الأستاذ عبد الكريم بوصفصاف يقول: جمعية العلماء المسلمين جاهدت من أجل تحرير الفكر والوطن

حوار: د. حسان الجيلاني-

أجريت هذا الحوار مع الدكتور عبد الكريم بوصفصاف قبل خمس وثلاثين سنة، ونشر بجريدة النصر المؤرخة يوم 14 أبريل 1982، وإثر وفاة المغفور له الأستاذ عبد الكريم فإن أحسن ذكرى وأكبر تكريم نقدمه له هو إعادة نشر هذا الحوار:

قبل البدء

جامعة قسنطينة في عقد الثمانينات كانت خلية حيّة، بدأت تشهد تطورا على مستوى البحث العلمي، وتأخذ مكانتها ضمن الجامعات الكبرى، وكان معهد العلوم الاجتماعية بدأ يتأسس، ويشهد هو أيضا حركية نشطة، خاصة أقسام علم الاجتماع، والتاريخ، والفلسفة.

وإذا خصصنا الحديث عن قسم التاريخ، فإنه القسم الوحيد الذي يتميز بالتنوع والثراء، وعلى الرغم من أن أغلب أساتذته من المعيدين الذين لم يناقشوا الماجستير في ذلك الوقت، فإن به عناصر تتمتع بقدر كبير من الاحترام، على رأسهم المرحوم “الدكتور العيد مسعود”، الذي أصبح مديرا لمعهد العلوم الاجتماعية فيما بعد، والشيخ “مرمول محمد الصالح”، و”سلطاني”، و”عبد العزيز فيلالي”، و”بلحرش”، و”قشي فاطمة الزهراء”، وغيرهم الكثير.

ولعل الأستاذ “بوصفصاف عبد الكريم” يعتبر من أبرز أساتذة التاريخ في تلك الفترة، خاصة وأنه كفيف البصر، ولم تعقه عاهته عن مسيرة التقدم، كما أنه اهتم بموضوع حيوي ألا وهو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي أشبعه بحثا، ودراسة، ووثائق. وظل يبحث ويحاضر فيه لمدة تزيد عن الأربعين سنة، وهكذا أصبح مرجعية وفارسا لا يشق له غبار.

وإن لم أركز في ذلك الحوار على إعاقة الأستاذ “عبد الكريم” (فقدانه البصر)، إلا أني اليوم أقول بمنتهى الصراحة أنها معجزة كمعجزة “طه حسين” أن يتمكن أعمى من البحث، والسفر، والعمل، والتنقل، فهذا لا يستطيع الإنسان العادي كمثل حالنا القيام به، أما الدكتور “عبد الكريم بوصفصاف” فقد استطاع أن يوفق في كل أعماله، بل حتى في تربية أبنائه، والإشراف عليهم، وأن يتفوق على إعاقته، وينتصر عليها.

من هذه الزاوية وجدتني أتجه لحوار الأستاذ “عبد الكريم بوصفصاف”، وأحاول أن أعصره إن صح التعبير لكي أستخرج منه زبدة أفكاره وخلاصة قناعاته، فكان هذا الحوار الذي نشرته بجريدة النصر في حينه، والذي ترك انطباعا جيدا لدى القرّاء الذين لا يعرف أغلبهم إلى حد الساعة أن الأستاذ “عبد الكريم بوصفصاف” هو كفيف البصر، ومستطيع بغيره كما كان يقول “طه حسين” لمرافقيه، إليكم الحوار:

لقد أتت الأبحاث والدراسات العلمية بجامعة قسنطينة ثمارها بعد مجهودات كبيرة، سواء  من طلاّب الدراسات العليا، أو من طرف الإدارة التي عملت ما في وسعها على تذليل صعاب البحث والدراسة أمام الطلاّب، وكان من بين هذه الأبحاث تلك الأطروحة التي تقدّم به الأستاذ “بوصفصاف عبد الكريم”، المعيد بمعهد العلوم الاجتماعية – دائرة التاريخ – للحصول على ديبلوم الدراسات المعمّقة، تحت عنوان – جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية – وقد تمت مناقشة هذه الرسالة في سنة 1978م، وتحصّل بها الأستاذ “بوصفصاف” على الديبلوم المذكور بدرجة جيّد جدّا، ونظرا لأهمية هذه الأطروحة، فقد طبعها الأستاذ “بوصفصاف” بمطبعة البعث، وهي الآن تباع بالأسواق وفي متناول القرّاء والباحثين المختصّين.

يرى الدكتور “عبد الباقي علي محمد” الذي كتب المقدّمة أن هذه الأطروحة تعتبر من أهم ما قدّم من رسائل جامعية، وذلك لعدّة أسباب منها:

1 – أنها تناولت حقبة من أهم الحقب التاريخية في حياة الجزائر في العصر الحديث.

2 – أن الجهد المبذول في هذا البحث كان فائقا، فقد استطاع الأستاذ الزميل أن يشق به طريق البحث العلمي في مهارة، وقدرة على البحث في الوثائق والمراجع رغم الظروف الصعبة التي تتمثل في قهر حجب الظلام، والحق أن الأستاذ الزميل قد فتح لإخوانه المكفوفين في الجزائر مجال البحث العلمي الرصين.

وبالإضافة إلى هذه العوامل التي ذكرها الدكتور “عبد الباقي”، فإن أهمية هذه الدراسة ترتبط بالعامل التاريخي الذي قدّمت فيه، وحتى لقاءنا هذا مع الأستاذ “بوصفصاف” إنما هو في إطار الزمن والظروف التي نحياها، خاصة في الفترة الراهنة، وبعد مرور أكثر من خمسين عاما على تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأيضا استعدادنا لتحضير الاحتفال بيوم العلم وهو 16 أفريل من كل سنة، واستعداد مدينة قسنطينة لاحتضان مهرجانها الثقافي، والواقع أن كل هذه العوامل مجتمعة جعلتني أقدم على إجراء حديث مع الأستاذ “بوصفصاف”، وقد دار معظمه حول جمعية العلماء المسلمين، نظرا لأن الدراسة تركّزت حولها، وعلى الرغم من أن الأستاذ “بوصفصاف” كفيف البصر، فإن هذه العقبة لم تثنه عن القيام بدوره، فهو بالإضافة إلى عمله كأستاذ يعمل أيضا رئيسا لدائرة التاريخ بمعهد العلوم الاجتماعية، وفي هذا الحوار يحدّثنا الأستاذ عن أعماله وإنجازاته العلمية فيما يلي:

س: سؤال تقليدي لا مفرّ منه، من أنت…؟

ج: أعتقد أن وقت الإجابة عن هذا السؤال لم تحن بعد، لأن مراحل حياتي المختلفة تحتوي على كثير من الأمور التي أعتبرها خارقة للعادة، لا سيما في وقت كان فيه مجتمعنا الجزائري يرزح تحت ظلام الجهل، وعبودية المستعمر، والقارئ الكريم قد لا يهتم كثيرا بالمعلومات المتعلّقة بحياتي إذا سمعها أو قرأها الآن، ولهذا أفضل أن يبقى الجواب عن هذا السؤال للمستقبل القريب إن شاء الله، حين أجيب عنه في مؤلف يحتوي على عبر وتجارب مهمّة قد يستفيد منها القارئ الكريم.

أما الإفصاح عنها اليوم، فقد لا يكون مثيرا إلى الحد الذي يضارع حقيقتها، وستشكل ظروف فقدان البصر جزءا مثيرا من هذا المؤلف، لأنها أدخلت عناصر جديدة في حياتي العادية.

س: قدّمتم في 1978م رسالة لنيل ديبلوم الدراسات المعمّقة حول جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد أثارت هذه الرسالة نقاشا حادا في الأوساط الجامعية، فما هي النتائج التي توصلتم إليها من خلال بحثكم الطويل…؟ وما هي أهم القضايا التي تعرّضت لها الرسالة والتي أثارت ردود فعل في الأوساط الجامعية…؟

ج: بعد أربع سنوات من البحث والتنقيب في الوثائق المختلفة خرجت بهذا الجهد المتواضع، الذي هو الآن بين يدي القرّاء الكرام، وذلك بعد مناقشة ساخنة استمرّت سبع ساعات متتالية، حضرها جمع غفير من الأساتذة والطلاب، ولعل هذه المناقشة كانت ظاهرة فريدة لم تعهدها مدرّجات الجامعة من قبل، نظرا لطبيعة الموضوع وأهميته.

أما بخصوص النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث هي:

1 – عالجت موضوعا حضاريا، يتصل اتصالا وثيقا بشخصيتنا العربية الإسلامية، مازالت نتائجه تغذي حياتنا الثقافية، والروحية، والسياسية حتى يومنا هذا.

2 – إن هذا البحث قد مكّنني من الإطلاع على واقع الشعب الجزائري في عهد الاحتلال الفرنسي، ومعرفة جهاده الأصيل معرفة حقيقية.

3 – لقد توصلت إلى نتيجة هامة وهي الدور الحقيقي الذي لعبته جمعية العلماء في الدفاع عن الشخصية الوطنية بتطهير الإسلام من الشوائب التي علقت به من جرّاء الاستعمار وبعض الطرق الصوفية، وكذلك إحياء اللغة العربية بعد أن أوشكت على الزوال، وببعث التاريخ الوطني الذي حاول الاستعمار طمسه، وبإحباطها لحركة الإدماج الرامية إلى ربط المجتمع الجزائري بالكيان الفرنسي بواسطة جنسية الاستعمار ولغته، وبتوعية الجماهير الشعبية توعية ثقافية، ودينية، وسياسية، وتهيئتها للعمل الثوري.

4 – أما القضايا الجوهرية التي تضمنتها الرسالة فيكن إيجازها فيما يلي:

– موقف الجمعية من التيارات السياسية الأخرى، ولاسيما النخبة ذات الثقافة الغربية الليبرالية، والحزب الشيوعي الجزائري.

– الدور القيادي الذي لعبته الجمعية في المؤتمر الإسلامي الجزائري العام 1936م.

– محاربتها للطريقة الموالية للاستعمار والإدارة الفرنسية بعزل الجماهير الشعبية عنها.

هذا بالإضافة إلى دورها الأخلاقي والتربوي للمجتمع الجزائري الذي أصبح مهدّدا بالمسخ والتشويه بسبب محاولات الاستعمار المكثّفة لعزله عن الأمة العربية.

س: ما هي في اعتقادكم الظروف السياسية والتاريخية التي أدّت إلى ظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين…؟ وهل كانت غايتها الحقيقية الثورة والتحرير من نير الاستعمار…؟ أم كانت الغاية هي إحياء الإسلام والعروبة في نفوس الشعب الجزائري الذي كادت فرنسا أن تقضي على كيانه…؟

ج: كان ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ناتجا بالفعل عن ظروف تاريخية، وسياسية قاسية، فمن الناحية التاريخية نلاحظ أن مرور مائة عام على الإحتلال الفرنسي للجزائر قد أدّى إلى عزلة الجزائريين ثقافيا وسياسيا، كما أدّى إلى انحطاط الأخلاق، وتشويه الدين، ومحاربة القيم الوطنية، واضطهاد العلماء، مما جعل الشباب الجزائري يهاجر إلى المشرق العربي، وإلى الجارتين تونس والمغرب طلبا للعلم والمعرفة، وبحثا عن الطرق الناجعة لإصلاح المجتمع، ومحاربة الاستعمار، وبعد الحرب العالمية الأولى عاد أولئك المهاجرون المخلصون من الحجاز منبع الإسلام، ومنبت الدعوة إلى الإصلاح الإنساني، بعد أن تشبّعوا بالأفكار الناضجة الحديثة هناك، واختمرت في أفكارهم وعقولهم، وتأثّروا بها تأثرا خاصا، وعادوا إلى أرض الوطن يحملون معهم هذه الأفكار الجديدة.

وفي الجزائر ظهر رجال بفكرة إصلاحية محدودة، ولكنها كانت على كل حال محمودة، فكان لذلك أثره الإيجابي في حياة الأمة، حيث ظهرت يقظة عامة مسّت كل جانب من جوانب الحياة الجزائرية تقريبا.

ففي الحقل الأدبي كان هناك تأسيس النوادي والجمعيات المختلفة.

وعلى المستوى العلمي كان هناك الإقبال على القراءة والتعليم باللغتين العربية، والفرنسية، والهجرة إلى خارج البلاد من أجل العلم والمعرفة.

أما الحياة الدينية فقد تجلّت في تشييد المساجد بأموال الشعب في مختلف القرى والمدن الجزائرية، وفي الميدان السياسي كان هناك تفكير جاد للاعتماد على النفس، والشعور بوجود الأمة الجزائرية التي تتميز عن أولئك الذين كانوا أسيادا في البلاد، وفي المجال الإقتصادي كان هناك تنافس مع المعمّرين، وشعور بأن ثروة البلاد الحقيقية ظلت حكرا على الفرنسيين، وهكذا عرفت الجزائر بعد الحرب العالمية الأولى تغيرات هامة في كل مجالات الحياة، وتميزت بظاهرتين أساسيتين:

الظاهرة الأولى وتتمثل في إيقاظ الجماهير المسلمة، وفي الاهتمام بالمسائل السياسية الجزائرية، أما الظاهرة الثانية فكانت تتلخص في ظهور ونمو الحركة الإصلاحية الإسلامية، أما من الناحية السياسية فإن الاستعمار الفرنسي قد عمد إلى اختبار قوته في الجزائر بعد مضي قرن من الزمن على احتلاله لهذه البلاد، متجاهلا بذلك الوطنية الجزائرية، وقدرة الجزائريين على رد الفعل ضد الظلم والطغيان، ذلك أنه قد سبق إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مباشرة بعد احتفال الفرنسيين بمرور مائة عام على احتلالهم للجزائر، وكانت هذه الاحتفالات الفرنسية سنة 1930م، قد تركت نتائج ملحوظة على اتجاه الحركة الوطنية الجزائرية، كما كانت عملية استفزازية أثارت شعور الوطنيين بالإهانة، ويتضح ذلك من ردود الفعل المختلفة التي أعقبت الاحتفالات سنة 1930م، ولعل هذه الاحتفالات كانت من أهم الأسباب المباشرة في توحيد علماء الجزائر أخيرا، وإخراج فكرة جمعيتهم إلى الوجود لتصبح حقيقة واقعة، وهكذا كان الجو مهيئا تاريخيا وسياسيا لتأسيس جمعية العلماء، بعد أن ظلت زمنا طويلا فكرة في الأذهان، وهي الفكرة التي كانت قد طرحت بين العلماء عشية الحرب العالمية الأولى، هذا بالإضافة إلى مؤثرات خارجية مثل اهتمام الصحافة العالمية بإنشاء جمعية للأمم الإسلامية.

أما بخصوص الهدف الحقيقي لجمعية العلماء، فقد كان منذ البداية يتمثل في تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي، ولكنهم أدركوا أنه لا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بتكوين الإنسان الجزائري العربي المسلم، الذي يجب أن يفهم معنى الاستقلال والحرية، لأن الجاهل لا يستطيع أن يدرك الأبعاد الحقيقية لهذا المفهوم، كما أنه لا يمكن قيام ثورة ناجحة بدون تهيئة الجماهير ثقافيا وسياسيا، ولكن مع الأسف فإن جمعية العلماء لم تسلم من الانتقادات العنيفة، وتجاهل مجهوداتها الأصيلة في التهيئة للعمل الثوري، ومحاولة إنكار البعض لهذا المجهود التاريخي الهام، لا يعني مطلقا خدمة لتاريخ الجزائر المجيد.

وفي هذا الصدد يمكننا أن نتساءل: من أعاد للجزائر وجهها العربي الاسلامي يا ترى في وقت بلغت فيه موجة الاستعمار الفرنسي ذروتها في البلاد…؟ من الذي غرس حب الوطن في نفوس الجيل الذي رفع راية الكفاح المسلّح بعد سنة 1954م…؟ من الذي كان أول من رفع شعار الحق فوق كل أحد…؟ والوطن قبل كل شيء…؟ يوم أن كانت كلمة الوطن والوطنية كلمة إجرامية…؟ من الذي رفع شعار الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا…؟ من الذي وقف أمام حركة الإدماجيين الرامية إلى دمج المجتمع الجزائري في الكيان الفرنسي…؟

إنها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي وقف قائدها “ابن باديس” سنة 1936م يرد على أحد دعاة الإدماج الذين تنكّروا لوجود الأمة الجزائرية قائلا:

(… لا يا سادتي، نحن فتشنا في صحف التاريخ، وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة وموجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، وهذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، ولا تريد أن تندمج بها).

وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، اجتمع به جماعة من أنصار حركته ومريديه قال لهم: (عاهدوني) فلما أعطي له العهد قال:

– إني سأعلن الثورة على فرنسا عندما تشهر عليها إيطاليا الحرب، وأكثر من ذلك فإنه أعلن رأيه في الاستقلال، وتنبّأ به في ردّه على أحد زعماء النخبة خلال الثلاثينات، “الذين تنكّروا لوجود الأمة الجزائرية، والوطن الجزائري وتاريخه”، واختاروا لأنفسهم الوطنية الفرنسية، واتخذوا مع الوجود الفرنسي، ولم يتحرج ولم يخش الحديث عن الاستقلال فقال:

– إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا، وقد استقلت أمم دوننا في القوة، والعلم، والمنفعة، والحضارة، ولسنا من الذين يدّعون علم الغيب مع الله، ويقولون أن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد، فكلما تقلّبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أنها تزداد تقلّبا مع التاريخ وليس من العسير، بل إنه من الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقي المادي والأدبي، وتتغير فيه السياسة الاستعمارية عامة والفرنسية خاصة، وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالا واسعا تعتمد عليه فرنسا اعتماد الحر على الحر.

وفي سنة 1937م بعد تأسيس حزب الشعب الجزائري، قال “ابن باديس” لزملائه العلماء في إحدى جلسات السمر، معقّبا على كلام أحد الحاضرين بخصوص أهداف حزب الشعب:

( لعنة الله على من يعمل للاستقلال، إننا نعمل للاستقلال بالطرق الناجعة، والمفيدة، أما الدعوة إليه مع الجهل فإنها تخيب ولا تنجح، لأن السلطة الفرنسية تجد مبتغاها مع الجاهلين، إذ يسهل عليها تفريقهم عن الداعي).

وعند منع الشيخ “العربي التبسي” الزواج بالأجنبيات، فلم يكن ذلك من الوجهة الدينية كما يرى البعض، لأن الإسلام لم يحرّم زواج المسلم بالكتابية، ولكن مفهوم الشيخ يتلخّص في قوله أن من يتزوج فرنسية يدخل الاستعمار إلى بيته، ولم يخف عن الشيخ “الإبراهيمي” رحمه الله أن يعلم مواطنيه الجديرين بالثقة، أن الهدف من مخطط العلماء كان تحرير الوطن تحريرا قوميا، غير أنه كان لابد لبلوغ ذلك بيقين النجاح الكامل من خلق المناخ الإيديولوجي وتهيئة العقول.

وجملة القول أن مثل هذه المواقف الشجاعة من العلماء في ذلك الظرف العصيب، الذي حاول فيه الإستعمار القضاء على مقومات الشخصية الوطنية للجزائر، لم تكن مواقف سهلة، وإنما كانت تدل على مدى إيمان أولئك العلماء بعدالة القضية الوطنية، كما أنها لم تكن مواقف عفوية، وإنما كانت ناتجة عن تخطيط محكم في برنامج العلماء الذي يستهدف استرجاع السيادة الوطنية للبلاد.

س: هل تأثرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بحركات التحرّر في العالم في ذلك الوقت…؟ وهل استفادت من تجارب حركة الإصلاح في المشرق العربي…؟

ج: بخصوص تأثّر جمعية العلماء بحركات التحرّر فبطبيعة الحال، فإن حركات التحرّر الوطني في العالم الثالث كانت تؤثر وتتأثّر ببعضها البعض، ولعل قول “ابن باديس” السالف الذكر يوضح تأثير العلماء بالحركات الاستقلالية في العالم.

أما فيما يتصل باستفادة جمعية العلماء من الحركة الإصلاحية في المشرق، فذلك أمر طبيعي، لأن أقطاب الجمعية المؤسّسين تلقوا دراساتهم في المشرق العربي على يد علماء الإصلاح الإسلامي هناك، وقد وضّحت هذا الأمر في الرسالة.

في آخر السنة الفارطة قرأت في مجلة كلّية العلوم الاجتماعية الصادرة بالرياض، مقالا للدكتور “عبد الحليم عويس” تحت عنوان (أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي الإصلاحي في الجزائر)، ذهب فيه الأستاذ إلى حد اعتبار جمعية العلماء نسخة طبق الأصل للحركة الوهّابية، في حين نجد أن “ابن باديس” مؤسس جمعية العلماء، وواضع دعوتها يقول في مجلة الشهاب خلال الثلاثينات: “اتهمونا بالوهّابية ولم نكن كذلك، فأنا لم أقرأ ولو كتابا واحدا للإمام “محمد بن عبد الوهاب”.

والواقع أن علماء الجزائر قد تأثروا حقا بالأفكار الإصلاحية الإسلامية في المشرق، ولكن ليس إلى الحد الذي ذهب إليه الدكتور “عويس”، لأن الظروف السياسية والاجتماعية تختلف في الحجاز عنها في الجزائر، فحركة الإصلاح الجزائرية حركة تتميز بالعمق والشمولية، لأنها لم تقف عند إصلاح المجتمع، وتطهير الدين الإسلامي من الشوائب التي علقت به في غضون القرون الأخيرة فحسب، بل أنها ذهبت إلى حد محاربة الاستعمار الاستيطاني في الجزائر، في حين أن الحركة الوهّابية في الحجاز كانت حركة إصلاحية، سلفية، عملت على العودة بالإسلام إلى صفائه الأول، كما كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده، كما أنها لم تكن تصارع الاستعمار الغربي كما هو الحال في الجزائر.

س: ورد في مقدمة دراستك أن النقطة الأساسية التي تركّز عليها البحث هي: كيف عملت جمعية العلماء من أجل المحافظة على مقومات الشخصية الوطنية للجزائر في إطارها العربي الإسلامي…؟ وإلى أي مدى نجحت في تحقيق هذا الهدف…؟ فهل يمكن توضيح هذه النقطة وتحليلها أكثر…؟

ج: أعتقد أن هذه المسألة واضحة في الكتاب، حيث أن أعمال الجمعية المتمثلة في إحياء اللغة العربية، وتطهير الإسلام من الخرافات التي علقت به في الجزائر، وإحباط سياسة الإدماج، وبعث التاريخ الوطني وتراثه، ورفع الشعار الثلاثي السالف الذكر، الذي قامت عليه حركة العلماء دليل قاطع على مدى حفاظ العلماء على الشخصية العربية الإسلامية للجزائر والدفاع عنها.

س: أستاذ بوصفصاف، لنعبر جسر جمعية العلماء المسلمين، فهل يمكن أن تحدثنا عن أهم أعمالك العلمية التي قمت بها إلى حد الآن…؟ والتي ستقوم بها في المستقبل القريب…؟

ج: في هذا المجال يمكنني أن أذكر أن أول مقال نشر لي كان في جريدة النصر سنة 1973م، تحت عنوان هل التاريخ علم…؟ وما هي فائدته…؟

ثم نشرت مقالات أخرى في مجلة الأصالة، وفي محطة سيرتا، ومجلة – البانوراما – ومقالات عديدة في جريدتي النصر والشعب، بلغت حتى الآن أحد عشر مقالا.

وأخيرا هذا الكتاب الذي بين يدي القرّاء اليوم، بالإضافة إلى حلقات إذاعية أخرى حول ظهور المؤسسات الحديثة في الجزائر، والثقافة والمجتمع في المغرب العربي الإسلامي إبّان العصور الوسطى.

س: بعد انتخابك في السنة الماضية رئيسا لدائرة التاريخ بمعهد العلوم الاجتماعية، هل استطعت التوفيق بين الإدارة والتدريس…؟

ج: أعتقد أن مهمتي كرئيس لدائرة التاريخ لا تتعارض مع وظيفتي الأساسية كأستاذ، لأن مهمة الدائرة مهمة تربوية بالدرجة الأولى، ولا سيما إذا توفرت الإمكانيات المادية، والمعنوية، والمناخ الملائم للعمل، خصوصا إذا كانت الإطارات المسيّرة تعمل لهدف واحد وهو خدمة الصالح العام، لكن الصعوبة تكمن في التوفيق بين هذه المسؤولية ومهمة البحث العلمي، لأن هذا الأخير يتطلّب التنقيب المستمر عن المصادر والمراجع بجميع أنواعها، في المكتبات، ودور الأرشيف داخل الوطن وخارجه، كما يحتاج إلى الوقت الكافي، والاستقرار النفسي، والتشجيعات المادية والمعنوية.

انتهى.

آخر التغريدات: