الشيخ عبد الرحمن شيبان صديق الشباب

بقلم: كمال أبو سنة-

حتى لا أكرر ما قلته في بعض مجالس الـتأبين، أو ما كتبته في بعض الجرائد اليومية والأسبوعية، سأختصر كلمتي في جزئية في دائرة كبيرة عنونتها بـ:" الشيخ عبد الرحمن شيبان صديق الشباب" أعرض فيها بعض ما عشته مع الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمة الله عليه.

أيها الإخوة والأخوات:

لقد كان الشيخ عبد الرحمن شيبان -رحمه الله- صديقا لكل الأجيال، ولعل أقرب الأجيال إليه هو جيل الشباب، إذ لم يكن يجعل يبنه وبين هذه الفئة حاجزا، بل كان هو نفسه يحمل روح شاب في جسد شيخ، وكان من أمهر من يستغل طاقة الشباب وقدراتهم في خدمة أهداف الجمعية والإسلام...
-كان شيخنا -رحمه الله- لا يهمه السن إذا اجتمع في المرء الذكاء والفطنة والأمانة والقدرة على التنفيذ، وكان يتعمد تكليف بعض شباب الجمعية بأعمال حساسة حتى يعودهم وينالوا حظهم من التجربة، ولهذا كان يطلب مني أن أستخلفه في درس الجمعة في مسجد القدس، وهو مسجد يحضر فيه علية القوم وله موقع حساس، ويقول لي بكل تواضع:" لا تنساني من دعائك فإنك شاب نشأ في طاعة الله" وهذا من حسن ظنه بالعبد الضيف، ثم أمر بأن أُبرمج لإلقاء درس الجمعة مع مجموعة من كبار الدكاترة والمشايخ وكنت أصغرهم سنا لنتداول على إلقاء دروس الجمعة في مسجده، مسجد القدس، وقد وافقتُ على ذلك بشرط أن لا ألقي الدرس في حضرته حياء منه وتأدبا معه، فكان رحمه الله إذا حضر لصلاة الجمعة يوم موعد درسي في مسجد القدس لا يصلي في مكانه المعتاد في الصف الأول ما بين المنبر والمحراب حتى لا ألحظ وجوده، بل يصلي بعيدا متواريا تحقيقا للشرط ولم أكتشف ذلك إلا بعد مدة طويلة حين حضر يوما بنفسه إلى المحراب بعد أداء الصلاة للسلام عليّ والدعاء لي بالتوفيق والاستمرار على نفس النهج والأسلوب قائلا:" لمثل هذا كنت أحسيك الحسا".

-وكان الشيخ –رحمه الله- رغم مكانته وعلمه وخبرته وتجربته يستشير الشيوخ والشباب على حد سواء، وكم ناقشته في مسائل كثيرة وأبديتُ ملاحظات له واقترحت عليه أشياء فكان يتقبل الملاحظات والاقتراحات بصدر رحب دون أن يرى في ذلك منقصة له، فلقد كان رحمه الله يعمل بقاعدة:"لا تنظر إلى من قال، ولكن أنظر إلى ما يُقال".

-وكان شيخنا رحمه الله يفرح أيما فرح حين أخبره بصدور كتاب جديد لي، ويشجع المحيطين به على الكتابة والتأليف، وكانت له عادة معروفة عند المقربين، إذ كان أحدنا إذا أهدى إليه كتابا من تأليفه أدخل يده في جيبه وأعطاه 1000 دينار للبركة -كما كان يقول -رحمه الله- و يذكر حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:" إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " رواه مسلم.

-لقد كان الشيخ عبد الرحمن شيبان-رحمه الله- فعلا يستحق لقب "حارس القيم الإسلامية"، إذ لم يكن يهادن أحدا على حساب دينه وجمعيته التي وهبها شبابه وشيخوخته، فكان قلمه مسلولا في جريدة البصائر في سبيل الرد على أباطيل الخصوم، وكان يشجعنا على صد هجماتهم ولا نخاف في الله لومة لائم، ورغم بلوغه من العمر عتيا كان يتصفح كل يوم ما يقرب عشرين جريدة حتى لا يفوته أمر ذو بال له صلة بالجمعية أو الإسلام أو ثابت من ثوابت الأمة...وأذكر حين رمى الدكتور محمد أركون –غفر الله له ولنا- المشايخ محمد الغزالي وأحمد حماني وعبد الرحمن شيبان بقذائف من الجرح والتزوير في حوار مع جريدة وطنية، كتبتُ ردا عليه وبينت خطورة أفكاره، فلما قرأه صديقنا الأستاذ السائحي على الشيخ عبد الرحمن شيبان استدعاني وقال لي:" وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، ما هذا إلا إلهام من الله، سأنشر مقالك في سانحة العدد عوضا عن مقالي". وبالفعل خرج مقالي مكان عمود الشيخ في افتتاحية البصائر...

-كان الشيخ رحمه الله مدرسة سياسية محترمة تملك من الخبرة والدهاء الكثير، وقاريء ذكي لما بين السطور ومستمع يدرك جيدا مرامي الكلام وهو أستاذ البلاغة القدير، فقد كان يحب أن يكون العالم عارفا بخريطة واقعه السياسي، متفاعلا لا "درويشا" متغافلا، وأذكر أنني صحبته يوما إلى ندوة سياسية نظمها حزب كبير ألقى فيها الشيخ خطبة قوية صفق لها الحضور، وقد حاول واحد من الشخصيات المعروفة من الحزب نفسه في كلمته ضرب شخصية معروفة أخرى من نفس الحزب بتحوير كلام الشيخ وتفسيره على نحو يُظهر أن الشيخ عبد الرحمن يناصره ضد خصمه، ولكن الشيخ فهم اللعبة وطلب تعقيبا افتتحه بقوله:"إن فلان الفلاني يريد أن يأكل "الهندي" بفمي" فضحك من كان في القاعة، ثم علق الشيخ على كلام صاحبنا تعليقا أفحمه.

-وكان الشيخ -رحمه الله- وفيا للفكر الباديسي، مؤمنا به إيمانا راسخا، ملما بتراث شيخه الإمام عبد الحميد بن باديس –رحمه الله- بدليل أنه كان يحفظ عن ظهر قلب كثيرا من مقالاته بالجزء والصفحة، ولهذا كان يأمل أن يسير شباب الجزائر على خطى الإمام إلى الأمام.     

نسأل الله أن يرحم شيخنا عبد الرحمن شيبان، وأن يلحقنا به ثابتين غير مغيرين ولا مبدلين، آمين.


(*) هذه الكلمة ألقاها الأستاذ كمال أبو سنة في تأبينية سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان –رحمه الله- التي نظمتها شعبة الشلف يوم السبت 11/09/2011م.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: