قراءة في موازاة فكر مالك بن نبي

بقلم: تركي الربيعو-

ما يدعو إليه مالك بن نبي هو عودة إلى العروة الوثقى، فهي أس الحضارة المنشودة، والتي من شأنها أن تلد منتجاتها وتخلصنا من أكوام الخردوات التي جمعناها منذ أكثر من نصف قرن.

في رأيي أن أية قراءة في أوراق ورواق شاهد القرن، أي مالك بن نبي رحمه الله، كما يشهد على ذلك كاتبه الموسوم بـ :”مذكرات شاهد القرن” لا يمكنها إلا أن تلحظ ذلك البون الشاسع، لنقل تلك القطيعة المعرفية بين أفكار مالك بن نبين وبين الإرادة الإيديولوجية التي تتحكم في الخطاب الأصولي في المشرق العربي إذا كان لابد من المصطلح، بصورة أدق، بين أفكار ملك بن نبي وبين أفكار الإمام الشهيد “سيد قطب” على حد تعبير حسن حنفي في كتابه الموسوم بـ:”من العقيدة إلى الثورة” بأجزائه الخمسة، فثمة مسافة بين إرادة المعرفة التي حكمت أعمال مالك بن نبي، وبين إرادة الإيديولوجيا التي حكمت أعمال سيد قطب، والتي اتسمت أفكاره براديكالية لا ترحم، على حد تعبير فهمي جدعان في كتابه الموسوم بـ: “أسس التقدم عند مفكري الإسلام ص425” والتي قد يكون لها ما يسوغها في واقع عربي ينوس بين الاستبداد والاستبداد، إذ إن القارئ لكليهما، لا يمكنه إلا أن يلمح تلك القطيعة الثقافية بين هذين المفكرين الإسلاميين، التي تجد تعبيرها في موقف فلسفي من مشكلة الحضارة ظل ملازما لمالك بن نبي، ولم يهتم به سيد قطب ولم يعره أي اهتمام تحت وطأة الشواغل الظرفية والإيديولوجية الجامحة، والتي ترتد بجذورها إلى عوامل عديدة لا مجال لذكرها الآن، وذلك على الرغم من أن الاثنين كانا معاصرين لبعضهما وللفترة التاريخية، التي شهدت مجموعة من المحاولات النهضوية المتعثرة، في إطار ما عرف بتجارب الصواب والخطأ، التي شهدها العالم الإسلامي، وبالأخص الوطن العربي، العالم المصاب بكساح عقلي واجتماعي على حد تعبير ملك بن نبي والذي دخل إلى “صيدلية الحضارة الغربية” والتعبير لمالك بن نبي أيضا، وراح يبحث محموما عن حبة هنا وعقار هناك، عله يجد الشفاء، أو يهتدي إلى أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، كما يذكرنا عنوان كتاب الصدر الأعظم خير الدين باشا التونسي.
لا تهتم هذه الورقة بالمرجعية الفكرية لمالك بني نبي، فسواء كان قد أسرف في الاعتماد على أفكار غربية كما يرى فهمي جدعان “أسس التقدم، ص421″ أم أنه أبرز مفكر عربي عني بالفكر الحضاري منذ ابن خلدون، وأن ابن خلدون بالذات، يظل أستاذه الأول وملهمه في آن، هذا على الرغم من أن الخلدونية الجديدة، كما يسميها الجابري، ليست حكرا على مالك بني نبي، بل هي تغزو بتأويلاتها المعاصرة حقول الثقافة العربية، كما تشهد على ذلك قراءات الجابري للتراث، أو في كتابه العمدة والموسوم بالعصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي”، وحتى الجابري نفسه الذي يظهر كناقد للخلدونية، بقي متأثرا بها كما يرى الكثير من النقاد للجابري وذلك على سبيل المثال لا الحصر، إذن، فهذه الورقة توجه وجهها في اتجاه مجال آخر وتقوم بقراءة موازية ومكملة في آن لأطروحة مالك بن نبي في بحثه عن شروط النهضة، لكنها في الوقت عينه تظل مضمرة بالأسئلة التي يطرحها نص مالك بن نبي؟
بن نبي و”علم الاستغراب”

يقول مالك بن نبي في كتابه الموسوم ب: “شروط النهضة” إن اتجاه حضارة تساوي مبدأ أخلاقي+ ذوق جمالي وإن كل ثقافة تتضمن عنصر جمالي وإن كل ثقافة تتضمن عنصر الجمال وعنصر الحقيقة “الأخلاق” غير أن عبقرية أحدهما تجعل محورها الجمال، بينما تفضل الأخرى أن يكون محورها الحقيقة “شروط النهضة، ص154 طبعة ثالثة 1969” إذن فمالك بن نبي رحمه الله وفي بحثه عن الخاص الذي يميز حضارة عن أأخلاقي + ذوق جمالي.

أخرى يرسم لنا المعادلة السابقة، اتجاه حضارة: مبدأ فالحضارة العربية الإسلامية أعطت الأولوية للمبدأ الأخلاقي في بحثها عن الحقيقة من دون أن تغفل أهمية العامل الجمالي، كما يعبر عن ذلك الكثير من الكتب النفسية ذات الطابع الإيروتيكي.

في حين أن الحضارة الغربية تعطي الأولوية للمبدأ الجمالي على المبدأ الأخلاقي، بحيث تكون معادلتها بالشكل التالي. “اتجاه الحضارة الغربية: ذوق جمالي+ مبدأ أخلاقي
من حقنا أن نتساءل قبل أن نكمل المشوار مع هذا المفكر الإسلامي البارز، والذي يثير الكثير من الإشكالات على صعيد فكر إسلامي يعاني من حصار الداخل والخارج معا، هل كان مالك بن نبي محكوما بهاجس التأسيس لما نسميه اليوم ب: “علم الاستغراب” العلم الذي يحظى باهتمام كبار النقاد والمفكرين، من المرحوم إدوارد سعيد الذي دعا إليه في كتابه الموسوم بـ: “الاستشراق، وذلك على الرغم من قناعته بأن الجواب على الاستشراق ليس بالاستغراب، إلى حسن حنفي وكتابه البالغ الدلالة والموسوم ب: “الاستغراب” إلى مطاع صفدي و”نقد العقل الغربي، وإلى ممارسات سمير أمين في نقد الحضارة الغربية، كما يدل ذلك كتابه “نحو نظرية للثقافة 1989؟ وهل كان مالك بن نبي يطمح بفلسفته هذه إلى تجاوز مفاهيم الاستشراق التي تؤطر للانقسام والتضاد بين الشرق والغرب، حيث الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، كما تشهد على ذلك أطروحة “كيلينج” الشهيرة، بخاصة وأن بدا فرحا برحيل الجنود الفرنسيين عن بلده الجزائر، وبموت الاستشراق، كما يشهد على ذلك مقاله الموسوم “في إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي”.

أعود للقول والعود أحمد كما كانت تقول العرب، إن مالكا في معادلته السابقة يلمح خصوصية الحضارة في سلم أولوياتها. فالحضارة العربية الإسلامية التي تعطي للمبدأ الأخلاقي أولوية على ما عداه، كان قادتها باستمرار أنبياء، من إبراهيم عليه السلام، إلى محمد صلى الله عليه وسلم في حين أن الحضارة الغربية التي تعطي للذوق الجمالي الأولوية، كان قادتها باستمرار فنانين وأدباء ونحاتين كبار….إلخ، والسؤال هو: هل كان مالك بن نبي يلمح هذه الخصوصية في ذلك التراث الإغريقي الروماني الذي جرى تضخيمه كثيرا، لنقرأ بموازاة أطروحة مالك بن نبي وعلى عجالة تفرضها هذه الورقة، الخطوط العامة في ملحمة هوميروس “الإلياذة” ساعين بعدها إلى مقاربة منهجية مع أطروحة ملك بن نبي.

في إلياذة هوميروس ذلك الأصل البعيد/القريب “ثمة ترجمات عدة لها، آخرها ترجمة المجلس الأعلى للثقافة في مصر” نجد أن باريس الراعي الجميل وابن بريام ملك طروادة ونذير الشؤم لها، كما تحدثنا الملحمة وكما عالجتها هوليود “حروب طروادة بطولة براد بيت” يختاره رب الأرباب زيوس ليكون حكما بين الإلهات بين إفروديت ملكة الجمال ومنيرفا ملكة الحكمة وهيرا ملكة السلطان والقوة “تسمى أثينا في التراث اليوناني” وعلى الرغم من المغريات التي تقدمها منيرفا وهيرا إلا أنه يختار الأجمل يختار إفروديت فينوس ربة الحسن والجمال، ويتسبب في غضب إلهة الحكمة وألهة السلطان .أو لم يختر بجماليون الفنان جالاتيا التمثال الرخامي على جالاتيا الإنسانة التي أعاد لها الإله الروح؟- كما تحدثنا المسرحيات الإغريقية والمسرحيات اللاحقة لها وبخاصة في أعمال عصر النهضة الأوروبية التي استوحت هذه الأعمال.
إن باريس يختار الأجمل، ولو كان شرقيا، وبحسب معادلة مالك بن نبي، لاختار هيرا إلهة الحكمة من دون أن ينسى الجمال، لكنه –أي باريس- جميل الوجه، وتافه القيمة على حد قول هكتور أخيه، الذي يتولى الدفاع عن طروادة، وذلك عندما يهرب باريس من مواجهة مانيلاؤوس زوج هيليني، التي خطفها باريس، هيليني الجميلة التي تسببت في الحرب بين الإخائيين والطرواديين والتي استمرت عشر سنوات، وانتهت بتدمير طروادة الجاثمة أطلالها على ساحل البوسفور في تركيا حاليا، أقول أن باريس الجميل والراكض وراء الجمل، لا يجلب غير الدمار لطروادة، وبذلك تتحقق نبوءة والده، ومن باريس الجميل إلى أخيه بطل الحروب الطروادية، الهدف هو نفسه، الحصول على الأجمل والأكثر، ولعل جميع أحداث إلياذة وكما يقول إنجلز في كتابه الجميل، “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، تدور كما هو معروف حول “النزاع بين آخيل وأجاممنون قائد الجيوش على إحدى العبدات الجميلات.

المثقفون العرب وخيانة المهمة

إنّ السؤال هو، هل يريد مالك بن نبي أن يقول إن طريق الأجمل، لا يجلب غير الدمار، وإنه ليس من صلب ثقافتنا، إنه من صلب ثقافة مجتمع الاستهلاك والحروب الصليبية، فالأجمل يرادف الأكثر، ويقود إلى تدمير كبير للطبيعة والإنسان على السواء. أو على حد تعبير هربرت ماكيوز الذي يقول: “يتكشف الجمال على أنه قابل لأن يكون رهيبا في شكل مختبرات ومعامل ذرية، وقنابل ذرية لا تزال آذاننا تردد في صداها في هيروشيما ناغازاكي وتسمع تبجحات قادتها واستعراضهم لعضلات هرقل الجميلة في القرن العشرين، سوبرمان هذا الزمان، وفي إطار الأجمل الذي تؤسس له ثقافة عالم ماك، كما ينعتها بنجامين باربر، أي عالم الثقافة الأمريكية المعولمة، تصبح قضايا الفكر والحقيقة والثقافة والحضارة وأشياء ثانوية، فالناس سوف يتعرفون على أنفسهم من خلال بضائعهم وجملة الخردوات التي يمتلكونها، ليجدوا جوهر روحهم في سياراتهم الجميلة وأجهزتهم التلفزيونية الدقيقة الاستقبال وفي بيوتهم الأنيقة وأدوات طبخهم الحديثة “هربرت ماركيوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ص258” وفي مجتمع الاستهلاك حيث تسود القيم الاستهلاكية كرديف لقيم الأجمل والأسرع، حيث الريادة لثابت السرعة المتوحش، كما يكتب لويس ممفورد الذي ينعي إدوارد سعيد غيابه عن مقاهي نيويورك، وحيث أصبح الإنسان مجرد سلعة في دكاكين الخردوات “مصائد اغترابه، يصبح الحديث عن الموضة ضرورة حضارية وعندما تكثر المجلات الفنية التي تغطي واجهة المكتبات وكذلك المحلات التي تستورد أفضل ما ينتجه الغرب، في إطار الأزياء والعطور والخلاعة والديسكو والتانغو وأفلام البورنو…إلخ وكذا دكاكين الثقافة التي من شانها أن تبرر التبعية للآخر باسم حداثة معطوبة لا تزال تستبطن مسيرتنا الحداثوية.

إن مالكا على وعي تام بأن المجتمع العربي والإسلامي قد غير وجهته، وها هو يستعير بواعث التعبير عن نفسه من الآخر/الغربي، الذي قيل أنه يلج عتبات سقف التاريخ، كما بشرنا فوكوياما، وإذا به ينكص على عقبيه ليخبرنا أن سقف التاريخ مسكون بآلاف المسوخ التي من شانها أن تكتب نهاية الإنسان ونهاية التاريخ”انظر كتابه نهاية الانسان2001” لنقل مع مالك من أن ثقافة غربية تعطي الأولوية للذوق الجمالي على حساب المبدأ الأخلاقي، بذلك يخون المثقفون العرب مهمتهم، ويسهمون عن حسن نية في تأبيد التبعية للآخر ومن دون وعي منهم. وليس هذا فحسب، بل إنهم في خيارهم الحضاري الجديد هذا، يدفعون بمجتمعهم غلى خيار حضاري يقطع مع تراثهم، وبالتالي لن تنفعهم أكداس وأكوام الحضارة التي يستوردونها من هنا وهناك.
يمكن القول بدقة، إن الثقافة العربية في إطارها العام وليدة لصراع طويل الأمد، أي أنها ثقافة مواجهة وعلى حد تعبير عبد الله العروي، بين الذات والآخر بين الشمال المتحضر والجنوب المتخلف، الذي تمثل في الحضارة العربية الإسلامية، وهذه المواجهة تنطوي على بعدين: الأول يستخدمه أولاد الميثولوجيا الإغريقية لإرضاء نرجسية وغرور وللاستمرار في هيمنة ولتشخيص حالة ولتبرير امتداد كما تشهد على ذلك التي شنها الغرب وعلى جميع أجزاء المعمورة، من أمريكا كولومبوس، إلى إفريقيا إلى الحروب الصليبية، إلى احتلال بغداد مع مطلع الألفية الجديدة…إلخ وذلك خارج الإطار الجغرافي لأوروبا على هيئة انتداب واستعمار قديم وجديد، وعلى هيئة شركات معددة الجنسية وعولمة يتصورها توماس فريدمان على هيئة فطيع الكتروني، من شأنه أن يدهس شعوبا وحضارات لا تزال تملك حظا من الممانعة للعولمة. والثاني ويمثل نوعا من الدفاع عن الذات ضد كل أشكال الاستلاب، في إطار محاولة للنهوض تستهدف العودة إلى الأصول واستلهام مقومات النهضة منها.

الأزمة بمعناها الشامل

صحيح أن الخطاب المقاوم ينطوي على بنية جهادية مغلوطة لا ترى إمكانية النهضة إلا بإزاحة الآخر المهيمن، إلا أن لذلك ما يبرره كنتيجة لما يمكن تسميته بالضغط الحضاري للغرب على المنطقة العربية “حروب واستعمار وغزو ثقافي وإعلامي..إلخ” هذا الخطاب المقاوم نعثر عليه على طول المساحة الفكرية لروادنا النهضويين وحتى اللحظة المعاصرة. ويحظى هذه الأيام بانتقاد دائب يهدف إلى تصحيح الخلل في المعادلة بين الشرق والغرب، بين الشمال والجنوب وإلى إذكاء حوار حضاري مع الآخر المختلف ظل وحتى هذه اللحظة غائبا باستمرار.
وفي إطار ثقافة المواجهة هذه تعددت الإجابات عن السؤال النهضوي الأساسي: كيف لنا أن ننهض؟ وبلغت الحيرة مداها، فهذا قاسم أمين يرى تحرير المرأة أولا، والليبرالية أولا، كما يؤكد لطفي السيد وتيار عريض يمتد على ساحتنا الفكرية العربية وصولا إلى الليبراليين الجدد، والتكنولوجيا أولا، كما يؤكد سلامة موسى وقسنطنطين زريق، والإسلام أولا عبد الحليم عويس وأنا مسلم إذن أنا موجود لخالد محمد خالد، والعروبة أولا، كما يشهد على ذلك كتاب المفكر القومي ساطع الحصري، والماركسية أولا لعبد الله العروي في كتابه الموسوم ب: “العرب والفكر التاريخي”…إلخ

من وجهة نظر مالك بن نبي أن الحيرة التي تتملك العالم الإسلامي وتدفعه إلى أعتاب ما سماها بـ: “صيدلية الحضارة الغربية” عله يعثر على الدواء، هي ناتج الخلل في المعادلة الحضارية التي تعرضنا لها، والتي تقول غن اتجاه حضارة يساوي مبدأ أخلاقي +مبدأ جمالي، وعندما سيكثر ما سماهم الجابري في كتابه الجديد والموسوم ب: “المسألة الثقافية بـ: “مثقفين اللقطاء” الذين يقاتلون على فتات الأسياد ويروجون لثقافة ويصبحون بوعي منهم أو من دون وعي عملاء حضاريين لثقافة اخرى وممثلين لها، إنهم دعاة الفرنجة التي تجد تعبيرها الآن في العادات والتقاليد التي أصبحت نموذجا يحتذى للنخبة المثقفة، حيث نجد هذا التماهي الحاد بين هذه النخبة وبين الغرب، والذي يمهد على الطرف الجنوبي لانقسام حد داخل المجتمع بين النخبة والجماهير، الجابري يقول إنه يكفي رؤية أحد الأفلام المصرية من دون القيام بأي تحليل سوسيولوجي لنرى ذلك الانقسام الحاد بين النخبة والجماهير والذي يهدد بحرب أهلية على الدوام.

ينتقد مالك بن نبي حالة التسول والحيرة التي تعتور المجتمع العربي والإسلامي والتي تدفع بهذا المجتمع الذي غير اتجاهه، لأن يستورد أكواما من منتجات الحضارة الغربية من دون أن يكون قادرا على إنتاج الحضارة، ويقول مالك، إنه منذ نصف قرن والعالم الإسلامي يعمل على جمع أكوام من منتجات الحضارة أكثر من أن يهدف إلى بناء حضارة فالحضارة هي التي تلد منتجاتها ومن السخف والسخرية حتما أن نحاول عكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها (شروط النهضة، ص63).

إذن المشكلة في إطارها العام، ليست مع الإسلام ولا مع التكنولوجيا، ولا مع العروبة، إن مشكلتنا في أساسها وكما يراها مالك بن نبي تكمن في أننا غيرنا اتجاهنا، وبالتالي أصبح التخلف بمثابة نتيجة، وهكذا بتنا وجها لوجه مع عروبة مختلفة وإسلام تاريخي متراجع، وتكنولوجيا بلا جذور، ومع قراءة متخلفة وغير صحيحة لموقع المرأة في مجتمعنا المنشود، ومع مثقف بلا جذور، أي أنها الأزمة بمعناها الشامل، أزمة مع الحضارة وأدواتها.

دائرة اللطف الإلهي

مالك بن نبي يدعو إلى تصحيح الاتجاه، بالعودة إلى دائرة اللطف الإلهي، على حد تعبير مثقف عربي معاصر، فعلى طول المساحة التاريخية، حافظت المنطقة العربية على وحدتها الثقافية التي تشكل فيها الثقافة العربية الإسلامية الذروة الأكثر نضجا واكتمالا، باعتبارها التعبير الأكثر أصالة لفكر أصيل تضرب جذور أصالته في القدم، فهي بمثابة الرأس من الجسد في ثقافة المنطقة التي تحرص عليها كحرصها على نفسها، بل وتحض المتقين على ذلك {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}البقرة/4، وثقافة المنطقة تشكل وحدة متجانسة، هذا التجانس يمنحه لها الله جل جلاله، فلقد بقيت صورة الله في وعي الإنسان العربي والمسلم تمثل محور القيم، وحد المعادلة الأول، بحيث يمكن القول بأن تطور ثقافتنا كلها كان يتفاعل مع تطور صورة الله في أذهان البشر، وأن كل ثورة أخفقت أو نجحت في مدى معرفتها بحقيقة الألوهية، فالألوهية الحقة، ظلت محورا لهذه الثقافة، ورمزا للخلود والحضارة، وبالتالي فالله في ثقافتنا العربية الإسلامية لا يشكل مفهوما اغترابيا لن تتحقق النهضة المرتقبة إلا على حسابه، كما حاول أن يقنعنا ما سماهم الجابري بـ”مثقفي المقابسات” إن مفهوم الألوهية في القرآن الكريم، يجسد وعيا لهذه الأمة في نزوعها لبناء الحضارة، وهو وجود الأصيل في هذا العالم وليس فوقه، وهو الدعوة الملحاح والدائمة للإنسان كي يصغى إلى خصائصه، ويتمثل حقيقته، من هنا كانت عبادة الله هي جوهر التحرير لمقاتلة المؤسسة السلطانية القائمة على عبودية الإنسان للإنسان.

إنّ المجتمع العربي المعاصر، إذ يغير اتجاهه الأصيل ليستعير دوافع التغيير من مجتمع آخر مسهما بذلك بتغيير نمطه الأصيل، إنما يحكم بلا وعي منه على مشروعه الثقافي الحضاري الذي يزعم بناءه بالتبعية والإحباط، ولن يجني غير الشوك، وبعض المسكنات التي يأخذها من صيدلية الحضارة الغربية إن أولوية المبدأ الأخلاقي في معادلة مالك بن نبي تعني بحثا عن الخصوصية والأصالة، إذ إن استلهام الخصوصية الحضارية يرتدي هو الآخر طابعا حضاريا، وهذا الاستلهام يقوم على فهم الآلية الحضارية التي حاول من خلالها أبطالنا وأجدادنا العظماء الاستجابة للتحديات، وذلك عبر مواقف تحتذى إلى الآن كسلوك جد عملي وحضاري، إننا مطالبون الآن بتصحيح الانحراف التاريخي والذي يجد تعبيره في عبادة شخصية وعلى جميع المستويات للغرب التكنولوجي، والتصحيح بحسب معادلة مالك بن نبي يبدأ بالعودة إلى المسار والمدار الصحيح في محاولة لإنعاش وعي جديد داخل الوعي السائد المنحرف، يشتمل عيه ويتجاوزه في الوقت عينه.

ففي مجتمع استهلاكي يعيش تهافت التهافت، في سعيه وراء الأكثر والأجمل، يصبح استلهام تلك الروح الحضارية الإسلامية أمرا ضرويا في محاولة للدفاع وإنقاذ المجتمع من الهاوية، التي يندفع إليها بلا وعي منه، هذا اللاوعي الذي يستلهم بوحي غرائزه شيخوخة الحضارة الغربية، بدلا من عصر نهضتها.

إنّ فكرة النهضة لا يمكن أن تتأكد إلا على قاعدة نواة قديمة، كما يرى هشام جعيط تكون هدف دراسة وفخر واستعادة، وذلك لأن الانفصال عن الماضي أمر مستحيل، فإن الذي يخطط لثقافة جديدة يظل دائما مرتبطا بثقافة كما يقول “سكينر” عالم النفس السلوكي، والنهضة تتطلب بحسب معادلة مالك بن نبي إعطاء الأولوية لمبدأ الحقيقة والأخلاق.

منذ سنوات كتب روجيه غارودي في كتابه الموسوم بـ”مشروع الأمل” بما معناه أننا بحاجة إلى إعادة ما هو إلهي إلى داخل الإنسان، فلماذا نصر نحن عرب اليوم، وكما يشهد على ذلك خطابنا النهضوي في العقود السابقة، على استبعاد ما هو إلهي من مشروعنا الثقافي النهضوي؟
ما يدعو إلي مالك بن نبي هو عودة إلى العروة الوثقى، فهي رأس الحضارة المنشودة والتي من شأنها أن تلد منتجاتها، والتي من شأنها أن تخلصنا من أكوام الخردوات التي جمعناها منذ أكثر من نصف قرن، والسؤال هو هل تذهب صرخة مالك بن نبي في واد، أم أن أصداءها مازالت تتردد على طول المساحة الثقافية لمشروعنا النهضوي المقبل.


* تركي الربيعو- كاتب وباحث سوري

آخر التغريدات: