الشاعر الشهيد الربيع بوشامة 2 (نهوضه بالرسالة الشعرية النضالية)

بقلم: أ.د. محمد بن سمينة-

لقد كان الشهيد الربيع بوشامة- إلى جانب كونه مصلحا ومربيا – شاعرا وطنيا ، وقد تضافرت عدّة عوامل: الموهبة، والثقافة ،ومؤثرات البيئة، وملابسات الواقع، وغيرها، على طبع الشخصية الأدبية للشهيد الشاعر بطوابع الأصالة والصّدق والإخلاص والوطنية، مما ساعده على الاندماج في واقع أمته، والالتزام بالذّود عن قيمها ومقوّماتها، والدّفاع عن قضاياها وتطلعاتها، فجمع لذلك في اهتماماته الشعرية ما بين التمكين للفكرة الإصلاحية وتصوير مشكلات المجتمع، وبين الدعوة إلى التحرر الوطني، ومواكبة  مسيرة الثورة وتخليد مآثرها، والحض على الالتفاف حولها. والتعاطف مع قضايا وطنه الكبير ( الأمة العربة الإسلامية ).

1 -التزامه بالرسالة الشعرية الواقعية  النضالية:

كان التزام الشاعر عميقًا بهذه الرّسالة الأدبية الواقعية النِّضالية، فكان لذلك متعدّد الإسهامات بالكلمة المناضلة في كل هذه الميادين: مصلحا ومربيا وكاتبا وخطيبًا وشاعرًا.

إلاّ أنّ موهبته الشعرية كانت عنده أوضح من غيرها من الميول الأدبية الأخرى.

ونحسب أن ليس من اليسير تحديد الفترة الزمنية التي يكون الشاعر قد بدأ فيها تعاطيه قرض الشعر، وذلك للظروف التاريخية التي مرت بها بلاده تحت حكم الاحتلال الاستيطاني الفرنسي، بيد أنّ ما يمكن تقريره في هذا  الصدد أنّ أقدم ما وصلنا من شعره: قصيدته (يا شهابًا قد تجلى) التي يؤرخ لها مقدم الديوان بشهر جانفي 1947. (ديوانه ص:249). وأن آخر ما وصلنا من شعره : قصيدته (شجون ) المؤرخة في الديوان بشهر جانفي 1958، وإذن فإن ما وصلنا من شعره يغطي المساحة الزمانية (1947- 1958) .   ويمكن أن تعود البداية الحقيقية لهذا النتاج إلى وقت متقدم عن هذا التاريخ، أي إلى أوائل الأربعينات ، ولكن هذه الفترة الممتدة ما بين (1939- 1947)  من تاريخ الجزائر قد عرفت الحركة الأدبية والثقافية عموما فيها شيئا من الركود والخمود لعوامل موضوعية، مثل انعدام وسائل النشر، وتوقف الصحف الوطنية عن الصدور بسبب الظروف الاستثنائية والإجراءات التعسفية التي عرفتها الجزائر وغيرها من  الشعوب المضطهدة أثناء فترة هذه الحرب، ولم تعد هذه الصحف إلى الصدور إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فعادت صحيفة  ( البصائر) حينئذ من جديد إلى الظهور (جولييت 1947). واستأنفت على إثر ذلك الحركة الأدبية نشاطها.

ونستخلص مما تقدم أن يكون الشاعر قد نظم شعرا في فترة هذه الحرب ولكنه لم ينشره كمعظم الأدباء الجزائريين للأسباب الآنفة الذكر ، فضاع ذلك النتاج ، ومما يؤكد هذا الاستنتاج أن معظم دواوين الجزائريين ومؤلفاتهم الأخرى لا يكاد يعثر فيها الباحث على نتاج يعود إلى هذه الفترة .

ومهما يكن من أمر ذلك ، فإن نتاج الشاعر يمكن أن يتوزع على مرحلتين اثنتين من مراحل الشعر الجزائري الحديث :

أولاهما - (مرحلة الإعداد للثورة )  (ما بين 1939- 1954).

وثانيتهما – ( مرحلة مـواكبة الـثورة) (1954- 1962 ) .

ويمكن أن يكون الشاعر بالنظر إلى ما يميز شعره من الخصائص الموضوعية والفنية واحدا من شعراء الرّعيل الثاني من جيل النهضة في الجزائر.

وتحسن الإشارة إلى أن شعرا ء النهضة في الجزائر  يتوزعون  إلى رعيلين :

الرعيل الأول: ويمثله الشعراء الرواد من أمثال: محمد الهادي السنوسي، محمد السعيد الزاهري، محمد العيد آل خليفة، مفدي زكرياء، (ابتداء من العشرينات من القرن العشرين )

الرعيل الثاني: ويمثله جيل منتصف الثلاثينات، من أمثال: محمد الصالح رمضان، محمد الشبوكي، أحمد بن ذياب، محمد الأخضر السائحي، أبو بكر بن رحمون، الربيع بوشامة وغيرهم.

ويأتي من بعد هؤلاء شعراء جيل الخمسينات ، من أمثال : أبو القاسم سعد الله ، عبد الله شريط ، صالح الخرفي ، أحمد شقار ، وغيرهم .

2 -ديوان الشاعر:

جمع نتاج الشاعر وقدم له : الدكتور جمال قنان ، وهو أستاذ التاريخ بجامعة بن يوسف بن خدة- الجزائر –
يتكون محتوى هذا الديوان من قسمين :

1-تقديم بقلم جامعه

2-  النصوص الشعرية من نتاج صاحبه، ويخلو هذان القسمان من (البسملة) (منشورات المتحف الوطني للمجاهد) الجزائر 1994 .

أولا – التقديم:

عني جامع الديون في هذا التقديم بتفصيل القول في حياة الشاعر من الولادة إلى الشهادة: زمانا ومكانا ، تعلمه ، دخوله معترك الحياة العملية، جهوده وجهاده في مختلف وجوه الحياة الوطنية : مصلحا ومربيا ،خطيبا وشاعرا ،مجاهدا وشهيدا.    

وقد استطاع الشاعر المناضل من خلال اضطلاعه بهذه المهام المتعددة أن يكون عنصرا فاعلا في حركة الكفاح الوطني منذ منتصف الثلاثينات ، وعلى أكثر من صعيد ، وإلى أن فجر الشعب الجزائري ثورته الكبرى في الفاتح من نوفمبر 1954 . فكان الشاعر حينئذ من أول المستجيبين لندائها ، المنضوين تحت لوائها ، وظل في صفوفها مجاهدا يرفدها بالمدد المعنوي من خلال توعية أفراد الشعب بضرورة مساندتها والوقوف إلى جانبها ، وعن طريق التصدي إلى مصالح دعاية العدو ضدها، والقيام بتفنيد أباطيلها ، ويمدها بالعون المادي بقيامه بتشجيع الشباب على التجنيد في صفوفها ، وبواسطة ما يجمع من أموال لصالحها ، وظل الشاعر المجاهد في هذه الجبهات ينهض بهذا الواجب الوطني ،لم يثنه عن القيام به ما يتفنن فيه عساكر جيش فرنسا من أساليب القمع والإرهاب ضد الأبرياء العزل من الأهالي، وما يتنافسون في القيام به من عمليات  التشريد والتقتيل والإبادة ضد عموم  الشعب الجزائري، وظل الشاعر على هذا  الطريق إلى أن سقط -رحمه الله- شهيدا على ثرى وطنه الذي أحبه وضحى بروحه فداء لحريته، راضيا مرضيا فرحا مستبشرا:

آه ما أحلى الشهادات لدى  *   مؤمن بالله ميمون الحـرك (ديوانه ص215)

ثانيا: الخطة والمحتوى

تقوم خطة هذا الديوان بتوزيع نتاج الشاعر على جملة من المحاور مرتبة على النحو التالي :
1 –مختارات الشاعر

2 – الشعر الوطني والقومي

3 – الإصلاح والتربية والتعليم.

4 –اعتراف وتقدير

5 –  من وحي العاطفة

6 – الطبيعة بين الجمال والقسوة.

7–معاناة ذاتية

8- اجتماعيات

9 – الأناشيد

10– شعر الثورة

11– متفرقات

إن المتأمل في هيكل هذه الخطة وفي محتواها تصادفه هذه الأسئلة التالية:

ما هو المنهج الذي اعتمده جامع الديوان في توزيع أعمال الشاعر وتبويبها ؟ فهل اعتمد في ذلك : المنهج الموضوعي ؟ أو الفني ؟ أو التاريخي ؟ أو جميعها كلها في وقت واحد ؟

إن جامع الديوان قام بتصدير هذه الخطة بمجموعة من مختارات الشاعر ، وهي القصائد الأربع التالية : (وحي الذكرى، خواطر وأنات،  عرضت لي، حياة راع مغمور)

وكان الشاعر قد بيضها في كراسة، وقدم لها بهذه الكلمات : ‍ ‍ّ هذه مجموعة شعرية من نظم الربيع بن الصديق بوشامة، أتقدم بها كأعز أثر وألطف تحفة إلى أبناء العروبة والإسلام عامة، وحماة الجزائر خاصة ّ.( الديوان ص 34 ).

ويكون الدكتور قنان جامع الديوان، بقيامه بهذه المبادرة قد احترم إرادة الشاعر فيما جمعه ورتبه من شعره، ثم اجتهد بعد ذلك في توزيع بقية قصائده على النحو المتقدم في الخطة الآنفة الذكر، وقد بناها على المزاوجة بين المنهجين : الموضوعي والتاريخي .

فجعل في ضوء المنهج الموضوعي القصائد ذات الموضوعات الواحدة أو المتقاربة التي تعود إلى مرحلة ما قبل الثورة في محور واحد . وحرص من جانب منظور المنهج التاريخي أن تكون قصائد كل محور من هذه المحاور  مرتبة حسب التسلسل الزمني ، ويقول الدكتور قنان في هذا المضمار ولقد حاولنا في داخل هذه العناوين العامة ترتيب القصائد حسب تسلسل زمني بدء بقديمها إلى آخرها ّ. (الديوان ص35)

ولكنه لم يستطع أن يلتزم بالمنهج التاريخي في قصائد الشاعر التي ترجع إلى مرحلة الثورة  لأن معظم تلك الأعمال تعالج موضوعات متقاربة من نحو، وهي من نحو ثان غير منشورة.  ومن ثم كان من الصعب تحديد تاريخها ، مما جعل جامع الديوان يعرض هذه القصائد تباعا من دون تسلسل زمني .

ومهما يكن من ذلك فإن الدكتور قنان قد بذل ما أمكنه من الجهد في عملية إخراج هذا الديوان بجمعه نتاج الشاعر في مرحلة أولى، ثم قيامه في مرحلة ثانية بتحقيق هذا النتاج وتنظيمه وتبويبه ونشره .

وقد تكون هذه الصورة التي ظهر عليها هذا العمل قد لحقها - خطة ومنهجا وأسلوبا  – شيء  من الاختلال وشيء من التفكك في هيكلها العام وفي صورتها التعبيرية ، بيد أن ذلك لا يمكن أن يسلم منه عمل من قبيله للملابسات التاريخية والظروف الموضوعية التي اكتنفت حياة الشاعر وحياة شعره وحياة شعبه. ويمكن أن لا يقدر صعوبة هذه العملية التي قام بها جامع الديوان حق قدرها إلا من يكون قد كابد ما كابده صاحبها من أعباء وما اعترض طريقه- وهو ينهض بها- من عراقيل ، ويعود ذلك أو بعضه إلى أن نتاج الشاعر كان منشورا في بعض  الصحف الوطنية تأتي على رأسها جريدة (البصائر) ، وقد عرفت هذه الصحف وعرف أصحابها أيام صدورها ما عرفوا من عمليات المتابعة والتغريم والمصادرة ، ثم أصابها ما أصابها أثناء الثورة من حرق وإتلاف وغربة وضياع على أيدي سلطات (دعاة حرية الرأي والتعبير وحماة الحقوق الإنسانية.. !) وهاهي ذي هذه الدوريات تعيش اليوم ما تعيش من غياب واغتراب في بعض مكتباتنا حيث يجثم على صدرها ويقيد حركتها غير قليل من بخل بعضنا بها على الباحثين، وغير قليل من حرمان هؤلاء من الإطلاع عليها والإفادة من كنوزها .

وقد تضافرت هذه العوامل مجتمعة لتنال ليس فحسب من صورة ديوان الشاعر الذي بين أيدينا، وإنما لتشمل هذه الظاهرة غيره مما جمع من تراث أعلام أمتنا، ومما زاد في ضبابية صورة هذا الديوان ما تخللها من أخطاء لغوية وعروضية وتصحيف مطبعي ، مما ساعد  على تفويت الفرصة على المتلقي للوصول إلى التصور الصحيح والفهم السليم لبعض معاني الشاعر، وبعض ما يرمي إليه من خلالها من مقاصد . وإذا ما رام المرء تعليلا لذلك ، فإنه يمكنه أن يرجع بعضه – بالإضافة إلى ما سبق ذكره – إلينا نحن، إلى قلة عنايتنا- أفرادا ومجتمعا – بتراث أمتنا وزهدنا فيه، وانبهارنا في الوقت ذاته بثقافة غيرنا وتهافتنا عليها وارتمائنا في أحضانها .

وكان الواجب الوطني يقتضي أن تكون عناية جميعنا- أفرادا باحثين، وجهات وصية وهيئات إدارية، ومؤسسات ثقافية وإعلامية- بتراث أمتنا أولى، واهتمامنا به أعظم ، وحرصنا عليه أشد ، لإخراجه في حلة أبهى، وصورة أجمل، وأدق وأكمل.

ومهما يكن من أمر ذلك، فحسب الدكتور قنان جامع هذا الديوان أولا : وفاؤه لصاحبه بتنفيذه وصيته له بجمع نتاجه ونشره ، وحسبه ثانيا : اجتهاده فيما اجتهد فيه بتحقيقه وإخراجه ّ ولقد أوصاني وأنا لازلت طفلا على نشر ديوانه ، إن لم تسعفه هو الظروف القيام بذلك  (التقديم ص 34) .

وحسبه ثالثا: أن ما قام به بنشره هذا العمل، إنما يدخل فيما يفرضه عليه وعلى أمثاله واجب الحب والانتماء، والإخلاص والوفاء لأمته ، والنهوض بخدمة تراثها والاعتزاز به والمحافظة عليه .

ويلقانا بعد، هذا السؤال : ما هي المضامين الغالبة على اهتمام الشاعر في هذا الديوان ؟ 

يمكن القول أن أبرز ما يساعدنا في الإجابة على هذا السؤال أن نتذكر ما سبق الوقوف عنده في الحديث عن حياة الشاعر وجهاده ، من أنه كان واحدا من أعلام النهضة الوطنية التي مهدت للثورة وأعدت لها عدتها، ثم أصبح بعد اندلاع هذه الثورة واحدا من جنودها العاملين في صفوفها، وكان من جهاد الشاعر في هاتين المرحلتين أن كانت المضامين الغالبة على نتاجه هي: المضمون الإسلامي، الاتجاه الوطني (التحرري والثوري)، البعد الاجتماعي، الشعر الوجداني، وهذه هي أهم اتجاهات الشعر العربي الحديث .

وتحسن الإشارة إلى أن صدر المقام لا يتسع إلى تناول جميع هذه المضامين بالدراسة ، بيد أن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه، ومن هذا المنطلق تود هذه الكلمة أن تقترب من المضمون الثوري في شعر الشاعر فيما يأتي .

آخر التغريدات: