مع العالِـم العامل الشيخ أحمد حماني عليه رحمة الله!

بقلم: الشيخ عبد الرحم شيبان-

أشكر لـمشعل الشهيد، والمجلس الإسلامي الأعلى دعوتهما الكريمة لي، للمساهمة في هذا الحفل التكريمي، الـمنظم على شرف العلامة الـمرحوم الشيخ أحمد حماني، رئيس جمعية العلماء الـمسلمين الجزائريين، الـمعلم النصوح، والفقيه الجزائري الـمعتمد، والـمفتي الجريء، الذي لـم تأخذه في الله لومة لائم، والمجاهد الصادق - لا يفوتني أن أنوّه بهذه الـمبادرة التي تُفسحُ المجالَ واسِعًا للتعريف بأعلام الجزائر، وما بذلوه من جهود، وقدَّموه من خِدْمَات جليلة، وخلَّفُوه من آثار هامة، كان لها الشأن البالِغ في رَفْع صَرْح الفكر والثقافة في الجزائر، وفي سائر الـميادين، ومن هؤلاء الأعلام: العلامة الجليل الـمرحوم الشيخ أحمد حماني،  الذي رافقتهُ مرافقةً أَخوية حميمةً متينةً، مرَّتْ على  مراحل ثلاث هي:

1/- مرحلة ما قبل الثورة :

حيث عرفته طالبا جادا بجامع الزيتونة، وهي مرحلة الشباب الطامح، الـمتحدي، الواثق من نفسه، الحريص على أن يبْلُغَ من الكمال مبلغا يرضي طموحه الكبير.

كما جمعتنا ظروفُ العمل والـمهنة التربوية بعد ذلك، إذ عملنا أساتذة مدرسين بمعهد الإمام الـمرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس، بقسنطينة، وأعضاء عاملين في جمعية العلماء، ولجنة التعليم العليا، وهي فترة اتسمت بالنضج، وحسن التقدير، للواقع وظروفه، والعمل الجاد لأجل بلوغ أهداف  تقتضيها مصلحة الأمة، والوطن، والإسلام، والعربية.

2/- مرحلة الثورة:

لـما اندلعت الثورة التحريرية الـمباركة، التفَّ حولَها رجالُ الجمعية، كَشأن كلِّ التنظيمات والشخصيات الوطنية الأخرى، التي كان لها شرفُ تولِّي مناصب قيادية في المجلس الوطني للثورة، والحكومة الـمؤقتة للجمهورية الجزائرية، وفي غيرهما من مراكز الـمسئولية في جيش التحرير الوطني، وفي الـمنظمة الـمدنية لجبهة التحرير الوطني، داخل الوطن وخارجَه.

3/- مرحلة الاستقلال:

في هذه الـمرحلة عملنا في إطار وزارة التربية الوطنية، ووزارة الشؤون الدينية، والمجلس الإسلامي الأعلى.

كما تعاونا على بعث نشاط جمعية العلماء سنة 1991، إذ كان رئيسا لها، وكنت نائبه الأول، وتعاوَنَّا على إصدار جريدة البصائر، فكان مديرَها الـمسؤول، وكنتُ رئيسَ تحريرها، والـمشرف على طبعها وتوزيعها.

وقد حفلت كل مرحلة من هذه الـمراحل بذكريات مجيدة شتى، أكتفي بذكر إحداها، وفاء لحق الرجل، وتسجيلا للتاريخ، وهي تتعلق باختطاف الإمام البطل الشهيد الشيخ العربي التبسي، واغتياله عليه رحمة الله.. تلكم الحادثة الشنيعة التي هزت الأمة الجزائرية كلها، وأثارت بلبلة شديدة في الجالية الجزائرية الـمقيمة واللاجئة بتونس، وقد كنت حينها أتولى الإشراف على طبع (جريدة الـمقاومة الجزائرية) لسان حال جيش وجبهة التحرير الوطني.

في تلك الفترة الـعصيبة، وافتني رسالة من الـشيخ أحـمد حماني، مكتوب على غلافها اسم مـرسلتها الآنــسة قـــوزلان (Melle Goslan) وهي أسرة طبية يهودية مشهورة بقسنطينة، اتخذ الشيخ حماني من اسمها ستارًا يُمرِّرُ - مِن خَلْفِهِ  - رَسائلَهُ إليَّ، حتى لا تقعَ تحت طائلة أجهزة الرقابة الفرنسية، وقد تضمنت بيانًا لجمعية العلماء يَفْضَحُ فيه  الـمكيدة الإجراميةَ في اختطاف الشيخ العربي التبسي – رحمة الله عليه – جاء فيه: « جمعية العلماء تُذيعُ على العالـَمِ أجمع أن الإدارة الفرنسية الـمدنية والعسكرية مسؤولة مسؤولية كاملة في قضية فضيلة الشيخ العربي، وتخشى أن يكون قد اغتالته يدُ العدوان، أو ماتَ تـحْتَ العذاب، ولـم يُمْكِنْهَا أن تدَّعِيَّ أنه حاول الفرار، أو افتكاكَ السلاح من يد الجنود فقُتِلَ، كما لـم يُمْكِن أن تدَّعِيَّ أنه انتحر- وهو مقيد اليدين والرجلين – بعد افتضاحها في قضية الشهداء: ابن الـمهيدي، وبومنجل، والعمراني، فاخترعت هذه الدعوة لتبرر تنصلها من الـمسؤولية وعدوان أعوانها ».

« وتُلاحظ الجمعيةُ أن فضيلةَ الشيخ العربي كان؛ في الزمن الأخير، قِبلةَ أَنظارِهِم، ومَحَطَّ آمالهم، علَّهم يجدون منه لينًا، أو تفهُّمًا يشجعهم على اتخاذه الـمفاوضَ الصالحَ للفَتِّ في عَضُدِ الثورة، وتشتيت شمل الشعب، فما وجَدُوا فيه إلاَّ الصلابةَ والـحَزْمَ، والتضامنَ الكاملَ مع شعبه الـمكافح، وجيشِ التحرير المحارب، وجبهةِ التحرير الـمناضلة ».

« لقد زعم بعضُ الـمسؤولين: أنَّ الشيخ ربما اختطَفَهُ الإرهابُ الـمضاد، ثم زَعَمُوا، في بلاغ، أنه اخْتُطِفَ من طرف مجهولين، ثم بدأت بعضُ التعاليق الصحافية تزعُم بأن الذين اختطفوه هم الإرهابيون:(وبهذا تُسمي رجال جيش التحرير) ».

« إنَّ جمعية العلماء تُكَذِّبُ كلَّ تضليل في الـموضوع، وتُعلنُ للرأي العام الفرنسي، وللرأي العام العالَـمِي، أن الإدارة الفرنسية – الـمدنية والعسكرية - هي التي اعتقلته، وأَنَّ رجالها الرسميين هم الذين أخذوه، وأنها تتحمل مسؤوليتها كاملة، والأمة الجزائرية تُهيبُ بكل ضميرٍ حي في العالَـمِ، وبكل الهيئات الأممية، والـمنظمات الإنسانية، والـمذاهب الدينية، أن يتدخلوا في الـموضوع، وأن يُسائلوا الحكومةَ الفرنسية، ويُجبروها على قَبول بـحْثٍ مُحايد، إمَّا بواسطة منظمة الأمم الـمتحدة، أو بواسطة رجال الصليب الأحمر، من غير الفرنسيين، أو بما يُتَّفَقُ عليه ».
    « إنَّ الأمة الجزائرية تَعتبرُ قضية الشيخ العربي – وهو أكبرُ رجال الدين الإسلامي بالجزائر – قضيتَها الروحيةَ، وما قُصِدَ بها إلا إهانتُها وإذلالُها، والـمبالغةُ في استفزازها، وإنها لتكذيب قاطع، لكل دعوة تَدَّعِيهَا الحكومةُ الفرنسية من جنوحها إلى الحل السلمي، كما أوصت به منظمةُ الأمم المتحدة، وقَبولِها لحل سلمي عادل، وأَنها تنتظر هُدوءَ الحالة، بإيقاف إطلاق النار، وتتخذ كل الإجراءات للتوصل لهذا الهدوء، فهل اختطافُ أكبر رجال الدين الإسلامي وإهانتُه، وتعذِيبُه والتنكيلُ به في شهر الصيام، ثم الذهابُ به إلى مصير مجهول، مما يُساعدُ على ذلك »!    انتهى

(جمعية العلماء) 

ذلكم هو البيان الذي وافانا به العلامة المرحوم الشيخ أحمد حماني، عن الجريمة النكراء المرتكبة في حق الجزائر، في شخص الشيخ العربي التبسي – رحمه الله – والذي نشرناه في "جريدة المقاومة الجزائرية" في صفحتها التاسعة بتاريخ 22 أفريل 1957م، وهو يشهد له بالحنكة الفكرية، والعبقرية السياسية، وصدق جهاده في الدفاع عن وطنه، ورجاله المخلصين الذين }صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا{( الآية 23 من سورة الأحزاب).

تغمدهم الله جميعا برحمته ورضْوانِه.

واللهَ تعالى نسأل أن يثبتنا جميعا}بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ {( الآية 27 من سورة إبراهيم).



- كلمة ألقاه الشيخ عبد الرحمن شيبان (رحمه الله) رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ندوة لتكريم العلامة الجزائري الجليل الـمرحوم الشيخ أحمد حماني، أقامتها جمعية مشعل الشهيد، والمجلس الإسلامي الأعلى، عشية يوم الأحد 5 شوال 1429هـ/ 5 أكتوبر 2008م.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: