أنْشُودَةُ الوَلِيدِ في يَومِ الـمَوْلِدِ السَّعِيدِ

من نظم: مُحَمَّد العيد خَليفَة-

بسم الله الرّحمن الرّحيم

أحمد الله حقَّ حمده، وأصلّي وأسلّم على سيّدنا مُحَمَّد رسوله وعبده، وآله وصحبه والتّابعين من بعده،

وبعد فممّا لا ريب فيه أنّ تروية الطّفل حظّا من الأشعار العامرة بالنّصائح والحكم، والحاثّة على مكارم الأخلاق ومحامد الشّيم، أعظم عامل في إرهاف حسّه، وتزكية نفسه، فضلا عمّا يتيح له ذلك من رجاحة بيان، وفصاحة لسان.

لهذا، ولـمناسبة قرب الذّكرى الـمولديّة الشّريفة التّي يحيى العالم الإسلاميّ لياليها بتلاوة الـموالد، وإنشاد القصائد، ويحيّى أيّامها بعقد الـمهارج، وعرض الـمباهج، نظمت هذه الأنشودة على لسان وليد، في تحية ذكرى الـمولد السّعيد.

ومن أحقّ بتحيّة هذه الذّكرى الزّاهرة، من لسان الطّفولة الطّاهرة؟ فصوتها على ضعفه وخفوته حريٌّ أن يكون أندى الأصوات بدعوات الحقّ، وكلمات الصّدق وحريٌّ أن يفتح له أقطار الأرض من فتح له أبواب السّما... فأقدّم إليك أيّها النّاشئ الـمسلم هذه الأنشودة، آملا أن تكون مقبولة عندك غير مردودة، فأحفظ وأرفع بها عقيرتك في أيّام الـمولد الغرّاء، ولياليه الزّهراء، كبرهان على حبّك لنبيك العظيم، الذّي بك وبكل الـمؤمنين رحيم، وكإعلان عن استبشارك باستعراض أوّل صفحة من صفحات حياته الـماجدة، واحتفائك باستقبال ذكرى مولده الخالدة التَّالِدَة، أدام الله عليك في الدّنيا نعمة حبّه وطاعته، ولا حرمك في الآخرة فضل قربه وشفاعته، آمين.

الجزائر منتصف الـمحرم 1357 الـموافق 17 مارس 1938

مُحَمَّد العيد خَليفَة

أنْشُودَةُ الوَلِيدِ في يَومِ الـمَوْلِدِ السَّعِيدِ

بِمُحَمَّدٍ أَتَعَلّقُ …*… وَبِخُلقِهِ أتَخَلَّقُ
وَعَلَى البَنِيـنَ جَمِيعِهِمْ …*… فِي حُــبِّهِ أتَفَوَّقُ(1)
نَفْسِي الفَتِيَّةُ(2) دَائِمًا …*… مِنْ حُبِّهِ تَتَحَرَّقُ
وَجَوَانِحِي(3) مُهْتَاجَةٌ(4) …*… وَمَدَامِعِي تَتَرَقْرَقُ(5)
مَالِي وَلِلّعَبِ(6) التِّي …*… تُخْتَارُ لِي وَتُنَسَّقُ(7)
إنَّ التَّعَلُّقَ بِالرَّسُو …*… لِ وَدِينِهِ بِي أَليَقُ
أنَا مُسْلِمٌ أَهْوَى الهُدَى …*… بِسِوَاهُ لاَ أتَحَقَّقُ
بِخَلَالِ أَحْمَدَ أرْتَدِي(8) …*… وَبِحُبِّهِ أَتَمَنْطَقُ(9)
فِي مِثْلِ هَذَا الشَّهْرِ لاَ …*… حَ كَبَدْرِهِ يَتَألَّقُ(10)
اليَوْمَ تَزْدَهِرُ(11) المَحَا …*… قل بْالمدِيحِ وَتَعْبَقُ(12)

اليَوْمَ أَلْسِنَةُ العَوَا …*… لِم بالبَشَائِرِ تُطْلَقُ
فَعَلَى الوُجُودِ نَضَارَةٌ(13) …*… مِلْءَ العُيُونَ وَرَوْنَقُ(14)
لاَ يَوْمَ أَشْرَفُ فِيهِ مِنْ …*… يَوْمِ الرَّسُولِ وَأشْرَقُ
أَهْلاً بِشَهْرِ بِالقُلُو …*… بِ وَبِالنَّوَاظِرِ يُرْمَقُ(15)
أَنَا مُنْذُ غِبْتَ إِلَيْكَ مِنْ …*… حَرِّ الهَوَى أَتَشَوَّقُ
عَرِفٌ(16) النَّبِيّ مُحَمَّدٍ …*… يُشْتَمُّ مِنْكَ وَيُنْشَقُ
مَا زِلْــــتُ فِيهِ وَلَنْ أَزَا …*… لَ بِعَهْدِهِ أَتَوَثَّقُ(17)

***

يَا خَيْرَ مَنْ تَعْنَى(18) إِلَيْــ …*… ـهِ الهَادِيَاتُ(19) وَتَعْنَقُ(20)
ذِكْرَاكَ أَسْمَى ذِكْرَيَا …*… تِ الخَالِدِينَ وَأَسْمَقُ(21)
أَنَا أَسْــــرَعُ الفِتْيَانِ فِي …*… مَا تَرْتَضِيهِ وَأَسْبَقُ
جُندِيُّكَ الغَازِي(22) بأَمْـ …*… ـرِكَ يَوْمَ يَغزُو الفَيْلَــقُ(23)
قَسَمًا بِرَبِّكَ إِنَّنِي …*… مِـنْ غَيْرِهِ لاَ أُفْرَقُ(24)
إِنِّي عَلَى البَيْضَاءِ(25) مُعْـ …*… ـتَدِلُ الخُطَا لاَ أَزْلَقُ
لاَ أَنْثَنِى عَنْهَا وَلَوْ …*… أُصْلَى(26) الجَحِيمَ وَأَشْنَقُ
هِيَ مِلَّةُ يُمْحَى بِهَا …*… رَيْبُ القُلُوبِ وَيُمْحَقُ
وَالعَقْلُ مِنْهَا بِالعُلُو …*… مِ وَبِالمَعَارِفِ يُرْزَقُ
أَنفَقْتُ وَقْتِي فِي هُدًى …*… فِيهِ النَّفَائِسُ(27) تَنْفَقُ
أَتَذَوَّقُ(28) الفُرْقَانَ قُـو …*… تَ الرُّوحِ مَا أَتَذَوَّقُ
أَتْلُو الكٍتَابَ مُصَدِّقًا …*… إِنَّ الكِتَاب مُصَدَّقُ
لاَ سِفْرَ(29) أَعْمَرُ مِنْهُ فٍي …*… شَتَّى العُلُومِ وَأَعْمَقُ(30)
لِمَ لاَ أزَاوِلُ دَرْسَهُ …*… وَأَنَا اللَّبِيْبُ الأَحَذَقُ؟

***

يَا قَائِدًا فِي الحَرْبٍ صَفُّ …*… جُنُودِهِ لاَ يُخْرَقُ
لِي أُسْوَةٌ(31) بِكَ فِي دِفَا …*… عِكَ يَوْمَ خُطَّ الخَندَقُ(32)
وَالصَّحْبُ(33) بِالأَحْزَابُ(34) تُغْـ …*… ـزَى وَالـمَدِينَةُ تُحْدَقُ
مَا زِلْتَ تُرْفَدُ(35) بِالمُدُو …*… دِ(36) مِنَ السَّمَاءِ وَتُرْفَقُ(37)
حَتَّى رَأَيْتَ القَوْمَ يُهْـ …*… ـزَمُ(38) جَمْعَهُمْ وَيُمَزَّقُ(39)

***

يَا شَعْبُ أَنْدَاءُ(40) الرَّبِيـ …*… ـعِ عَلَى رُبُوعِكَ(41) تُهْرَقُ(42)
السَّوْسَنُ(43) التَحَفَتْ بِه …*… أَكْنَافُهَا(44) وَالزَّنْبَقُ(45)

أَنَا زَهْرةٌ فِيهَا تُنَمَّـ …*…ــى حُرَةً وَتُنَمَّقُ(46)
أَنَا نَبْعَةٌ(47) يُرْمَى بِهَا …*… صَدْرُ العَدُو وَيُرْشَقُ
أَنَا صَارِمٌ(48) فِي وَجْهِ مَنْ …*… يَنْوِي ابْتِلاَعَكَ يُمْشَقُ(49)
إِنَّ الَّذِي يَبْغِي انْدِمَا …*… جَكَ فِي سِوَاكَ لَأَحْمَقُ
لاَ يَنْمَحِى شَعْبٌ بِشَا …*… رَاتِ(50) الرَّسُولِ مُطَوَّقُ(51)
لاَ تَخْشَ إِيبَـاقًا(52) فَأَنْـ …*… ـتَ بِوَعْدِهِ لاَ تُوبَقُ
لاَ زِلْتَ فِي دَرَجِ(53) الـمَعَا …*… رِفِ وَالعُلَى تَتَسَلَّقُ(54)
أَنْتَ الحَنِيفُ(55) فَلاَ تَخَفْ …*… إِنَّ الحَنِيفَ مُوفَّقُ(56)


 

كَلِمَةُ مُخْتَصَرةٌ

في سِيرَةِ سَيّدِنا مُحَمَّد صَلَّى عَليْهِ وَسَلَّمَ

ولد سيّدنا مُحَمَّد بن عبد الله صَلَّى عَليْهِ وَسَلَّمَ صباح يوم الاثنين تاسع ربيع الأوّل الـموافق ليوم العشرين من أفريل سنة 571 الـميلاديّة في مَكَّة الـمكرمَّة، ونشأ بها يتيما لأنَّ أباه عبد الله لم يلبث أن تُوفّي بعد حمل الرَّسُول بشهرين، فربَّته أمُّهُ آمنة بنت وهب وأرضعته حليمة بنت أبي ذُؤَيْبٍ، وماتت أمّه وعمره ستُّ سنين فقام بتربيته جدُّه عبد الـمطلب ثمَّ مات جدّه بعد سنتين فكفله عمّه أبُو طَالب.

ولـمَّا بلغ الرِّجَال اشتغل بالتّجارة وخرج إلى الشام يتَجر لخديجة بنت خُويلد ثمّ تزوَّجَ بها بعد ذلك.

وكان رسول الله في خلقه وسيط القامة معتدل السّمن جميل الوجه أزهر اللّون، أمّا في خلقه فقد كان عالي الهمّة شجاعا أمينا متواضعا عاد لا يعامل أصحابه باللّين وينبسط في وجوههم ويبدؤهم بالسّلام فلذلك أحبّوه محبّة شديدة وفضَّلوه على الأهل والبنين.

ولـمَّا بلغ أربعين سنة من عمره نزل عليه الوحي من السّماء وهو قائم على جبل حراء قريبا من مكّة، فأخذ يدعو لعبادة الله وحده، وكان في أوّل الـمؤمنين به زوجته خديجة وابن عمّه عليّ ابن أبي طالب وصديقه أبو بكر (رضي الله عنهم).

ولـمَّا جهر رسول الله بالدّعوة آذته قريش وسخرت منه وكان أشّهم في ذلك أبو جهل عمرو بن هشام، وأسلم بمكّة جماعة من أهل الـمدينة وعادوا إليها فانتشر فيها الإسلام، ووفد على رسول الله جمع من أهلها يدعونه وأصحابه إلى الهجرة إليها فهاجر، وبهجرته إليها ابتدأ التّاريخ الهجريّ.

ولم يرغم رسول الله أحد على الدّخول في الدّين بل كان مكتفيا بالتّبشير والإنذار، فلمَّا ازداد بغي الـمشركين أَذن الله له بقتالهم كافَّة، فكانت أوّل حرب بين رسول الله وبينهم في غزوة بدر وتلتها غزوات عديدة كان النَّصر في أكثرها للمسلمين.

ولـمَّا جاء نصر الله والفتح ودخل النّاس في دين الله أفواجا توفّي رسول الله يوم الاثنين الثّالث عشر من ربيع الأوّل سنة 11 من الهجرة الـموافق ثامن جوان سنة 633 من الـميلاد، وكانت وفاته بالـمدينة وبها دفن، بعد أن جازو من سني عمره ثلاثا وستّين، صَلَّى عَليْهِ وعلى إخوانه الأنبياء والـمرسلين وآلهم وصحابتهم والتّابعين، والحمد لله ربّ العالـمين.


الهوامش:

([1]) أتفوّق: اسمُو واترفّع.

(2) الفتيّة: الصغيرة الشابة.

(3) الجوانح: الأضلاع مما يلي الصدر واحدتها جانحة.

(4) مهتاجة: ثائرة.

(5) تترقرق: تدور في باطن العين.

(6) اللُّعَبُ: الآلات التي يلعب بها، واحدتها لُعبة.

(7) تنسّق: تنظم.

(8) ارتدى: ألبس أي اجعل خصال أحمد عليه الصلاة والسلام رداءً لي.

(9) اتمنطق: اجعله منطقة لي والمنطقة كل ما يشد به الوسط.

(10) يتألق: يلمع وينير.

(11) تزدهر: تضيءُ وتتلألأ.

(12) تعبق: تنتشر رائحة الطيب فيها.

(13) نضارة: حسن وجمال.

(14) رونق: طلاوة وإشراق.

(15) يرمق: يُلظ ويُبصر.

(16) عرف: رائحة.

(17) اتوثق: أنثبّتُ واتقوّى.

(18) تَعْنَى: تَنصَبُ وَتَتعَب.

(19) الهاديات: متقدّمات الإبل وسوابق الخيل.

(20) تعنَق: تطول أعناقها.

(21) اسمق: أعلى وأرفع.

(22) الغازي: السائر إلى القتال.

(23) الفيلق: الجيش العظيم.

(24) أفَرقُ: افزع وأخاف.

(25) البيضاء: شريعة الإسلام أخذًا من قوله عليه الصلاة والسلام "تركتكم على الـمحجة البيضاء إلخ".

(26) الخُطَا بضم الخاء جمع خطوة، وهي مسافة ما بين القدمين عند الـمشي.

(27) أُصْلَى الجحيم: أدخل وأثوَى فيها.

(28) النفائس: الأموال الكثيرة والأشياء المرغوب فيها التي يتنافس فيها النّاس.

(29) اتذوّق: اتطعّم شيئا بعد شيء.

(30) السّفْر: الكتاب الكبير.

(31) أعمقُ: أبعد في باطنِهِ اتّساعا.

(32) أزوال: أُعالج وأحاول.

(33) الخندق: حفير يحفر بجنب أسوار البلد ليقيه مهاجمة العدو، وقد عمله الرسول عليه الصلاة والسلام شمالي المدينة المنورة في السنة الخامسة من الهجرة لحماية الـمدينة من قريش وأتباعها ومحالفيها الذين زحفوا لاحتلالها واستئصال شافة المسلمين، ولكن الله سبحانه أرسل عليهم ريحا وجنودا خفية من لدنه فتمزقوا شرّ ممزّق وانقلبوا خزايا مهزومين.

(34) الصّحب: أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام.

(35) الأحزاب: جنود قريش وأحلافهم.

(36) تُرفَد: تُعان.

(37) الـمدود: الإعانات والتأييدات والمراد بها الريح والجنود الخفية التي أرسلها الله على المشركين.

(38) تُرفَق: تُنفع وتُعان.

(39) يهزَم: يُكسَر ويُدحَر.

(40) انداء: أمطار.

(41) ربوعك: ديارك.

(42) تهرَق: تُصَبُ.

(43) السوسن: نبات من الرياحين.

(44) أكنافها: جوانبها.

(45) الزنبق: نبات له زهر جميل الرائحة.

(46) تنمّق: تزيّن.

(47) النبعة: القوس وهي آلة على شكل نصف دائرة ترمَى بها السهام.

(48) صارم: سيف قاطع.

(49) يمشق: يسل.

(50) الشارات: الألبسة والزينات.

(51) مطوق: محلّى ومحاط بها كالطوق وهو كل ما يُزّين به العنق.

(52) إيباقاً: إهلاكًا.

(53) الدَّرج بفتح الدال والراء جمع درجة، وهي ما يتخطى عليه من الأدنى إلى الأعلى في الصعود.

(54) تتسلق: تصعد.

(55) الحنيف: الـموحِّد في دينه والمتمسك بالإسلام.

(56) موفّق: مسدّد ملهم للخير.

آخر التغريدات: