رحيل الأستاذ الدكتور عبد الكريم بوصفصاف خمس وأربعون سنة من العطاء العلمي والمعرفي

بقلم: حداد أحمد-

توفي يوم 26 نوفمبر 2017 المؤرخ الجزائري عبد الكريم بوصفصاف، ولا يسع طلبته وزملائه إلا الترحم عليه والتذكير بحياته التي كانت كلها كفاح وبحث علمي، أثمرت بتكوين مئات الطلبة والمساهمة في تأسيس مدرسة تاريخية جزائرية. وبعشرات المقالات والبحوث المنشورة و22 كتابا (تأليف فردي وجماعي(.

المولد والنشأة

هو أستاذ ومؤرخ جزائري، متميز بكتاباته عن هو الحركة الوطنية والثورة التحريرية الجزائرية، ولد سنة 1944 بقرية »العبيات«، بلدية فج مزالة المختلطة آنذاك )بلدية فرجيوة حاليا ولاية ميلة(، وهو من عائلة متوسطة الحال مزجت بين الفلاحة والتجارة والعلم.

على عادة أهل البلدة، أرسله والده »المختار« إلى المدرسة القرآنية ليتسلح بكلام الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. ولما بلغ سن السابعة انتقل إلى »فج مزالة« للدراسة في مدرسة تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والتي كان يشرف عليها »محمد شوارفة« المدعو »بن شيروف«. ونتيجة للقدرات العلمية التي كان يتمتع بها إبنه وهو صغير، قرر والده إرساله إلى العاصمة سنة 1954، لكنه لم يمكث بها طويلا بسبب اندلاع الثورة، فعاد مرة أخرى لقريته أين تابع تعليمه، بجد ونشاط بالرغم من الإصابات التي تعرض لها في عينيه، والتي أفقدته بصره وهو في مقتبل عمره.

من ظلمات البصر إلى نور البصرية

أصيب عبد الكريم بوصفصاف وهو في سن السابعة في إحدى عينيه نتيجة انفجار خرطوش، وبعد سنتي أرسله والده للعلاج والدراسة بالعاصمة لكن ظروف اندلاع الثورة جعلته يعود أدراجه إلى قريته ليواصل الدراسة بعين واحدة، ويشاء القدر أن يتعرض عبد الكريم الصبي في جوان 1958 إلى حادث مروع فقد على إثرها عينه السليمة، إذ كانت طائرات الاحتلال الفرنسي تقتفي آثار كوكبة من جنود جيش التحرير الوطني وصادف ذلك تواجده وأخوه عمار في إحدى الحدائق التي تعرضت لقنابل الغزاة، فضربتهما إحدى شظايا قنبلة تسببت في إصابتهما بجروح متفاوتة الخطورة، منها إصابة عين – مترجمنا – التي كانت سليمة من قبل. منذئذ ظل الشاب عبد الكريم يعتمد على نسبة ضئيلة من نور إحدى عينيه ولكنه كان يعتمد بالأساس على نور البصيرة أكثر من نور البصر. ولم تسمح له الظروف بعرضه على طبيب العيون إلا سنة 1961 بمستشفى قسنطينة، لكن بعد فوات الأوان، ولم يعد بإمكان الأطباء فعل أي شيء رغم أنهم أجروا له عمليتين جراحيتين.

مسار وتكوين علمي أكاديمي متني وثري

في السنوات الأولى للاستقلال تابع دراسته الابتدائي ة والمتوسطية والثانوية في المدارس الحرة بقسنطينة، توجت بحصوله على الشهادة الابتدائية والشهادة الأهلية.

في سنة 1970 شارك مترجمنا في مسابقة الدخول إلى الجامعة، فكان النجاح حليفه بل كان الأول على مستوى دفعته، وسجل بجامعة قسنطينة تخصص تاريخ، تخرج منها سنة 1974 بشهادة ليسانس، وقد قررت الجامعة تعيين المتحصلين على المراتب الثلاث الأولى في رتبة » أستاذ معيد« وهم على التوالي: عبد الكريم بوصفصاف، نزيه بن جاب الله، فاطمة الزهراء قشي.

سجل عبد الكريم بوصفصاف في نفس سنة التحاقه بالجامعة كأستاذ، بقسم الدراسات العليا بالعاصمة، وبعد سنة واحدة ) 1975 ) حصل على شهادة المنهجية في البحث بموضوعه »ثورة 1871 الأسباب والنتائج«، وفي عام 1978 تحصل على شهادة ديبلوم الدراسات المعمقة بتقدير جيد جيدا، كان موضوع بحثه » جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية« وفي سنة 1984 نال عبد الكريم بوصفصاف شهادة الماجستير بتقدير مشرف جدا مع التوصية بالطبع من لجنة المناقشة لبحثه الموسوم » جمعية العلماء المسلمين وعلاقتها بالجمعيات السياسية الأخرى«

أخيرا توج مشواره العلمي سنة 1997 بحصوله على شهادة دكتوراه دولة في موضوع تاريخي فلسفي بعنوان »الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية في حركتي محمد عبده وعبد الحميد بن باديس: دراسة تاريخية فكرية مقارنة، تحت إشراف المؤرخ التونسي: محمد الهادي الشريف«.

جدية وعمل واستمرارية حتى وفاته -رحمه الله -

شغل الدكتور عبد الكريم بوصفصاف إلى جانب عمله في التعليم والبحث والإشراف على الرسائل العلمية، وظائف بيداغوجية وإدارية من رئيس قسم التاريخ، إلى مدير معهد، إلى رئيس مخبر فعضو للمجلس العلمي بالقسم والكلية إلى عضو في اللجنة القطاعية على مستوى وزارة التعليم العالي. وقد تميز عمله ونشاطه في هذه الوظائف بالجدية وأخذ سلاح المبادرة في التحسين والتطوير داريا وعلميا وبيداغوجيا. من الحقائق التي لابد من تدوينها في هذا السياق هي أن عبد الكريم بوصفصاف هو عنوان للعمل والالتزام والتسامح الثقافي والسعي لمساعدة الآخرين وإكرامهم، ولم يكن ينتظر جزاء وشكورا من أحد إلا من الله تعالى، غير أن بعض من ساعدهم ووقف إلى جانبهم، ينطبق عليهم قول المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ومن التقاليد الحميدة التي بادر إليها عبد الكريم بوصفصاف هو استقباله في بيته الأساتذة والباحثين من الجزائريين والزائرين في المناسبات العلمية، ويقيم لهم مآدب عشاء يتبادل حولها الحاضرون انشغالات الطبقة الجزائرية والعربية المثقفة، وطرح مختلف القضايا الفكرية والفلسفية للنقاش وتبادل الآراء. ومن القضايا التي كان يوليها الكثير من الاهتمام في تلك الجلسات، مسألة الوحدة المغاربية، إذ كان يرى أن مسؤولية هذه المهمة النبيلة تقع بالدرجة الأولى على عاتق المثقفين.

إن هذا النوع من الرقي الاجتماعي والثقافي أصيل لا يقوم به إلا مثقف واع أحس بالحيف الثقافي وتدهور العلاقات الإنسانية بين شريحة المثقفين، مما أدى إلى البعد عن الأهداف النبيلة التي سعى إليها أسلافنا من أجل وحدة المغرب العربي الكبير.

إنتاجه العلمي

تميز عبد الكريم بوصفصاف بالجدية العلمية والمحاولات الإبداعية وهذا بشهادة أساتذة لهم باع في المجال العلمي منهم الدكتور أبو القاسم سعد الله، حسن حنفي، طه عبد الرحمان... وغيرهم. ولا يسعنا في هذا المقال ذكر كل المقالات والكتب وسنكتفي بذكر بعضها، فمن كتبه:

- جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية.

- قاموس شهداء ولاية ميلة

- جهاد المرأة الجزائرية وجهودها الكبرى بولاية سطيف

- الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية في حركتي محمد عبده وعبد الحميد بن باديس

كما شارك في مؤتمرات وندوات دولية منها:

- ملتقى الحركة الوطنية التونسية، بتونس1987

-دور الصحافة في نشر الوعي التاريخي، مؤسسة التميمي 1998

- مشكلات الحدود وأثرها على العلاقات الدولية في الوطن العربي، سوريا 1999.

- العلوم الاجتماعية بين النقد والتأويل، القاهرة 2002

كما أشرف ونظم ملتقيات علمية منها:

- ملتقى الجزائر في العهد العثماني 1994.

- ملتقى حول فلسفة التنوير وأثرها على الفكر العربي الحديث والمعاصر 2002

والأكثر من ذلك فإن عبد الكريم بوصفصاف كان يعقد ملتقيات خاصة بأقطاب الفكر والتاريخ في الجزائ ر ويدرس أعمالهم ويكرمهم وهم على قيد الحياة مثل الملتقى الذي خصصه لأعمال الدكتور أبو القاسم سعد الله )رحمه الله( سنة 2004 ومناقشة كذلك أعمال الدكتور عبد الرزاق قسوم )حفظه الله(.

وحتى قبل وفاته رحمه الله، ورغم مرضه كان يستقبل في بيته الباحثين والطلبة ويجيب على استفساراتهم ويناقش معهم المواضيع العلمية التي تشغل بالهم ويوجههم إلى المراجع والمصادر، كل ذلك بصبر وتواضع وشعور منه بالمسؤولية في تبليغ العلم الذي حباه به الله تعالى خدمة للدين والوطن.


. * حداد أحمد: قسم التاريخ جامعة عبد الحميد مهري قسنطينة.

آخر التغريدات: