الشاعر الشهيد الربيع بوشامة 1

بقلم: أ.د. محمد بن سمينة-

لقد ظل الشعب الجزائري يواصل جهاده ضد الغزاة الفرنسيين طوال فترة الاحتلال، يفجر الثورة تلو الثورة، حتى كانت ثورته الكبرى ليلة الفاتح من نوفمبر 1954 التي سخا فيها بالأرواح الطاهرة والدماء الزكية ، فكانت التضحيات جسيمة ، وكانت قائمة الشهداء طويلة يفوق تعدادها المليون ونصف المليون من الشهداء الأبرار رجمهم الله. كان من بينهم كثيرون من شهداء الكلمة ، وكان من بين هؤلاء : الشاعر الشهيد الربيع بوشامة الذي كان أحد أبناء الجزائر الذين أخذوا مواقعهم في الطليعة من مسيرة أمتهم ، ومضوا يجودون بحياتهم : من أجل حياتها حتى سقط شهيدا على أرضها فداء لحريتها وعزتها وأصالتها وسيادتها، فمن هو هذا الابن البار ؟

وماذا عن جهاده وعطاءاته ؟

1 -النشأة والتكوين :

ولد الربيع بن الصديق بوشامة، بـبلدة (قنزات) بمنطقة (بني يعلى) ولاية (سطيف) بالشرق الجزائري.
استهل تعلمه في (الكتاب) بحفظ القرآن الكريم فختمه حفظًا في الثانية عشرة من عُمره على يد شيخه الصديق بن عبد السلام، وكان في الوقت ذاته يتعلم في المدرسة الفرنسية، فأكمل بها تعلمه الابتدائي، ثم اختلف إلى مجالس علماء المنطقة فأخذ عنهم، وكان من بينهم: الشيخ السعيد صالحي، والشيخ العياشي مزغيش، والشيخ الهاشمي بالمولود وغيرهم، كما التحق من بعد، بدروس الإمام عبد الحميد بن باديس بالجامع الأخضر بمدينة قسنطينة ، إلا أن الوقت لم يطل به في هذه المجالس لوفاة الإمام -رحمه الله- سنة 1940، فرجع حينئذ إلى بلدته. وكانت منـطقة (بني يعلى) في هذه الفترة من بين أهم المناطق في الجزائر التي أصبحت تتوفر على بيئة صالحة ومناخ مُلائم لانتشار الفكرة الإصلاحية، وكانت بذور هذه الفكرة قد بدأت تأخذ طريقها إلى صدر الشاب الربيع منذ أيام طلبه العلم في مجالس شيوخه الأوائل، وقد ازدادت هذه الفكرة في قلبه وفي عقله تمكنا بعد التحاقه بدروس الإمام ابن باديس وتوطيد صلته المباشرة به وبأفكاره.

2 -دخوله معترك الحياة الوطنية:

دخل الشاب الربيع وهو في ربيع عُمره مُعترك الحياة الوطنية من بوابة الحركة الإصلاحية، مُنطلقًا مما انطلقت منه هذه الحركة في  مشروعها  الوطني الحضاري  عن طريق الإرشاد والتوجيه، والتربية والتعليم، والتثقيف والتكوين، فعكف على إلقاء الدروس بمسجد القرية، وأسس ناديًا ثقافيًا فتح أبوابه للشباب، وكان يلتقي فيه بهم في جلسات توعية وتكوين.

وفى سنة 1937أصبح عُضوًا عاملاً في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، رائدة النهضة وقائدة الحركة الوطنية الحضارية .

وفي سنة 1938 أوفدته هذه الجمعية رفقة شيخه السعيد صالحي إلى فرنسا للمشاركة فيما تقوم به بعثة هذه الجمعية هنالك من نشاط وطني: تربوي وتوجيهي في أوساط المغتربين، ولكنه لم يمكث في هذه المهمة إلا حوالي سنة واحدة رجع بعدها إلى بلدته  (قنزات) ليُواصل نشاطه الإصلاحي التربوي بها. بيد أن سُلطات الاحتلال لم تُمهله ليصل إلى أهدافه في هذه المهمة، فمضت ترصد حركاته وتتبع خُطواته، مما اضطره إلى تغيير مواقع جهاده، فانتقل إلى مدينة (خراطة) إحدى مدن المنطقة، وأصبح مُعَلمًا بمدرستها، إلا أنه وجد بها العدو الذي كان يُلاحقه في قريته بالأمس ينتظره هناك في موقعه الجديد بأقسى وأشد مما كانت عليه مُضايقته له من قبل.

3 -مشاركته في حوادث (الثامن ماي 1945) :

كانت الجزائر فد شهدت في هذه الآونة ما يُعرف في تاريخ نضالها في العصر الحديث بحوادث الثامن ماي التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، وتمثلت تلك الحوادث في خروج الجزائريين في مظاهرات سلمية، مُطالبين باسترجاع حُقوقهم المغتصبة، وكان الحلفاء قد وعدوا قبل هذه الحرب وأثناءها الشعوب المضطهدة بذلك، إلا أن المُعتدين لا يعرفون للوفاء عهدًا، فتنكروا لوُعودهم وقاموا بإخماد تلك الانتفاضة الشعبية بالحديد والنار، أحرقوا القُرى، ودمّروا الديار، وأزهقوا الأرواح، وبلغ عدد الشهداء من الجزائريين يومئذ حوالي خمس وأربعين ألف شهيد رحمهم الله .

وكانت أحداث هذه الواقعة قد تركزت بخاصة في ثلاث مُدن هي: (قالمة) و(سطيف) و (خراطة).  وفي هذه المدينة الأخيرة كان يقيم الشاعر، فأصابه من ذلك بلاء عظيم، فقد ألقت سلطات الاحتلال القبض عليه بتُهمة المشاركة في هذه الانتفاضة والتحريض على الثورة ضد المحتلين، فقُدِّم للمحاكمة، فحُكم عليه بالإعدام. ثم استأنفت المحكمة حكمها فبَرأت ذِمته فخرج من السجن سنة 1946. فتوجه إلى العاصمة وأصبح مُعلما بها في مدرسة (جمعية الهُدى) بحي  (العناصر). وفي سنة 1948  أسندت له جمعية العلماء الإشراف على مدرسة (الثبات) بحي (الحراش) بالعاصمة.

كان طوال نهوضه برسالته التربوية يجمع في ذلك بينها وبين إسهاماته الوطنية  فكان يقوم بإعطاء دروس نظامية للتلاميذ في المدارس، ويُواظب في الوقت ذاته على إلقاء دروس عامة في الوعظ والإرشاد في المساجد.

وفي سنة 1952 قامت جمعية العلماء بإيفاده ثانية إلى فرنسا ليُصبح رئيسًا مُعتمدًا لشعبتها المركزية بباريس، فنهض بهذه المهمة على أحسن وجه، بقيامه بتوسيع نشاط الجمعية بين المغتربين، ونشره بينهم دعوتها ومبادئها وتعريفهم بأهدافها، فعرف بذلك عدد المنخرطين في الجمعية، زيادة مُطردة، كما حرص  من نحو آخر على توطيد الصلة بين المنضوين تحت لواء الجمعية، وبين إخوانهم العرب والمسلمين المقيمين بفرنسا، فكان لهذه الجهود الأثر الطيّب في جمع الكلمة وتوحيد الصف والإسهام في إعطاء شيء من الفاعلية اللازمة للعمل الإسلامي في بلاد الغرب.

إلا أن الشاعر لم يلبث في هذه المهمة-لأسباب غير واضحة- لأكثر من سنة عاد بعدها إلى الجزائر، ليُواصل مرة أخرى رسالته التربوية والإصلاحية في أرض الوطن على رأس إدارة مدرسته السابقة (الثبات) بحي (الحراش) بالجزائر العاصمة.

4 –استجابته لنداء الثورة :

استمر  الشاعر ينهض بهذه الرسالة التربوية إلى أن اندلعت الثورة المباركة في الفاتح من نوفمبر 1954 ،فانضوى تحت لوائها ومضى يدعو الشعب إلى الالتفاف حولها، يُجنّدُ الشباب، يجمع الأموال، يُوَّثق صلاته بجيش التحرير الوطني، يُواكب بشعره مسيرة الثورة، تصويرًا لملاحمها، وتخليدًا لمآثرها إلى أن سقط شهيدًا- رحمه الله - في ميدانها (يوم 13 مايو 1959) .

ترجع صلة الشاعر بالثورة إلى أيَّامها الأولى، وذلك عن طريق صديقه القائد الشهيد (عميروش) –رحمه الله- الذي كانت تربطه به صلة النضال في صفوف جمعية العلماء أيّام كان الربيع في فرنسا في الخمسينات يرأس شعبتها المركزية، وكان عميروش يرأس شُعبتها بباريس (القسم 15)، ثم أصبح بعد اندلاع الثورة أحد قادتها البارزين في الميدان العسكري (قائد الولاية الثالثة ).

واستمر الشاعر في نضاله بصفوف الثورة متنقِلاً ما بين الجزائر العاصمة ومدينة (سطيف) وغيرها شرقًا، إلى أن ألقى المحتلون القبض عليه يوم  16 جانفي 1959، وهو في مكتبه بإدارة المدرسة واقتادوه إلى السجن، وظل به طوال خمسة شهور، يلقى من ألوان التعذيب وصُنوف الـتنكيل ما يلقى، حتى سـقط شهيدا – رحمه الله- تحت سياط التعذيب على أيدي الجلادين يوم (13 مايو 1959)، فكان الأديب الشهيد الربيع واحدًا من بين كثير من شهداء الكلمة في الجزائر .

آخر التغريدات: