مفهوم الهوية والاستقلال في فكر الشيخ:"الفضيل الورتيلاني"

مفهوم الهوية والاستقلال في فكر الشيخ:"الفضيل الورتيلاني"

بقلم: عثمان أمقران -

كان الشيخ الفضيل الورتيلاني –رحمه الله وأرضاه- يجاهد ويجالد من أجل حرية الجزائر واستقلالها عن فرنسا وفكرها وثقافتها وروحها الكولونيالي ومنزعها التمسيحي الصليبي، حاملا في فكره وقلبه استراتيجية محكمة التناسق في الأصول والقواعد والوسائل والغايات، ومزودا بثقافة متراحبة الآفاق ومتسعة المجالات تجمع إلى الأصالة العربية الإسلامية بكل روافدها العلمية والثقافية، انفتاحا رصينا وركينا على علوم العصر ولغاته وثقافاته، مكنته –في يسر وهوادة- من ملء ميادين النشاط الدعوي والتعليمي والتربوي في الجزائر وخارجها في حملة تعبوية مركزة تأخذ بشغاف القلوب وتأسر العقول بسحر البيان الهامي وقوة الإقناع، ويستعمل فيها -أحايين كثيرة- لغة أجداده الأولى للبلوغ إلى ألباب مخاطبيه ببلاغة الوطني البليغ ولغة "موليير moliére" أيضا عند الاقتضاء وكلما لاحظ في الحشد المحتشد حوله ضعفا في فهم لغة الضاد، ممتثلا قوله تعالى –دوما- }وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ{
بيد أن الغاية الثانية عنده والهدف الدائم اللازم إحرازه هو إبراز هوية الشعب الجزائري المتميزة عن فرنسا ناسجا في هذا على منوال شيوخه الأماجد في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وفي مقدمتهم الشيخ الرئيس عبد الحميد ابن باديس –رحمهم الله جميعا وأرضاهم-

1. فما هو مفهوم الهوية عند الشيخ الفضيل ؟:

اسمع إليه يقول: " إن الحق الذي يذيب الأباطيل كلها ويبقى هو شاهدا ودليلا على نفسه هو أن الجزائر ليست فرنسية وأن الأمة الجزائرية موجودة منذ آلاف السنين ومن قبل أن توجد فرنسا بوضعها الحالي وأن الجزائر تقع في قارة وفرنسا تقع في قارة أخرى يفصل بينهما بحر عظيم هو "البحر الأبيض المتوسط"، وأن الجزائر أمة عربية مسلمة من قبل ومن بعد تآخى فيها بنو مازيغ مع بني يعرب بفضل الإسلام، فهذا الدين أبوهم وهي أمهم جميعا..."
(هـ ص 56 من "الجزائر الثائرة")

ولهذا ظل –في غير ما وهن ولا هون- يندد بسياسة فرنسا القائمة على مبدئها الخبيث " فرق تسد"

ويقول في موضع آخر: " إن وحدة الدين قائمة لا غبش فيها وواضحة لا قلق فيها، والدين هو الذي حمل معه إلى الجزائر لغة القرآن فهي معه مقيمة لا تريم، باقية ما بقي الليل والنهار، وهي -مع الدين ومع تزاوج العنصرين الأمازيغي والعربي عبر القرون التالية للفتح الإسلامي- أساس هوية الشعب الجزائري"

وتحدث –رحمه الله- عن تمكن حب الدين والعربية من قلوب الجزائريين ومن قلوب سائر أبناء مغرب العروبة والإسلام حديثا مستفيضا لا يتسع الحيز هنا لبسط تفاصيله، مما يشي بوضوح فكرته وقوتها عن هوية الجزائر، التي لا تعني سوى كونها دائما وأبدا عربية مسلمة صاغها الإسلام ووحد(بتشديد الحاء وفتحها) لسانها وأحد (تشديد الدال وفتحها) فيها الشعور بالتميز التاريخي والحضاري والثقافي واللغوي.  

2. الإسلام و العربية و التاريخ: مكونات الهوية :

وإذا كان هذا هو مفهوم الهوية في فكر الشيخ الفضيل فقد تبين –فيما أحسب- ما تقوم عليه من عناصر تكوينية ومقومات أساسية وهي إذن الإسلام، العربية، التاريخ، والإسلام بلغته الخالدة هو الذي جعل سكان الجزائر يقومون (بتشديد الواو وكسرها) كل شؤونهم الحيوية وقضاياهم الفكرية والتاريخية والجغرافية بموازينه وقيمه ومبادئه وأحكامه.

وهو الذي دفع بهم إلى الشد على زناد اليقظة الروحية والفكرية كلما شعروا بالخطر الداهم يبتغي استئصال هذه الهوية حتى أنهم –كما يقول فضيلته- ظلوا يقاومون طيلة 500 سنة جحافل الغزاة الأوربيين غير هيابين ولا وجلين ولا مستكينين للضعة والضعف ...

اقرأ ما كتبه في صفحات 61، 62، 63 و 64 من كتاب   "الجزائر الثائرة".

3. مفهوم الاستقلال في فكر الشيخ:

... ونأتي إلى مفهوم الاستقلال في فكره –رحمه الله وأرضاه-، الاستقلال في حقيقته الجوهرية إنما هو انعتاق الشعب الجزائري وأمثاله من الشعوب المقهورة المستعبدة (بفتح الباء) في الأرض من ربقة الاحتلال بكل مظاهره العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية. إنه انعتاق -كما يقول في أكثر من مناسبة-، من هيمنة فرنسا وسيطرتها على مختلف ميادين الحياة الوطنية.

وبهذا المفهوم الواضح الجلي للاستقلال دعا جماهير الشعب في المجامع والجوامع والمجالس العامة والخاصة وأندية الفكر وصالونات السياسة في الوطن وخارجه، إلى الدخول في تيار المقاومة الشاملة التي تنبني أولا على التحرر من عقلية ونفسية العبودية لغير الله القوي العزيز وذلك بتحرير العقول من الخرافة والوهم والبدع والضلالات والركون إلى السلبية في التعامل مع جلبة (بفتح الجيم واللام)  الباطل وإجلابه بخيله ورجله.

ولما أعلنت طلائع ثورة التحرير الكبرى الانتقاض العام والانتفاض الطام (بتشديد الميم) على المحتل ومؤسساته الظالمة، سارع إلى دعوة الشعب برمته إلى شد أزرهم، وحرر مع شيخه العلامة "محمد البشير الإبراهيمي" بيانا ناريا يدعوان فيه الجزائريين كافة إلى الثورة على الغاصب للأرض والعرض والعادي على الدين واللغة والتاريخ والثقافة بكل معانيها الحضارية.
وأنت ترى كيف أنه ربط مفهوم الاستقلال بالهوية فهو لها تبع بل هو من مستلزماتها الضرورية.

فالدين واللغة والتاريخ قد تعرض جميعها لحربه "العوان" وحملات تشويهه الشعواء التي استخدم فيها كل أسلحته الخفية والجلية ليصل إلى مبتغاه الخبيث وهو اجتثاث هذه الأمة من أصولها ومحو مشخصاتها الحضارية ومقوماتها الذاتية الجوهرية .

وبهذا التصور السوي للهوية والاستقلال ظل –في غير وناة ولا استئناء- يجلجل (بضم الياء) بقدسية جهاد الجزائريين عبر القرون لاسترجاع دولتهم الوطنية التي أطاح بها الاستكبار الفرنسي بقوة الحديد والنار داعيا إياهم -بمناسبة وغير مناسبة- إلى بعثها من جديد في كنف وحدة الدين واللغة والجنس والوطن وهي –لعمري- عناصر الهوية الجزائرية كما قد سمعت (بفتح التاء) ورأيت -التي لا قيمومة لها إلا بتحقيق الاستقلال الكامل عن فرنسا، وهو الاستقلال الذي لا يأخذ أبعاده الكاملة إلا باستقلال أقطار ما كان يسميه بـ "الشمال الإفريقي" العربي المسلم، واستقلال كل بلاد الإسلام في المشارق والمغارب من كل مظاهر الهيمنة الغربية العسكرية والاقتصادية والثقافية.

فقد كانت نظرته –في هذا الخصوص- ثاقبة مبعثها فهمه العميق لحركة التاريخ بعامة ولدعوة الإسلام بخاصة الداقة كثيرا على ضرورة اعتصام أمته بحبل الله  في وحدة صماء يتحقق بها رقيها المادي والمعنوي وتنأى بها عن مكايد أعدائها الذين لا ينالون منها كل منال إلا حين تكون  أوزاعا  و أنكاثا.

ولطالما شد وكر على معامل زيغ العقيدة وحصون زيف الوطنية وبؤر عرابي (بتشديد الراء وفتحها) الانحلال الخلقي بمنزع خطابي فذ (بتشديد الذال وكسرها) وثر(بتشديد الراء وكسرها) وملكة بيانية هامية دفاقة بكل أفانين البديع والبلاغة وبصراحة لاذعة قل لها نظير وجلجل بها في معارك التحرير والتنوير في زمن كان الرجال فيه أعز من بيض الأنوق وأندر من الكبريت الأحمر، وهو في هذا –بالذات- يمتح من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي نشأ في أحضانها وأحرز في مضامير الذب عن نهجها الإصلاحي الفذ "قصب السبق".

ولهذا كان حربا شعواء على كل ما لا يزيد وحدة الدين والوطن إلا تململا. فلم يهادن بحال من الأحوال أولئك الذين باعوا أنفسهم وضمائرهم وألسنتهم لفرنسا ووقفوا أجسامهم وعقولهم على خدمتها فكانوا لها عيونا وأعوانا وجنودا وأركانا (وما أشبه الليلة بالبارحة فانظر إلى صنيع أولئك الذين مازال لهم اليوم اليد الطولى عندنا في التمكين للغة" فافا FAFA " وثقافة "العكرية" (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول).

ولشد (بتشديد الدال وفتحها)  ما كان يصرخ في كل ناد وباد أن من يتحدث بغير لغته لغير ضرورة شرعية ومصلحة واقعية متأكدة مستلذا بالرطانة بها ومحقرا(بتشديد القاف وكسرها) لغة القرآن لتخلفها -زعموا- لا يختلف عن أهل تلك اللغة، فهو مثلهم في خليقته وعقيدته ونمط تفكيره وتعبيره، محكوم عليه بالتبعية الفكرية والعبودية الأدبية والوجود الملفق، وهذا دونما غفلة عن تحريض "النخب الوطنية" على تعلم ما استطاعوا من اللغات الأجنبية، ذلك أنه:

بقدر لغات المرء يكثر نفعــــــــه .. فتلك له في الملمات أعوان

تهافت على حفظ اللغات مجاهدا .. فكل لسان في الحقيقة إنسان

وظل في هذا الاتجاه يؤكد أن المرء يتعدد بتعدد اللغات التي يجيدها شريطة أن تكون لغته الوطنية العلامة المتميزة والمميزة لوجوده والمظهر الصادق لاستقلاله ووطنيته.

4. وسائل حماية الهوية و الاستقلال:

وله –رحمه الله- نظرة ضافية إلى وسائل حماية الهوية والاستقلال من أن تطولهما عوامل التحتت والتفتت بفعل الغفلة عن مكر الأعادي والضعف البين في الإيمان بهذا الدين وفي الاستقامة على هداياته وتنظيماته.          

ويمكننا أن نوجزها في هذين الأمرين الجليلين وهما أبرزها على الإطلاق:

1) تمتين آصرة الأخوة الدينية والوطنية بين أبناء الشعب الجزائري، فهي منبع أخلاق الإيثار والتضحية والمحبة والإخلاص للدين والوطن وبها وحدها نحمي ذمار الهوية والاستقلال.

2) توحيد الصف والهدف، فالوطن بلا دين فوضى عارمة وساحة بكر للصراعات على المصالح وتنازع الأهواء وتدخل (بتشديد الخاء وضمها) قوى البغي والاستكبار..والدين بلا وطن ولا أرض يقيم عليها معالمه التوحيدية والحضارية نهب للمطامع الصليبية والمطامح الصهيونية التي تسعى -في تفان أسطوري لم يبله (بضم الياء) كر الجديدين- لاحتلال الأوطان الإسلامية بحدها وحديدها منعا لكل وحدة يبنيها الدين بين مختلف الأجناس العربية والأمازيغية والكردية والطورانية والفارسية والهندية والفرعونية والفينيقية.

وليس كالدين في فكر الشيخ الفضيل موحدا بينها ولن تحل محله –أبدا- العلمانية عاملا للتوحيد بين الأجناس والأديان بل أثبت التاريخ والتجارب أنها لم تزد على أن عمقت (بتشديد الميم وفتحها) الشرخ وأطلقت العقال للفتن الطائفية والدينية لتأتي على الأخضر واليابس. والواقع المعاصر يضج بهذه الحقائق الصارخة ضجا: فهل من مذكر (بضم الميم وتشديد الدال وفتحها)؟ !.

إن العلمانية وباء وبيل وقد كانت ولا تزال شجرة خبيثة نبتت في تربة خبيثة والإسلام منها براء براء براء.

اللهم هل بلغت فاشهد.

آخر التغريدات: