الأستاذ المصلح والمربي الجليل المرحوم عبد القادر مكي الحمراوي وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

بقلم: تسعديت بلحوت-

إنَّ المشروع النهضوي الذي تبناه رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ينطلق من وعي كامل: أن الجزائر تنتمي إلى الحضارة الإسلامية، وأن في كل حضارة ثابتا ومتغيرا، وأن المحافظة على الثابت هو حفظ للشخصية الوطنية  من الاستلاب.

إن الحركة العلمية الإصلاحية الدينية التي انطلقت بوادرها مع بداية القرن العشرين، ثم تطورت بقيام الشيخ عبد الحميد بن باديس بالتدريس في قسنطينة، غداة تخرجه من الجامعة الزيتونية سنة 1913، ونضجت هذه اليقظة مع عودة بعض العلماء من مهجرهم بالشرق العربي إلى الوطن، أمثال أبي يعلى الزواوي، والطيب العقبي، والبشير الإبراهيمي، ثم تبلورت في إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، غداة احتفال فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر، اعتقادا منها أنها قضت على الشخصية الجزائرية نهائيا بقضائها على الإسلام والعروبة فيها، ومما قاله أحد الحكام الفرنسيين في الجزائر بهذه المناسبة: (إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرأون القرآن ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم، وأن نقتلع العربية من ألسنتهم ".

وإذا كانت الحركات السياسية اعتمدت بحكم طبيعتها الكفاح السياسي لبلوغ غايتها، وتجنيد فئات الشعب حول برامجها، فإن الحركة الدينية التي تمثلتها جمعية العلماء المسلمين مهَّدت السبيل باعتماد أسلوب الإصلاح الديني، والاجتماعي، الذي هيَّأ الأنفس للانصهار في الحركة السياسية، عن طريق التربية والتعليم والتكوين وبناء المساجد، والنوادي والمدارس وإحياء المقومات الذاتية للشخصية الجزائرية.

إن الـحديث عن الأستاذ عبد القادر مكي هو الحديث عن الـجزائر: أصالة، وحضارة، وصمودا، ونهضة، وتحررا، فقد جسد الجزائر في شخصيته: نشأة وتكوينا وإشعاعا وقولا وتعليما وكتابة وسلوكا.

لقد ولـد الأستاذ المرحوم عبد القادر مكي الحمراوي في 26/03/1926 "بالقصيبة " دائرة المنصورة ولاية برج بوعريريج، في أسرة متدينة، وتعلم بمسقط رأسه في بداية الأمر عن والده الشيخ الشهيد الحاج علي – رحمه الله- الذي أدخله والده الشيخ عيسى كتَّاب القرية، فتعلم على يد الشيخ البشير بن هدوقة وغيره، شأنه شأن أبناء القرية في ذلك العهد، وبعد حفظه القرآن الكريم ومبادئ اللغة والفقه (سيدي خليل) بعثه والده إلى زاوية أولاد الشيخ (داود الدين) التي تخرج منها الشيخ أحمد أبو القاسم صاحب زاوية الهامل ببوسعادة (المسيلة)، والتي تعلم فيها الشيخ الحفناوي الديسي، ثم انتقل إلى زاوية الشيخ بن علي الشريف في جبل " شلاطة" التي تعلم فيها العلامة  الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بأقبو، وتعلم الشيخ عبد القادر مكي عن شيوخ المنطقة كالشيخ علي بن هدوقة والد الكاتب عبد الحميد بن هدوقة، وبعد حفظه  القرآن الكريم في سن مبكرة، انتقل هو الآخر إلى زاوية الشيخ " بوداوود" بأقبو لدراسة الفقه والتوحيد، مع أبناء شيخ الزاوية (عبد الرحمن والسعيد ).

وفي سنة 1947 انتقل إلى الجزائر العاصمة، إلى الزاوية العلوية التي كان يشرف عليها أحد أقاربه ومقرها لا يزال إلى يومنا هذا بالقصبة ( جامع ليهود) لكنه لم يستقر بها وعاد إلى قريته " أهل الحمراء " للتدريس، وممارسة التجارة.

وفي سنة 1953 سافر إلى فرنسا، واشتغل كباقي الجالية الجزائرية المغتربة هناك، وبعد عودته من الغربة، عـاد إلى مسقط رأسه ليعمل في الـتجارة، إلى غاية 21 أفريل 1959، وهو يوم استشهاد والده الشهيد علي مكي من طرف الاستعمار، أعدموه رميا بالرصاص وكان عمره 74 سنة مع إخوانه الـ 74 شهيدا الذين سقطوا في معركة الرفراف التي جرت وقائعها بين قرية " أهل الحمراء"  و" المنصورة" ودامت أكثر من ثلاثة أيام بلياليها، تكبد فيها العدو خسائر معتبرة في الأرواح والعتاد، ولم يتمكن من التغلب على أبطالها إلاَّ بعد لجوئه إلى السلاح المحرم دوليا وهو سلاح النابالم.

ولم يسعد الحظ الأستاذ عبد القادر مكي، الابن حضور جنازة والده بسبب الضغوطات الاستعمارية رغم تواجده بالمنطقة، وعاد مرة ثانية إلى فرنسا سنة 1957.

وفي خريف 1960 انتقل إلى العاصمة رفقة أسرته الصغيرة، واستقر بها، وبعد الاستقلال اشتغل بمكتب الاتحاد العام للطلبة الجزائريين (قسم النشر)، لكنه فضل الرجوع إلى مهنة التعليم في  1964 مع استقراره في أداء هذه المهنة النبيلة، وكان عضوا في المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

نشر عدة مقالات في مختلف المواضيع: الدينية والاجتماعية والتاريخية..إلخ)  في عدة جرائد يومية منها صوت الأحرار، البلاد، البصائر.. إلى غاية بلوغه سن التقاعد في التسعينيات.

ابن باديس الــرَّمز ..   وعلاقة عائلة المكي بقضية فلسطين:

كـان الشهيد الحاج علي مكي والد المرحوم عبد القادر مكي يتابع كل حركة ملفتة للنظر في المجتمع، فكان شديد التأثر والاقتداء بإمام النهضة، ورائد الإصلاح الإمام عبد الحميد بن باديس، وبمن التف حوله من إخوانه العلماء العاملين معه لإحياء العقيدة الإسلامية وبعثها من جديد، وكان ميالاً لمتابعة نشاطهم الفكري، ومطالعة جرائدهم، وخاصة بعد حضوره اجتماع تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، ومما كان يحدث به أولاده قوله: ( لو لم تنته النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم وادعاها ابن باديس لكنت من أتباعه ) كما كان شديد التأثر بمن تعرف عليهم في البقاع المقدسة أثناء تأديته فريضة الحج سنة 1935، من العلماء والأدباء ورجال السياسة، والمقاومين الفلسطينيين، ومنهم مفتي فلسطين الزعيم الحسيني، فقد طلب من الحجاج الجزائريين إبلاغ الشعب الجزائري، بأن الكيان الصهيوني يريد ابتلاع فلسطين والقضاء عليها، فحملهم منشورات مفادها تجنيد الشباب الجزائري للتطوع، وكان له ذلك، فذهب العديد من الشباب الجزائري إلى فلسطين، فعاد الشهيد الحاج علي مكي من هذه الزيارة محملا بالكتب والمطبوعات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ولا يزال بعضها في حوزة أسرته، وبهذه الكيفية حبب الشيخ الشهيد علي مكي أبنائه في جمعية العلماء، وزرع فيهم النضال و العمل في صفوفها.

إنَّ العظمة في الأستاذ عبد القادر مكي، والعظمة الحقيقية تكمن في القلب، فالمرحوم كان عظيما بعقله ووجدانه، بقلبه ولسانه، فكل من تقلب في أعطافه نال من ألطافه، فالقريب والرفيق والسائل والمريد يجد فيه الأب الشفيق، والأخ الصديق، الذي لا يبخل بجهده وجاهه وماله لتفريج الكروب، وما تقربت منه إلا ملك قلبك بحلمه، وغمر نفسك بكرمه، قبل أن يشغل عقلك بعلمه، وكانت الخصال البارزة فيه الإيثار والحلم والوفاء.

مــات الأستاذ عبد القادر مــكي، فلم يخسر تلامذته تعليمه، وإرشاده، ونصحه، واجتهاده، بل خسروا وراء ذلك الغاية التي ينشدون إليها، وينتظرها الوطن منهم، وهي الانطباع بطابعه في الـذوق، في سمو الأخلاق، في التفكير، في الاعتماد على النفس، في الأدب النفسي، في الصبر على العمل وإن شق، حتى الوصول إلى النهاية.

ذلك أن الرجل محافظ ، والمحافظة ألزم ما يكون لنهضة كنهضتنا، لم تزل في طور الاختمار، تتجاذبها العوامل الخارجية أكثر مما تكيفها الضرورات الداخلية، فنحن أحوج ما نكون في هذا الموقف إلى المحافظة: محافظة مهذّبة تسايرنا في أطوار الانتقال، ويكون لنا جسرا نعبر عليه من قديمنا إلى الصالح الذي ننشده، وتقينا شر الذبذبة التي هي وليدة الطفرة.

إنَّ الرجل كان محافظا حقًا، محافظة البصيرة الذي يرى أن مشخصات الأمم منها جوهر ومنها عرض، وأن الجوهر منها هو الصالح للبقاء، وأنه لا يـد للفرد ولا للجماعة في تكييفه كما يشاء، أو كما تشاء، وأن تطوّره موكول إلى تدبير الاجتماع لا إلى تدبير الجماعات..

والرجل مخلص في أعماله، وما نجاحه في حياته العلمية والعملية إلاَّ نتيجة إخلاصه.

والرجل مؤدب النفس، مهذَّب الطباع، وهذا الخلق أساس حسن العشرة..

إنَّ كل ما أتذكره عن المرحوم هو درايته الكاملة بجميع ما في الوطن الجزائري: يحدثك حديث العليم الخبير عن أصول سكانه وقبائله، وأنسابه ولهجاته، وعادات كل ناحية منه، وأخلاقها وتقاليدها وأساطيرها الشعبية، وأمثالها وثرواتها الطبيعية.

ولا أنسى أبداً ما حييت، لما كنت أزوره في  بيته مع زوجته وأبنائه، وخاصة في الأيام الأخيرة من حياته، وهو في فراش المرض، كان يردد السور القرآنية ويرفع يده اليمنى  إلى السماء ويـشهّد بأعلى صوته الخافت، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وينظر إليَّ  ويقول لي:  انـتهيت .. انـتهيت،  من شدة الآلام التي كان يحس بها.

فــيا ساكن الثرى.. ومستبدل الوحشة بالأنس، هذه ثلة من عارفي قدرك.. وأبناءك.. جاءتك وأنت في ثراك، تجدد بك العهد بعد مضي العام من وفاتك، وإنها لغيبة طويلة لو لا أنما ما بعدها أطول..
جـاءت تحيي ذكراك الخالدة، وتـعدد ما خلَّفت من حـسن أفعالٍ وســمو أخلاقٍ، وما هو إلاَّ عـلم صحيح، ومبدأ صريح، وجـهد واضح؛ وكفى بهم دخـرا لك ولــنا.

وَخيرُ مـا أختم به هذا العمل هو أن أذكِّر نفسي معدنها وأقول:

نَــحْنُ  قَوْمٌ فتنتنا مُثُلٌ         مَــا لِنَفس الــحُرِّ عَنها بـمَحِيد

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: