حول سلفية جمعية العلماء

بقلم: د. محمد الدراجي

تشكل السلفية بعداً من الأبعاد المهمّة في الفكر الإصلاحي الذي دعت إليه جمعية العلماء، وقاعدة من أهمّ قواعد المنهج الدعوي التغييري عندها، وهذا يدعونا إلى مطارحة فكرية جادّة للغوص في تراث الجمعية، وقراءة تحليلية عميقة لنصوص وكتابات أعلام الجمعية، خصوصا كتابات الشيخين الجليلين، الإمام الرئيس عبد الحميد بن باديس،  ورفيق دربه وخليفته من بعده الإمام الألمعي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لأنّها النصوص المؤسسة لفكر جمعية العلماء.

وقضية البعد السلفي في فكر جمعية العلماء الإصلاحي كانت وما زالت علامة فارقة، ونقطة فاصلة في فهم هذا الفكر، والحكم عليه، وكيفية التعامل معه، ففي الماضي القريب وجّه شيوخُ الطرقية وأئمة الزوايا انتقادا لاذعاً، لهذا الفكر الإصلاحي النيّر، واتهموه بأنّه وهابي المصدر، غريب عن المرجعية الدينية لهذا البلد الطيّب وشعبه الكريم، الذي ارتضى المالكية مذهباً في الفقه، والأشعرية مذهباً في العقيدة، والجنيدية طريقا في التصوّف والسير في منازل السائرين إلى معارج الكمال.

وفي السنوات الأخيرة، لما عرفت (الظاهرة السلفية) امتداداً لها في البلاد، ورواجاً كبيراً بين الشباب، وانقسم الناس إزاءها بين مندّد معارض، ومرحّب متبن، وكثرت التساؤلات حول الخلفية الفكرية لهذه الظاهرة، والمؤيدات الشرعية لكثير من آرائها ومواقفها، المخالفة للمرجعية الدينية المألوفة عند عموم الشعب، لم يجد شيوخ السلفية من مبرّر يدفعون به عن أنفسهم تُهمة استيراد مذهب فكري غريب، إلاّ الجهر بأنّنا امتداد لمنهج جمعية العلماء، نقول بما كانت تقول به، وندعو إلى ما كانت تدعو إليه، فأين الغرابة في موقفنا؟

فهل صلة النّسب هذه تتوفر على مجموعة من المؤيدات والشواهد، وقرائن الأحوال ما يجعلها نسلّم بصحة النّسب، أم هي مجرد دعوى تحتاج إلى أن يقيم عليها أصحابها البيّنة تلو البيّنة حتّى يسعنا التسليم بها، وصدق الشاعر القائل:

والدعاوى ما لم تقيموا عليها  *   بيّنات أصحابها أدعياء

وفي مقدمة ما يقدمه هؤلاء لإثبات صحة هذا النّسب، والتأكيد على أنهم امتداد لمشروع جمعية العلماء، هو أن شيوخ الجمعية –وعلى رأسهم ابن باديس- أنّهم يثنون على حركة محمد بن الوهّاب، وحركته في الجزيرة العربية، فها هو يقول: "قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية، فتبعه عليها قوم فلقّبوا ب"الوهابيين"، لم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه، فإنّ إتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين يدرسون الفقه في كتب الحنابلة، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد، فإن أتباعه كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين: أهل إثبات وتنزيه، يؤمنون بالقدر، ويثبتون الكسب والاختيار، ويصدقون بالرؤية، ويثبتون بالشفاعة، ويرضون عن جميع السلف، ولا يكفرون بالكبيرة، ويثبتون الكرامة...، وإنما  كانت غاية دعوة ابن عبد الوهاب تطهير الدّين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير، وزيغهم المُبين".

وفي الإطار نفسه يقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي: "... إن الوهابيين قوم مسلمون يشاركونكم في الانتساب إلى الإسلام ويفوقونكم في إقامة شعائره وحدوده، ويفوقون جميع المسلمين في هذا العصر بواحدة، هي أنهم لا يقرّون البدعة، وما نبذهم إذا أنكروا ما أنكره كتاب الله وسنّة رسوله، وتيسّر لهم من وسائل الاستطاعة ما قدروا به على تغيير المنكر. أإذا وافقنا طائفة من المسلمين في شيء معلوم من الدين بالضرورة، وفي تغيير المنكرات الفاشية عندنا وعندهم –والمفكر لا يختلف باختلاف الأوطان- تسبوننا إليهم تحقيرا لنا ولهم، وازدراء بنا وبهم، وإن فرّقت بيننا وبينهم الاعتبارات، فنحن مالكيون برغم أنوفكم وهم حنبليون برغم أنوفكم، ونحن في الجزائر وهم في  الجزيرة، ونحن نعمل في طريق لإصلاح الأقلام، وهم يعلمون فيها الأقدام، وهم يعملون في الأضرحة المعاول ونحن في بانيها المقاول".

فهذان النصّان المهمّان هما مما يتخذه "دعاة السلفية" تكأة يرتكزون عليها للتدليل على أنّ جمعية العلماء  كانت تدافع عن الوهابية، ولم تكن تنكر عليها شيئا في منهجها ولا في أفكارها، وعليه فدعاة السلفية لهم قدم راسخة في هذه الديار، ألا وهي جمعية العلماء، وأن دعاة السلفية اليوم ما هم إلا امتداد لجهود تلك الجمعية المباركة التي كانت حرباً على البدع والضلالات، فإلى أيّ مدى يعد هذا الكلام صحيحاً، وهذا الاستنتاج صحيحاً، إذا وضعناه في مشرحة البحث، وأخضعناه لموازين الدقّة العلمية، ومعايير المنهج السليم؟

إنّ دعاة السلفية اليوم، يجعلون من أهم مبرّرات مشروعية وجودهم ومسوّغات انتشارهم في هذه الدّيار المباركة، ثناء رجال الجمعية الكرام على الدعوة الوهابية ورجالها في الجزيرة العربية، وهذا الكلام يمثل بعض الحقيقة لا الحقيقة كلّها، فرجال الجمعية أثنوا فعلا على الدعوة الوهابية في بعض جوانبها، وهذا لا يعني أنّهم كانوا امتداداً لها كما يفعل سلفية اليوم، أو أنّهم قدّموا لهم صكاً على بياض يقرّون فيه الوهابية وفكرها، وتصرفاتها بقضّها وقضيضها، ما يُحمد منه وما يعاب، إنما غاية ما في الأمر أنّ خصوم الجمعية من الطرقيين الفاسدين خاصّة، لمّا أعلنوا  الحرب الشاملة على مشروع الجمعية الإصلاحي التجديدي، كان من جملة الأسلحة التي ظنّوا أنّها تحسم المعركة لصالحهم اتهام الجمعية بأنّها وهابية، فما كان من رجال الجمعية الكرام، وبحكم المكانة التي تبوءوها في العلم والجهاد إلاّ أن يؤدوا شهادة الحقّ في هذه الحركة ورجالها.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإنّ رجال الجمعية الكرام، وعلمائها الأجلّة كما أثنوا على الوهابية في بعض الجوانب فإنّهم انتقدوها انتقاداً لاذعاً مُرًّا في جوانب أخرى، وهذا دليل الاستقلالية في الموقف الفكري والدّعوي، ناهيكم عن الاستقلالية في الإطار التنظيمي، ومن جملة الانتقادات التي وجهها رجال الجمعية للوهابية، فكراً وأسلوب ودعوةٍ، فهذا الشيخ عبد الحميد بن باديس يقول: "وأتى جهالهم شنائع كانت من النكارة بمكان، ووجدها أضدادهم سلاحاً قويًّا في تشويه سمعتهم إلى اليوم، وأسخطت عليهم العالم الإسلامي كلّه، فكانت الخيبة تُصيبهم من جرّاء سلوكهم القاسي، وإن كانت غايتهم من أنبل الغايات، إن الغاية التي رمى إليها ابن عبد الوهاب، وسعى إليها أتباعه، هي التي لا زال يسعى إليها الأئمة المجددون، والعلماء المصلحون في جميع الأزمان، فلها ألّف أبو بكر بن العربي: العواصم من القواصم، وسراج المريدين، وألّف الإمام الشاطبي الاعتصام، وألّف الشيخ ابن الحاج المدخل، وغيرهم من الأئمة وكتبهم كثير، وإليهم يسعى حزب الإصلاح المعتدل الذي أسسه الأستاذ الإمام الشيخ محمّد عبده ورفع لواءه الشيخ رشيد رضا في مجلّة المنار".

ويواصل الشيخ ابن باديس منتقداً أسلوب الجفاء والغلظة التي اعتمدته الوهابية طريقا لتبليغ أفكارها، ونشر دعوتها، في حين أن الأسلوب الأمثل هو الأسلوب الذّي نصّ عليه القرآن الكريم، ومارسه عملا الرّسول صلى الله عليه وسلّم، وهو أسلوب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي  أحسن، فقال: "ولم تكن في الوهابيين كفاءة للقيام بتلك الدعوة العظيمة على هاته الطريقة الحكيمة فخابوا: وبقيت غايتهم مقصورة عليهم، ونهض بأعبائها الأستاذ الإمام والشيخ رشيد وحزبهما، فملأوا بها الأرض وانتشر مؤيدوها في العالم الإسلامي أي انتشار، لا يزالون بحمد الله في ازدياد".

ومعنى هذا أنَّ رجال الجمعية الكرام كما أثنوا على الحركة الوهابية، فقد انتقدوها كذلك، وهذا يدل كما قلنا على استقلالية الموقف الفكري والعلمي عند رجالها الكرام.

وأحب أن أضع بين أيدي طلبة العلم، والباحثين عن الحقيقة في وسط هذا اللجج العقيم، والجدل البيزنطي، جملة من المسائل والقضايا العلمية التي تؤكد التباين الفكري، والتمايز المنهجي بين جمعية العلماء وأصولها الفكرية، وبين الدعوة الوهابية، وهي مجرّد أمثلة ليس الهدف منها الاستقصاء أو الاستقراء التام.

فمثال التوسّل، الذي تجعل منهُ الوهابية مظهراً من مظاهر الشرك، تحاربه بكل الوسائل، وتصم فاعلية بالمشركين، ترى جمعية العلماء بأنَّ هذه المسألة علمية ظنيّة ممّا يجوز فيه الاختلاف،  وفتوى ابن باديس حول مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلّم مشهورة معروفة.

والتأويل في صفات الباري سبحانه وتعالى الذي تناهضُه الوهابية بكل قوّةٍ وترى فيه بدعة لم يكن للسلف عهد بها، منتصرة في ذلك لرأي ابن تيمية، الذي ناهض الأشاعرة في هذه المسألة، وبالغ في الردود عليهم، ترى جمعية العلماء بأنّ هذه المسألة يحكمها الصوابُ والخطأ لا الإيمان والكُفر، ومفهوم البدعة كذلك من المسائل الخلافية بين فكر الجمعية والوهابية، فإذا كانت الوهابية تتوسع في مفهوم البدعة وتدخل فيها بعض الوسائل والمناسبات، كالاحتفال بالمولد النبوي،  والاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج، وغيرها من المناسبات الدينية، فجمعية العلماء ترى بأنّ هذه مناسبات وذكريات، لا ترى مانعا شرعيا يمنع من استغلال هذه المناسبات والذكريات، والاحتفاء والاحتفال بها، واستغلالها لتصحيح المفاهيم وتوضيح التعاليم، حتى إذا جئنا إلى المرأة وقضاياها ودورها في البناء والتنمية، بدا التمايز واضحاً بين الوهابية وجمعية العلماء، ناهيكم عن الموقف من الحضارة الغربية وكيفية التعامل مع الخبرات الإنسانية والبشرية، كالموقف من التعددية الحزبية، والديمقراطية، والانتخابات، وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا التي إذا أخضعناها للمنهج المقارن، بدا التمايز بين الجمعية والوهابية واضحا لذي عينين.

آخر التغريدات: