كتابات الشيخ محمد مكركب في قضايا الأمة

بقلم: د.وليد بوعديلة-

يسهم الشيخ الأستاذ محمد مكركب في المشهد الثقافي والإعلامي الجزائري العربي بكتابات كثيرة، تنقل للقارئ أفكاره وقناعاته ورؤاه لقضايا هامة، تتعلق بالشأن الوطني والعربي، من خلال مقالاته في صحيفة “البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبأسلوب أدبي ناضج، وبرؤية وسطية معتدلة، تجمع ولا تفرق، وتدعو بالحجة العقلية والنقلية، دون تحقير أو ازدراء أو تطاول وتكبر. فما هي القضايا التي يتوقف عندها قلم الشيخ؟

المواطنة والتعايش السلمي:

تركز مقالات الشيخ محمد مكركب في صحيفة “البصائر” على المسائل المرتبطة بالمواطنة والحكامة، ولقد قرأنا له الكثير من المقالات القيمة التي توجه المجتمع إلى مفاهيم وممارسات اجتماعية ودينية وفكرية وثقافية تحقق النجاح الاجتماعي السياسي، مثل مقالاته التالية:

– الدعوة إلى إصلاح ذات البين، ونشر ثقافة التعايش الأخوي بين أبناء الوطن”- البصائر العدد:68 – جانفي 2014م”.

– البطانة الصالحة والحاكم الصالح- البصائر العدد: 770- أوت 2015م.

– دور جمعية العلماء المسلمين في الإصلاح وبناء المواطنة – البصائر العدد: 824-سبتمبر2016م.

– حسن الاستماع لبعضنا مفتاح لإصلاح ذات بيننا – البصائر العدد: 826 أكتوبر2016م.

– القيم الدينية وأثرها في تفعيل التكافل الاجتماعي- البصائر العدد: 838 – ديسمبر2016م.

ومقالات أخرى كثيرة لو يجمعها الشيخ الفاضل محمد مكركب في كتاب عن الإسلام والمواطنة لكانت الفائدة أكبر، ولحقق مبيعات كبيرة في الوطن العربي الذي يحتاج إلى معرفة هذه الثقافة الجديدة ودورها في تحقيق التنمية والرفاه في المجتمعات بخاصة، والكتابات التي يقترحها قلم وفكر الشيخ محمد مكركب قد جاءت بطريقة مشوقة وممتعة تجمع بين البرهان الديني والتاريخي والدليل الاجتماعي والأخلاقي، مع كثير من التجارب الشخصية التي شهدها الشيخ في تفاعله اليومي مع المواطن الجزائري.

يحدد الشيخ محمد مكركب صفات البطانة الصالحة التي تصنع الحاكم الصالح في مجموعة من الصفات هي:

الإيمان والخلق- علم السياسة الشرعية – النصح والتذكير- الشجاعة الأدبية، ويختم مقاله بـ: “البطانة الصالحة والحاكم الصالح”- البصائر العدد: 770- أوت 2015م – بالقول: “فما هي الثمرات الطيبة إذا كان الحاكم صالحا والبطانة صالحة؟ يسود العدل، الذي بسببه تمتلئ الأرض بالأمن، فلا يخاف أحد من الناس، لا على نفسه ولا على ماله، ويتطهر المجتمع من المحرمات، فلا يظهر بين الناس وفي معاملات الناس ما حرمه الله تعالى، وينتشر العلم ويتعلم الناس”.

ويقدم للقارئ قيم المواطنة التي إذا سادت ساد السلوك الحضاري في الوطن، وهذا في مقاله عن” دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الإصلاح وبناء المواطنة لحفظ كيان الدولة الجزائرية”، وهذه القيم هي:

قيمة احترام العقل أو العقلانية، توجيه العقل نحو التفكير الجماعي المؤسسي في معاني الأمة.

قيمة النظرة العلمية لكي يشب الإنسان وقوته في عقله ولسانه- قيمة الموضوعية، أي أن من مقاصد النظام التربوي التعليمي في فكر الجمعية تأهيل الإنسان منذ الطفولة، لأن يكون قادرا على التعامل بمنطق الواقع المحسوس.

قيمة الحق والواجب.

قيمة تبادل الاحترام.

ويمكن أن نعتبر دراسته “القيم الدينية وأثرها في تفعيل التكافل الاجتماعي” دراسة عميقة في طرحها السوسيولوجي- الديني وفاعلية في بعدها الميداني، لأنه يرفض أن يظل دعاة الإسلام بعيدين عن الحلول العملية لمشاكل الناس، يقول: ” فالواجب على دعاة الإسلام ومفكريه يجب عليهم أن يجددوا أسلوب الخطاب وأن يحولوه من نقل وحكاية المرويات المعرفية والنظريات التاريخية وسرد الأخبار العلمية والأفكار البشرية، ومن مجرد النقل إلى ترجمة تلك المرويات والنظريات إلى حقائق مشخصة ومطبقة وقابلة لاستثمارها على أرض الواقع “البصائر العدد:837 – ديسمبر 2016م.

إني أتمنى – بصدق– من كل الباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية والدينية العودة إلى هذا المقال القيم للشيخ محمد مكركب، بل وأطلب من كل الجمعيات الناشطة في الجزائر والدول العربية الإطلاع على هذا المقال لما فيه من آراء ومبادرات تفعيلية للتكافل الاجتماعي.

المجتمع وقضايا التطرف والهوية:

يدرس الشيخ الأستاذ محمد مكركب كثيرا مسائل “التطرف الفكري”، وهو حريص على الدفاع عن الهوية الجزائرية والمرجعية الدينية والوطنية، وقد قرأنا هذا الوعي الديني الوطني في كتابات كثيرة له، من بينها على سبيل المثال:

– مقال”فاتحة أمل وتفاؤل في زمن الصراع والتطاول” – البصائر العدد:700 – أفريل 2014م.

– مقال”مفهوم التغيير في منهجية الإصلاح والتجديد”- البصائر العدد: 708 – جوان 2014م.

– مقال: “مفهوم الهوية ووحدة الأمة الإسلامية”- البصائر العدد: 721 – سبتمبر 2014م.

– مقال” علاج التطرف الفكري وحماية الشباب من الغلو العقدي والغلو السياسي”- البصائر العدد: 818 – أوت 2016م.

وهناك العشرات من الدراسات المهمة التي كتبها الشيخ محمد مكركب عن قضايا التطرف الديني والفكري، ووعي الإقصاء الذي يسود المجتمعات المسلمة، وتهديداته الداخلية، بل وتهديداته للدول الغربية عبر العمليات الإجرامية المتعددة في قلب العواصم الأوربية، وهو ما يشوه الإسلام ويحدث “الإسلاموفوبيا” في الغرب.

كما طرح الشيخ محمد مكركب الكثير من الأدلة والنصوص التي توجه طريقة تفكير الشباب المسلم بعيدا عن “التطرف والإرهاب”، وقربهم من التسامح والوسطية والاعتدال؛ ففي مقاله: “علاج التطرف الفكري…” يُعرف التطرف والغلو، ثم يتوقف عند أنواع التطرف وأخطر أنواعه، يقول: “التطرف أنواع: تطرف سياسي – وتطرف أخلاقي – وتطرف عقدي – وتطرف فكري – وتطرف تعبدي – وتطرف اقتصادي – وتطرف إعلامي، وأخطر أنواع التطرف تطرفان:

1/ التطرف السياسي – ويقوم عليه المتطرفين بالاستبداد، فطغوا وتجبروا حتى سقطوا في سياسة فرعون.

2/ التطرف العقدي – ويقوم عليه المتطرفون بالغلو في الدين، فتشددوا وتنطعوا حتى كفَّروا المسلمين، بل وبدَّعوهم.

إن المقال طويل مهم في مجاله الفكري السياسي، والكاتب لا يكتفي بالتنظير، بل يبحث عن الحلول، وندعو القراء إلى البحث عن المقال وقراءته، وقد تتفضل صحيفة “البصائر” بإعادة نشره لأهميته المجتمعية والسياسية.

ويقول في مقاله – مفهوم الهوية ووحدة الأمة الإسلامية- بأن الهوية عامل تعايش وتوافق وانسجام، وليس عامل خلاف وتفرق وانفصام؛ ويحدد خصائص هوية الانتماء لجماعة الأمة الإسلامية في جملة من الثوابت هي:

العمل بالقرآن الكريم. 2- العمل بالسنة النبوية. 3- ما أجمعت عليه الأمة من خلال علمائها.

وقد تختلف بعض الأقلام مع كتابات الأستاذ محمد مكركب، والأمر وارد..! لأن المرجعيات الفكرية الثقافية تتباين في المجتمع الواحد، لكن النقاش والجدال يجب أن يكون معرفيا وبرهانيا، وأن يتجاوز التهديد والإقصاء، مع العلم أن من يقرأ مقالات الشيخ محمد مكركب في “البصائر: سيستمع لصوت الحكمة، وسيشاهد ملامح مجتمع جزائري وعربي متقدم، متطور، ناهض في ظل هويته الدينية، ومرجعيته الوطنية.

وفي الختام:

تحتاج مقالات الشيخ محمد مكركب إلى تأملات بحثية أكاديمية، وعلى الطلبة الجامعيين أن يلتفتوا إلى هذا الصوت الدعوي والفكري والثقافي الجزائري، فهذا الاسم لم يبرز إماما منبريا، وفقيها دينيا فقط، وإنما برز كاتبا وأديبا كذلك.

لقد أسهمت صفحات “البصائر” المحترمة في كشف الوجه الآخر للشيخ محمد مكركب؛ إنه وجه الأديب الفنان الذي يذكر القارئ بأسلوب صادق الرافعي الراقي، ووجه الداعية المتسامح الذي يذكر المجتمع بحكمة وهدوء الشيح محمد الغزالي.

ولست أدري لماذا لم ينتبه الباحثون الجزائريون في الأدب واللغة والسياسة والدين والاجتماع والتربية لكتابات الكاتب الداعية الشيخ محمد مكركب؟!

قد لا نلوم الطلبة بقدر لومنا أساتذتهم الذين يرسلونهم لدراسة أسماء من المشرق والمغرب دون الالتفات لأقلام متميزة في صحيفة “البصائر”؟!

ويمكن للقارئ أن يتتبع – في مقالات الشيخ محمد مكركب – معجما لغويا يمتد لحقول دلالية عن: المصالحة، التغيير، التكافل، الوطنية، الحجة العقلية، الوحدة الوطنية، الأسرة المسلمة، الفرد الإيجابي، السلطة والشباب الفعال.

كما أن القارئ للمقالات سيجد “خصوصية بلاغية تبليغية” عند الشيخ محمد مكركب، تميزه عن غيره، وهي تخيّله لقارئ أو صاحب يحاوره داخل المقالات فيجيبه عن الأسئلة، ويتواصل معه بين الألفاظ والتراكيب، أو بين الأفكار والمواقف. وقد تكون قناعات هذا القارئ مغايرة لقناعات الشيخ، فتكون الفرصة لتقديم مقال سجالي – جدالي.

أدعو من هذا المنبر جميع الطلبة والباحثين في كليات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية وعلوم الشريعة والحضارة لدراسة مقالات فضيلة الشيخ محمد مكركب المنشورة على صفحات “البصائر” بأدوات منهجية متعددة لأنها تستحق وقفات علمية مطولة، لتكتشف كاتبا جزائريا يجمع بين العمق الفكري والتعبير اللغوي الناضج.

آخر التغريدات: