيها الإقصاء وليس فيها الإلغاء، وإنما هو يقبل ما كان من هذه الزواية متمسّكاً بالوطن وبالهوية وبالشخصية وغير متذيّلٍ للاستعمار ولا يرفض إلا أولئك الذين باعوا ذممهم، وهؤلاء قلّة، ولنا في الحديث النبوي الشريف الذي يقول فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها"، ولذلك أريد أن أنبه إخواننا الذين يعمّمون والذي يريدون أن يُظهِروا الحركة الإصلاحية في الجزائر وجمعية العلماء على أنها مناوئة لتلك المعاقل العلمية التي عندما فرنسا أغلقت المساجد ومنعتها التجأ الشعب الجزائري إلى تأسيس الزوايا في كلّ الربوع، ربوع التراب الجزائري لتحفظ القرآن والعربية ولتكون ملجأ للجزائريين المهمشين ومنها خرج الأبطال المجاهدون لإعلاء كلمة الله ولتحرير البلاد والعباد من ربقة الاستعمار. هذه خصوصية للمدرسة الزيتونية الإصلاحية التي منها ابن باديس.

يحيى أبو زكريا: أحسنت شيخ صلاح الدين.

دكتور عمار طالبي، طبعاً الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمة الله تعالى عليه، وأنا أدعو هنا الجزائر، الدولة الجزائرية أن تهتم أكثر بالشيخ ابن باديس، أن توليه أهمية خاصة، عناية خاصة، أدعو الدولة الجزائرية تحديداً إلى أن تخصّص له أياماً في الإعلام الجزائري. نريد أن نرى ابن باديس في التلفزيون الجزائري، نسمعه في الإذاعة الجزائرية، في الأفلام الوثائقية، في المهرجانات. والله عندنا مهرجانات كافية للطرب والغناء. نريد مهرجانات لابن باديس، للطيّب العقبي، للبشير الإبراهيمي.

الشيخ بن باديس طبعاً لم يعش الثورة الجزائرية ولكن الشيخ بشير الإبراهيمي في غرّة نوفمبر سنة 1954 أصدر بيان النفير العام ضدّ الاستعمار الفرنسي من القاهرة.

كيف مهّد ابن باديس معنوياً للثورة الجزائرية سماحة العلاّمة الدكتور عمار طالبي؟

عمار طالبي: هذه نقطة أثرتموها بارك الله فيكم مهمّة. الحقيقة أنّ الذي هيّأ للثورة شعبياً بتوعيته الشعب الجزائري وبثّ المقوّمات الأساسيّة التي تكوّن ماهيّته وذاتيّته وهي الإسلام والعربية والوطن الجزائري من الناحية الجغرافية وما في ذلك كل من ثقافة وتاريخ مجيد، امتدّ وشارك فيه الأمازيغ والعرب طوال قرون متطاولة.

فهو هيّأ لهذا والفرنسيون في تقاريرهم التي كتبها الجواسيس أو المخبرون الفرنسيّون في سنة 39 يقولون إنّ ابن باديس خطر لا بدّ من أن نراقبه لأنه يتصل بالعاصمة، بقنصل إسبانيا وقنصل إيطاليا في ذلك الوقت، لأنّه كان هناك توتر كبير بين إيطاليا وبين فرنسا كما تعلمون في الحرب العالمية، ولذلك قالوا لا بدّ من أن نتابعه وأنه يتّصل بجماعة شكيب أرسلان وجماعة العربية في الشام، ويتّصل كذلك بالمصريين، وأنّه خطر، وكانوا يحصون المجلاّت التي تصله من مصر والعراق والشام، ويمنعون بعضها من البريد نفسه، هكذا قالوا هم، ولذلك كانوا يخشون، وقال بعضهم للمخابرات إننا أعطيناه (شفوي) للرخصة ليعلّم بالجامع الأخضر، ولكن الآن لا نستطيع أن نمنعه لأنه أصبح ذا سمعة كبيرة، فربما لا تحمد عُقبى ما معناه. ولهذا، فإنّ الفرنسيين كانوا يتابعونه وكتبوا تقارير كثيرة جداً عن نشاطه وعن الخطر الذي يداهمهم، ولم يكونوا يشعرون بالخطر من الأحزاب الأخرى مثلما كانوا يشعرون بالخطر من عمل ابن باديس، لأنّ عمل ابن باديس أساسي وجذري يخاطب الشعب في قلبه وعقله ويجعله مستعداً لأن يتحرّر في فكره وأن يتحرّر في وطنه.

ولذلك فإنّ دوره في تهيئة الثورة دور كبير، وقال في سنة 48، الفرنسيون قالوا بعد واقعة الـ45، قالوا أنّ الذي هيّأ لهذا كله إنما هو ابن باديس، وهم كانوا يواصلون متابعة حركته رغم أنه توفي قبل ذلك بثماني سنوات.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

عمار طالبي: قالوا إنّه هو السبب في ما نعانيه اليوم من ثورات ومن تنوّع الجهات التي تخاصم الفرنسيين، ولهذا فإنّ المدينة تعتبر رقم 1 في العداوة لفرنسا سياسياً وثقافياً وحضارياً، لأنّه كان يستعين بالثقافة وكان يريد أن يقرّب من النُخبة العربية التي تدرس باللغة العربية بالطريقة القديمة التقليدية في العلوم الإسلامية وبين الذين كانوا يدرسون في الثقافة الفرنسية واللغة الفرنسية. وقال إن هؤلاء، أي الذين يدرسون بالفرنسية، يعتبرون أولئك أحجاراً، أي جامدين، والذين يدرسون بالعربية والثقافة الإسلامية يعتبرون الآخرين كفّاراً، أحجاراً كفّاراً، ولذلك هو حاول أن يكسب الإخوة، النُخبة الذين كانوا يدرسون بالفرنسية، وقال لهم أعينوا أمّتكم وشعبكم على التحرّر وعلى أن يدخلوا عصراً جديداً في الثقافة والمعرفة والعلم.

ولكن الذي أريد أن أؤكّد عليه أخي أبوزكريا إذا سمحت لي بعض النقاط التي تتجاوب مع وضعنا اليوم، وضع المسلمين في الصراع والقتال والخصام والانشقاق.

هو ماذا يقول؟ كأنه حدث وتخطّى لما سيقع، وأعطانا علاجاً. ماذا يقول؟ إنّ الذي يسع المسلمين ليس هو مذهباً بعينه وإنما هو الإسلام بجميع مذاهبه، هذا شهاب مارس عام 36. وكذلك عندما تقرّر في تركيا العمل بمجلة الأحوال، التي تضمن القانون المدني على أساس المذهب الحنفي فقط، ماذا قال؟ قال "المرجع ليس هو مذهباً معيّناً مثل الحنفية، هو الإسلام بجميع مدارسه، وليس بمدرسةٍ واحدةٍ، أو بعددٍ محدود من المدارس مهما كانت"، وأنا اطّلعت على أوراق له بخط يده في مكتبته لخّص فيها النقاط الأساسية في كتاب الأحكام لابن حزم، فهو يأخذ به ويدرسه ويهتمّ به، ولم يُبعِد أي عالم من علماء المسلمين من أية فرقة من فرقهم.

ولذلك دافع عن الشيعة في مناسبة، كان سلامة موسى كتب عن التصوير في الإسلام وقال إلا فرقة منشقّة عن الإسلام، يقصد الشيعة، فردّ عليه ابن باديس، قال وإنه لا يحق لك أن تصفهم بأنهم منشقون عن الإسلام فالإسلام يشمل جميع هذه الفرق وجميع هذه المذاهب سواء كانت عقدية أو كانت فقهية.

يحيى أبو زكريا: دكتور عمار، لا شك أن الشيخ عبد الحميد بن باديس كان رائداً من روّاد الوحدة الإسلامية. لكن هل تسمح لي أن أطرح سؤالاً عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والدولة الجزائرية الفتيّة؟ لماذا الدولة الجزائرية الفتيّة حاصرت جمعية العلماء المسلمين ووضعت البشير الإبراهيمي تحت الإقامة الجبرية ولم تستفد من إرث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؟ لو تحقّق ذلك لما انتصر وانتشر الإرهاب في فترة من الفترات في الجزائر. تفضّل.

عمار طالبي: بارك الله فيك على إثارة هذا السؤال وأنا أقول لك، إنّ مؤتمر الصمام قد حذف العبارة التي وردت في البيان الأول، أي تكوين دولة اجتماعية ديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية.

في مؤتمر الصمام، دخلت عناصر يسارية، حتى الكاتب العام للحزب الشيوعي سابقاً عمار زوغان، وحذفوا هذه الأشياء واتّجهوا اتّجاهاً آخر علمانياً، وكذلك مؤتمر طرابلس في ما بعد، كان هنا موظف على الشرف وقال لهم الإسلام هذا دين يدعو للتأخّر ونحن نريد التقدّم وحذفوا هذه العبارة، فهذا انحراف عن نداء مطلع نوفمبر، ولما جاء الاستقبال كما تعلم وقع صراع بين الحكومة المؤقتة في ذلك الوقت وبين الجيش واستطاع جماعة وجدا في تلمسان أن يأخذوا الحُكم في العاصمة وأن يكون حُكماً عسكرياً، ولذلك ففي ما يتعلّق بهذا المبدأ كان قد أزيل من المواثيق.

في سنة 1964 عُقِد مؤتمر جبهة التحرير في عاصمة الجزائر، في سينما إفريقيا، وكنت من الذين حضروا هذا المؤتمر لأنه كمؤتمرات جهوية في الولايات الأولى والثانية والثالثة في ذلك الوقت وأنا كنت من جماعة الولاية الأولى وحضرت هذا المؤتمر، وبعدما ناقشنا ما يُسمّى بالميثاق الوطني بيننا، كنت أنا عارضت بعض النصوص التي وردت هنالك في هذا الميثاق، فأرادوا أن يرضوني وقالوا في الصيغة النهائية سنعدّل، وكذا، لكن لم يعدّلوا أي شيء، وفي هذا المؤتمر وفي هذا الميثاق ما رآه الشيخ البشير الإبراهيمي انحرافاً عن الخط الذي سنّه ابن باديس وغيره، وهو مقومات الشعب الجزائري، رأى أنّ الاتجاه اليساري الاشتراكي الذي كان سائداً لأن جماعة الحُكم في ذلك الوقت، دُعاة الاشتراكيين واليساريين على أساس الموضة في ذلك الوقت هو الاشتركية.

يحيى أبو زكريا: صحيح، دكتور عمار، الوقت انتهى للأسف الشديد، لكن أريد أن أقول أنه بُعيد استقلال الجزائر، وقع صراع كبير بين أبناء باديس وأبناء باريس. حاول أبناء باريس إقصاء ابن باديس لكن الجزائر ستظل وفية لابن باديس والإبراهيمي والطّيب العقبي وكل علمائها الربّانيين المُخلصين الذين صفعوا فرنسا يمنياً وشمالاً.

العلاّمة الدكتور عمار طالبي شكراً جزيلاً لك كنت معنا من الجزائر الحبيبة. الشيخ صلاح الدين المستاوي.

عمار طالبي: كنت أريد أن أقول أنّ الشيخ البشير الإبراهيمي أصدر بياناً في ذلك الوقت يستنكر هذا فوضِعَ تحت الإقامة الجبرية.

صلاح الدين المستاوي: كان لديّ بعض الملاحظات.

يحيى أبو زكريا: للبحث صلة، دكتور صلاح الدين، للبحث صلة، الوقت التلفزيوني ضاغطٌ. الشيخ صلاح الدين المستاوي في حلقات مقبلة سنكمل يقيناً، شكراً جزيلاً لك كنت معنا من عاصمة الحب والياسمين تونس الخضراء، شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

أ ل م : برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف. قناة الميادين.

آخر التغريدات: