شخصية الأمير عبد القادر من منظور الآخر- ترجمة كتاب عبد القادر لقوستاف دوقا أنموذجا

بقلم: د.عبد القادر شرشار-

تتقاسم الجزائر وفرنسا جزءا هاما من تاريخ المنطقة من خلال موقعهما على طرفي حوض البحر المتوسط، ويظهر أن الثقافات والحضارات التي تعاقبت وتعايشت في المنطقة، تركت آثارا ما فتئت توسع معلوماتنا وتغنيها بمضامين تاريخية هامة على حد تعبير (ج. جيرالت Joseph Giralt) في كتابه "جواهر مكتوبة.."1 ويقصد-هاهنا- المصادر والمراجع العربية الموجودة في مكتبات "كتالونية"، ويرى " أنها بالقدر الذي ساهمت به في التقريب بيننا، قد عملت على جعلنا مختلفين أيضا."2

إن هذه العلاقة القديمة –الاستعمارية- التي كانت تربط بين فرنسا والجزائر، ينبغي أن تشكل لنا نبراسا للتغلب على التحديات الراهنة التي تواجهها شعوب المنطقة المتوسطية، وهذا يستدعي القيام بمبادرات جديدة لصالح الحوار السياسي والثقافي والتنمية المتبادلة3. إن أصول الوثائق العربية المحتفظ بها بالمؤسسات الفرنسية ولا سيما المتعلقة منها بالمقاومات الشعبية تعتبر إرثا تاريخيا من الدرجة الأولى، فهي تسجل من جهة تاريخ المقاومة الشعبية لسكان المغرب العربي، ومن جهة أخرى تشير إلى وجود جماعات فرنسية أو قل استعمارية كانت تعيش بأعداد كبيرة في مناطق متعددة من أرض الوطن العربي الكبير.

ونعتقد أن ترجمة بعض أعمال الأمير عبد القادر بن محي الدين الشريف تعتبر منعطفا هاما في هذا التلاقي، وقد يكون كتاب (Le livre d’Abdelkader) قديم العهد، يعود إلى سنة (1855) لكن تاريخ الترجمة سيذكر أن صاحبه خطا خطوة واسعة نحو التخلص من عقدة العداء التي كانت مستحوذة على عقول كثيرة وحقول معرفية عديدة، أثرت تأثيرا سلبيا في تلاقح تجارب الأمم والشعوب، وهدمت ضمائر المعرفة العالمية، ذلك أن الثقافات نتيجة منطقية لعملية اندماج واسع ومعقد، وبالتالي فإن حالة الواقع الفرنسي-الجزائري لا تشكل في ذلك نشازا.

ونعتقد أن هذه هي الروح التي نشأ معها ما يعرف باللقاء الفرنسي-الجزائري الذي رأى النور بباريس من خلال ترجمة هذا المؤلف، والذي بفضله يكون المترجم والأمير عبد القادر الكاتب قد قدما لضفتي المتوسط فرصة مناسبة لتطوير روح التسامح والتفاهم والحوار.

تحمل هذه الترجمة بين أوراقها تأريخا لقرون من التعايش في هذا الفضاء المشترك، ذلك أن الذي يريد البحث عن هويته في انطوائه على ذاته، يكون مصيره الفشل، أما من يتوخى البحث عن ذاته في ذلك الآخر البعيد، يقبله ويعتبره ميزة شخصية، يكون قد ساهم بشكل كبير في فهم إيجابي لهذا الواقع.

ويبدو أن هذا الوصف للقواسم المشتركة بين المؤلف والمترجم سيكون ناقصا إذا لم نرفقه من جهتنا بمبادرات أخرى ؛ مثل التعريف بهذه الأعمال، تشجيعا لمبادرات السلام، والتبادل الثقافي، كما أن عملا من هذا القبيل يقدم عربونا لعرض يتوخى الحوار بين الشعوب المتوسطية يتيح لكثير من المثقفين اكتشاف جزء شبه مجهول من تاريخهم الثقافي.

ونحن اليوم شعوبا ومثقفين في حاجة إلى أن نسهم بأنشطتنا البحثية في دعم هذه الأهداف، خصوصا عندما ترتفع أصوات جاهلة تدعو إلى الصدام بين الحضارات.

"كتاب عبد القادر" لقوستاف دوقا

تقـدم هذه الدراسة قراءة لمنظور الآخر، وتمثله لشخصية الأمير عبد القادر من خلال ترجمة "كتاب عبد القادر لقوستاف دوقا" (Le livre d’Abdelkader, Traduit par Gustave Dugat)، والمؤلَّف عبارة عن ترجمة لبحث فلسفي كتبه الأمير عبد القادر ببروسة التركية (Brousse (Turquie بين عام 1852 و1855 4. أما العنوان الأصلي لهذا المؤلَّف باللغة العربية فهو :"ذكرى العاقل وتنبيه الغافل"5. والكتاب عبارة عن رسالة فكرية فلسفية تقع في مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة، تناول الباب الأول فوائد التعليم، والباب الثاني خصص لقضايا تتعلق بالدين والأخلاق، والباب الثالث تحدث فيه المؤلف عن فن الكتابة والعلوم العامة. ويقول أبو القاسم سعد الله عن هذا الكتاب "أما إنتاجه الآخر فتغلب عليه روح النقل، فكتابه "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل" مليء بالنقل الحرفي من "إحياء علوم الدين" للغزالي."6 غير أن رابح بونار يرى أن رسالة الأمير هذه "هي قبسة فكر يحاول الأمير أن ينازل بها فكرا ناضجا بما امتصه من أبحاث الإمام الغزالي وابن سينا وابن عربي وغيرهم، وقد صاغها بأسلوب واضح، وبترتيب متناسق، فكانت درة في الأدب النثري بالجزائر في القرن التاسع عشر الميلادي، ترفع من إنتاجنا الفكري وتسبغ عليه هالة من الجلال، وتستحق منا كل عناية واهتمام"7.

ورغم ذلك تبقى هناك ثروة هائلة من آثار الأمير الفكرية ما زالت لم تدرس، ولم تجمع رسائله مع العلماء والمفكرين والقادة في العالم الغربي بعد، وحين يتحقق هذا العمل سيجد الباحثون كنزا كبيرا من أفكارنا عنه، على حد تعبير أبو القاسم سعد الله8.

والرسالة بصورة عامة " إسهام من الأمير عبد القادر في الأبحاث الفلسفية على عهده، وقد أصدرها في وقت كانت فيه مباحث معاصريه من أعلام الفكر لا تخرج عن دائرة الأبحاث الدينية والأدبية وغيرها."9 جاء في مقدمتها :" أما بعد فقد بلغني أن العلماء (كذا) فرنسا كتبوا اسمي في دفتر العلماء، ونظموني في سلك العظماء، فاهتززت لذلك فرحا، فرحت من حيث ستر الله علي حتى نظر عباده بحسن الظن إلي، ثم أشار علي بعض المحبين منهم بإرسال بعض الرسائل إليهم، فكتبت هذه العجالة للتشبه بالعلماء والأعلام، رميت سهمي بين السهام، وسميت هذه الرسالة، ذكرى العاقل وتنبيه الغافل."10 وقد انتهى من تألفها في 14 رمضان سنة 1271 هـ.

كتاب عبد القادر لقوستاف دوقا

صدرت هذه الترجمة لأول مرة سنة 1858(*) اكتشف من خلالها القارئ الفرنسي مفكرا عربيا أصيلا، تكمن قوة شخصيته في الرؤية الخلافية للمنظور اللاتيني للفلسفة والمنطق، من خلال المزاوجة التي أقامها الأمير بين شروط المنطق ومتطلبات الدين الإسلامي، منتهيا إلى أن الديانات الثلاث تنبع من معين واحد، وأن رسالة الأنبياء والرسل لم تكن تهدف إلى تقويض المعرفة العلمية والفلسفية بل جاءت في مجملها لتكريس حرية الإنسان المتمثلة في التسامح والحب والتعاون بين الشعوب.11 وقد اشتملت الترجمة على بعض المعلومات الخاصة بالكتابات والترجمات والإشارات المختلفة لبعض الكتاب الفرنسيين والألمان، ممن كتبوا أو ترجموا للأمير عبد القادر.

أفردت الصحافة الباريسية للأمير صفحات عريضة بعد صدور هذه الترجمة، وأعجب بها الجمهور الفرنسي المثقف أشد الإعجاب، حيث وجد القارئ الفرنسي في الترجمة التي اطلع عليها من خلال كتاب "عبد القادر"مفكرا أصيلا، ورجل ثقافة نبيلة متفتحة، ولكن سرعان ما اختفت النسخة الأصلية لكتاب "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل" Rappel à l'intelligent, avis à l’indifférent وكذا الترجمة التي أصدرها قوستاف دوقا "12.

واليوم ونحن نتساءل من جهة عن مصادر هويتنا الثقافية ومكانتنا في العالم، وفي الوقت الذي نشاهد فيه تكثيف العلاقة بين المسيحيين والمسلمين وحتى اليهود وغيرهم من أصحاب الملل والنحل، فإننا نعتقد أنه بات من المفيد جدا إعادة قراءة مضمون الرسالة التي كان صاحبها قد واجه المستعمرين الفرنسيين مدة خمسة عشر عاما، ومن خلال هذه المواجهة يكون قد صارع أكبر جيش في الفترة الممتدة بين (1832 و 1847).

وتبدو لنا حكمة التعقل الإنسانية النابعة من الدين الإسلامي والأخلاق العربية النبيلة، من خلال الاتصال بالآخر، سواء أكان هذا الآخر صديقا أم عدوا، ونعتقد أن قراءة نص مترجم من قبل الآخر الفرنسي الذي يحمل تصورا نفسيا وثقافيا ودينيا وفكريا مختلفا، من شأنها أن تنيرنا أكثر، وتكشف لنا عن صورتنا، كيف كانت تبدو لدى الآخر المتميز بثقافته وتسامحه وحبه للتواصل حيث نستشف من خلال الترجمة اللياقة الأدبية التي يتمتع بها هـذا المتر جم بنشره للرسالة التي يكون قد وجهها للأمير طالبا منه الموافقة المبدئية للشروع في ترجمة "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل"13 لما رأى فيها من مسائل فكرية وفلسفية جديرة بالاطلاع عليها، في غير لغتها الأصلية، ومدارستها من قبل باحثين أجانب، ثم نراه يتصدى لتبرير هذا الإجراء بالحديث عن ظروف كتابة "المؤلف" والتي تعود حسب ما توصل إليه، إلى أن الأمير قبل السفر إلى "بروسة" التركية طلب قبول عضويته في المجمع العلمي الأسيوي(Société Asiatique )، وغداة وصوله أراد تقديم مؤلف لهذا المجمع العلمي من أجل دفع ما أسماه بواجبات الضيف إزاء مضيفيه، وكما عبر عن ذلك الأمير بقوله : "كتبت هذه العجالة للتشبه بالعلماء والأعلام، رميت سهمي بين السهام وسميت هذه الرسالة ذكرى العاقل وتنبيه الغافل."14.

أرسل الأمير مخطوطا إلى رئيس المجمع العلمي الأسيوي (Président de la Société Asiatique)، السيد رينو M.Reinaud عضو المعهد، وهو باحث محنك، وخبير في الدراسات التاريخية، مطلع على تاريخ الديانات الثلاث، كتب عن الأمير تقريرا أدرج ضمن مخطوطات المكتبة الملكية Un rapport inséré dans le Moniteur du 9 juillet 1855 15

اطلع المترجم (قوستاف دوقا) على المخطوط في المكتبة الملكية الفرنسية، كما وقف على أهمية العمل من خلال التقرير الذي سجله السيد رينو، وقد حفزت شهرة الباحث ومكانته العلمية المترجم على القراءة الواعية والمركزة لكتاب عبد القادر، ولعل ذلك هو السبب الذي دفعه إلى التفكير في وضع ترجمة له، غير أننا وجدنا تعليلات علمية أخرى صدّر بها المترجم عمله، نعرض بعضها فيما يأتي:

تُعرِّف هذه الترجمة القارئ الفرنسي بالفلسفة العربية والتي يعتقد المترجم أن الفرنسي كان حين ذاك لا يعرف عنها الشيء الكثير قبل ظهور الحركة الاستشراقية في أوربا. ومعروف أن هذه الحركة ركزت في بداية نشاطها البحثي والاستكشافي على الثقافة العجائبية المتصلة بالمخيال الشرقي، والثقافة الشعبية التي كان يعمل عليها الأنثروبولوجيون وعلماء الاجتماع، ويظهر أن الاهتمام بالأعمال التاريخية والفلسفية والأدبية والفكرية والعلمية العربية من قبل المستشرقين لم تجد من يشتغل بها إلا في الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر ؛ حيث ظهرت أعمال لـ:M.S.Munk من خلال مؤلفه16 : لمزج بين الفلسفتين اليهودية والإسلامية. مستخلصات منهجية من ينبوع الحياة لسليمان بن جبريل، الترجمة الفرنسية للنسخة العبرية

Mélanges de philosophie Juive Arabe. Extraits méthodologiques de la source de vie de Salomon Ibn-Gebrol, traduit en français sur la version hébraïque.

و(م. فرانك) Franck من خلال مؤلفه: Dictionnaire des sciences philosophiques de (قاموس العلوم الفلسفية)، بالإضافة إلى كتاب المستشرق أرنيست رينان et l’averroïsme " Averroès " وذكر المترجم أن هناك مؤلفات لمستشرقين فرنسيين ظهرت قبل هذه الفترة حول الفلسفة العربية لكنها كانت تكتفي بتقديم مقطوعات وشذرات فقط، وليس أعمالا فلسفية كاملة، مما جعل الاعتماد عليها غير مجد بالنسبة للباحث المتخصص."17 ولعل ما هو ممتع في مقدمة هذه الترجمة هو أن صاحبها يقدم مسحا تاريخيا للمشهد الفلسفي العربي والإسلامي بكيفية علمية ومركزة، ويُذكِّر بظروف الترجمة من الإغريقية والسريالية إلى العربية، كما يشير إلى تشجيع الخلفاء والحكام لعملية الجمع عبر السفراء الذين كان يرسلهم الخلفاء إلى جميع الأمصار الفارسية والرومانية والتي يعتقد أنها كانت حواضر فكرية وعلمية. كما يقدم في بعض الأحيان أوجه الشبه بين ما ذكره الأمير في كتابه وما يذكره بعض الفلاسفة الفرنسيين المحدثين في عصره، ويقارن بعض الفقرات بما كان يرد لدى بعض الفقهاء الفرنسيين ممن كانوا ينتمون إلى جامعة السوربون، ويعبر المقطع الآتي عن هذه الفكرة بجلاء:" يتحدث عبد القادر كفقهاء السوربون، فهو في انسجام تام مع فكر البابا، إنه يشبههم تماما."

«Abdelkader parle comme un théologien de Sorbonne, il est en parfaite communion de doctrine avec le Pape. »18

كما أن الأمير عبد القادر من خلال اتصاله برجال الكنسية مادلين L’Eglise Madeleine عام 1852 بباريس يكون قد جدّد الفعل التواصلي بين الديانات، والذي قام به عمر بن الخطاب منذ أحد عشر قرنا خلت في بيت لحم بالقدس Dans la Basilique de la nativité من حيث التعبير عن سماحة الدين الإسلامي، واحترامه للآخر، والتعامل بالحسنى مع أصحاب الديانات الموحدية.

إن المتأمل في التسامح الديني الذي عرف به الأمير أثناء وجوده في الجزائر وأثناء وجوده خارجها، "يدرك أن الرجل كان يفهم روح العصر وحاجات التعايش بين الشعوب، فموقفه من رجال الدين الفرنسيين في الجزائر، وتصريحه في كنيسة المادلين حين قال: حينما بدأت مقاومتي للفرنسيين كنت أظن أنهم شعب لا دين له، ولكن تبينت غلطتي. وعلى أي حال فإن مثل هذه الكنائس ستقنعني بخطئي."19 وتكشف بعض المواقف ؛ كتدخله أثناء فتنة الشام، وقبوله عضوية الجمعية الماسونية بناء على بعض الروايات20 أن الرجل كان مطلعا على التيارات الفكرية وروح العصر والأديان السماوية الثلاثة، ونزعات الناس، في الوقت الذي "عرف فيه بالتصلب والتمسك إلى أقصى حد بالمبادئ الأساسية الإسلامية."21 ومما يؤكد هذا التوجه ما كتب على النصب التذكاري الذي أقامه الفرنسيون للأمير في كاشرو (معسكر بالجزائر)، وينسبونه إلى الأمير: لو أصغى إليّ المسلمون والنصارى لرفعت الخلاف بينهم، ولصاروا إخوانا ظاهرا وباطنا.

وإذا كان تاريخ الأمير عبد القادر وسيرته العسكرية معروفة من قبل الجميع، "خاصة حربه ضد الاستعمار الفرنسي، ومشروعه السياسي الذي أراد من خلاله تجميع القبائل الإفريقية حوله وإعادة تكوين جنسية عربية على حد تعبير المترجم، فإنه في الآن ذاته يكون قد تصور–على الرغم من البعد الزمني وطول الفترة : ثلاثة عشر قرنا- إمكانية إعادة ما قام به النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجزيرة العربية."22

وما يلاحظ هو أن المترجم يلجأ في كل مرة إلى موازنة ما بين الرجلين وكأنه كان يرى في الأمير مجددا للدين أكثر منه رجل حرب وسياسة وعلم، غير أن هذه الموازنة تكشف له اختلاف الظروف التاريخية، وتباين المنهجين في تبليغ الرسالة الدينية من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، وطريقة نشرها بعده في بيئة تختلف ثقافة وجغرافية ودينا وعرقا من قبل الدعاة والعلماء، ومن بينهم الأمير عبد القادر.

وتأسيسا على هذه القناعة يقلع عن هذا النهج ليركز على نشاط الأمير الفكري لا غير.

يرى قوستاف دوقا "أن بداية نبوغ الشخصية العلمية والفلسفية للأمير تكشف عنها فترة ما بعد اعتقاله بأمبواز، حيث يجدد الأمير حياته الأدبية والفكرية، ومثله-في هذه الحالة- كمثل بعض الرجال السياسيين الذين يسترجعون بعد انتهاء انتدابهم لمهمة ما مكانتهم العلمية، ويعودون بكل شغف وحب إلى دراساتهم الأولى، ليؤثروا من جديد على معاصريهم، ولكن هذه المرة تأثيرا فكريا."23

وإذا كانت الأحداث التاريخية التي تعاقبت على الأمير عبد القادر قد تمكنت من نزع بعض الألقاب من سجله الحافل؛ فإنها في رأيه لم تستطع أن تلغي لقبا واحدا وهو رجل الأدبL’Homme de Lettres وهو اللقب المحبب إليه، والذي كرس نهاية حياته من أجل إبرازه والتعبير عنه في مختلف الأعمال التي تخلد اليوم ذكراه.

كتابات أخرى حول شخصية الأمير في منظور الآخر

وعلى الرغم من تراكم الكتابات عن الأمير، إلا أننا لا نجد له ترجمة شخصية وافية في أية لغة، "فالفرنسيون الذين اهتموا بالأمير ولا سيما بعد 1849، والذين يملكون عنه أكثر من غيرهم وثائق أساسية عن حياته وعلاقاته ومجالات تفكيره لم يكتبوا عنه إلا أشياء ترمي في الغالب إلى إثبات تفوقهم وإثبات صداقة الأمير للفرنسيين بعد حربه لهم. "24 وتجمع الدراسات التي ألفت حول حياة الأمير –أو تكاد- أن الجوانب الروحية والفكرية والاجتماعية ظلت مهملة.

ويعتقد الدكتور سعد الله أن " تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر" لمحمد بن الأمير عبد القادر25 تعتبر حتى الآن أفضل ترجمة شخصية بالعربية عن الأمير، غير أنها تفتقر إلى المنهج، وتحتوي على كثير من المبالغات، الأمر الذي ينزع عنها صفة الترجمة الشخصية الجادة، بالإضافة إلى اعتماد الأمير محمد على نقول غير منتظمة من الكتب الأجنبية عن الأمير، إعجابا ببطولته الشخصية أو بمواقفه السياسية، أما الروح العلمية المجردة لدور الأمير سواء في الجزائر أو خارجها فلا وجود له بالعربية أيضا."26

وجاءت ترجمة تشرشل للأمير جامعة لعدة جوانب إيجابية تفتقر إليها الأعمال الأخرى سواء كانت عربية أم فرنسية من وجهة نظر الدكتور أبو القاسم سعد الله، إلا أنها تنتهي بحوادث سنة 1864، وتظل تسع عشرة سنة من حياة الأمير غير واردة عن مصدرها الأصلي، وهو الأمير، ذلك أن هذه الترجمة كانت من إملاء الأمير عبد القادر كما يصرح ش.هـ. تشرشل في مقدمة مؤلفه :" أقمت في دمشق أثناء شتاء سنة 1859-1860 بهدف وضع عزيمتي موضع التنفيذ. ورغم أن عبد القادر كان شحيحا بوقته فقد رضي أن يمنحني مقابلة ساعة يوميا. وهكذا فتح المنجم أمامي. وبقي أن استخرج منه الخام. وقد فعلت ذلك مدة خمسة أشهر."27

وقد اطلعت في السياق نفسه على بعض المؤلفات الأجنبية التي تناولت الأمير عبد القادر من خلال سيرته، وأجدها تعزز قراءة "دوجا"، ويتعلق الأمر بمؤلف يوهان كارل بيرنت "الأمير عبد القادر" الذي ترجمه وقدم له : د.أبو العيد دودو الصادر عن دار هومة، 1997 بالجزائر. وعنوانه الأصلي بالألمانية: ثلاث سنوات من حياة ألماني بين العرب، وقد حمل الكتاب عنوانا فرعيا آخر بالإضافة إلى ملحق، وعروض وتفسيرات خاصة بالعادات والتقاليد والأمثال، وأساليب التعبير وغيرها عند العرب.

ويقدم الكتاب معلومات تبدو ذات أهمية كبيرة لا يمكن الحصول عليها في كتب أخرى وخاصة ما يتصل منها بشخصية الأمير عبد القادر وخلفائه المقربين، وما تعاقب عليهم من ألم وحسرة.

ومما ورد في وصف الأمير قوله :" والأمير عبد القادر رجل شاب في حوالي الثلاثين من عمره، وهو قصير القامة، رشيق الجسم، أبيض اللون، يرتسم النبل والحلم على ملامح وجهه، وكانت عيناه ذواتا لون أزرق رمادي، ولكنهما براقتان، ولحيته سوداء منتظمة، وكان صوته عميقا، و به نعومة ورقة، وكان يحمل وشما صغيرا فوق جبينه وخده الأيمن ويده اليمنى."ص.14

كما تحدث المؤلف عن وضع الأمير السياسي والصراع الذي جمع الاحتلال (الفرنسيين) والعرب والأتراك والكراغلة في مدن كثيرة كمدينة مليانة وتلمسان ومستغانم ومعسكر، كما تحدث عن دهاء الأمير وشجاعته وثقافته وتمكنه من اللغة العربية والأدب العربي، وقراءته لدواوين الشعر العربي، وعن قلة رؤيته لأسرته وأسلوب حياته وطريقة معيشته البسيطة في المأكل والملبس وهي الصفات التي جعلت منه في نظره أميرا عظيما.(ص:15-25)

بالإضافة إلى كتاب عبد القادر لبرينو إيتيان برزخ البرازخ Bruno Etienne, Abdelkader, Hachette,1994. 28 جاء في هذا الكتاب وصف دقيق لنشاط الأمير عبد القادر وعلاقته بأفراد أسرته، وطلابه وسكان دمشق خلال الأيام الأخيرة من حياته بسوريا، وحديثا مسهبا حول ميراثه المادي وما آل الأمر إليه بعد وفاته، حيث يتأسف الكاتب إزاء السلوك الذي أبداه بعض أولاده وأحفاده تجاه السلطة الفرنسية من أجل الحصول على أموال وامتيازات عارضة عن طريق سلوك مشين في رأيه. وينتقد خفية قرار السلطات الجزائرية التي خالفت رغبة الأمير بالسكن بعد الموت بجوار أستاذه ابن العربي بنقلها لرفاته عام 1966.

كما يشير الكاتب إلى صعوبة مسلك البحث في نقل بعض أعمال الأمير عن طريق الترجمة إلى اللغة الفرنسية ؛ نظرا لخصوصية اللغة العربية، واختلاف المترجمين الفرنسيين وتعدد انتماءاتهم الأيديولوجية والثقافية وغيرها.

ويعرض (إيتيان برينو) إلى علاقته بالباحثين المهتمين بحياة وأعمال الأمير عبد القادر في الفترة التي كان فيها على رأس المركز الوطني لـلبــحــث العــلمي (CNRS) والذين يصفهم بالكلاسيكيين، ويتعلق الأمر بمجموعة أسماء كان بعضها أساتذة له، والبعض الآخر أصدقاء له:

Jacques Berque, Maurice Flory, Charles André Julien, André Miquel, André Nouschi, André Raymond, Et Bien d’autres.29

ويقول إيتيان: "إن البيبليوغرافية الخاصة بالأمير نفسه، بالإضافة إلى التي تتصل باستعمار الجزائر ضخمة جدا، ولا يقدر ثمنها، وهي بالعربية والفرنسية، وقد سببت له مشاكل كثيرة، حيث تجلى له بعد مرور الأعوام في البحث أنها غير ملمة بالأحداث كلها، باستثناء دراسة العقيد (AZAN) التي استغلها الباحثون بعده، كما تحدث عن مصادر أخرى أفادته كثيرا في معرفة شخصية الأمير عبد القادر من خلال نشاطه وأعماله في المشرق العربي، وهذا اعتمادا على (Michel Chodkiewicz) والذي يكون قد انطلق من الأرشيف الفرنسي الثريّ في هذا المجال."30

يحتوي الكتاب بالإضافة إلى ذلك على بيبلوغرافية وافية جدا عن حياة الأمير وسيرته العسكرية والعلمية والدينية، بالإضافة إلى جرد للأعمال الأكاديمية التي ألفت حول أعماله وسيرته، كما وردت الإشارة إلى الأرشيف الفرنسي وما يحتويه من تقارير عسكرية وغيرها، والتي تملأ –حسب الكاتب -أكبر الخزائن الموجودة في المكتبة الوطنية الفرنسية.

ونظرا لمكانة الكاتب العلمية وسيرته في البحث العلمي والأكاديمي أحيل القارئ على ما جاء في مؤلفاته-ولا سيما الكتاب الذي ذكرناه- من دراسات وإشارات في الملحق الذي خصصه في نهاية عمله، ومختلف الإشارات التي وردت هنا وهناك في ثنايا الكتاب.

ويذكر إسماعيل عوالي ورمضان رجالة وفيليب زوميروف في مؤلفهم (عبد القادر) "أن هذه البيبليوغرافية تتعرض لشخصيات كبيرة سياسية وعسكرية من فرنسا، وكذا شخصيات من قبائل جزائرية غير متأصلة(يقصد أنها قبائل خائنة)، وتكشف عن شكلين من الثقافة والعادات المتناقضة، كل واحدة منها تحي داخل عالمها الخاص، معتقدة أنها تملك الحقيقة المطلقة، وأن مفاتيح السعادة والنجاح ليست بالضرورة نتاج حضارات متقدمة. "31 وهي إشارة إلى تحذير القارئ والباحث على حد سواء من مدى أهمية هذا الأرشيف، والخطورة التي يمثلها، نظرا للمعلومات المتنوعة بمصادرها، وطبيعتها الحضارية والتاريخية.

وأخيرا نعتقد أن شدة الإعجاب بشخصية الأمير عبد القادر من قبل الآخر، تطلبت هذا النوع من الموضوعية، نظرا لما اتسمت به سيرته المثالية سواء كصديق أو عدو لفرنسا من مواقف إنسانية مشهود لها بالحكمة وحسن التدبير وبعد النظر، ولعل هذا المقطع يجمع ما قلناه مفصلا في هذا المقال:

« La figure envoûtante d'Abd-el-kader nécessite cette objectivité. Sa conduite exemplaire tant comme ennemi que comme ami de la France force l"admiration. »32

 


الهوامش:

1 - Giralt, Joseph et autres : Written jewles Arabic bibliographical sources of Catalonia, Morwerg.- 2002.- p. 5.

2 - Ibid.- p. 5

3 - Ibid.- p. 5

4 - Emir, Abdelkader : Le livre d’Abdelkader, Intitulé « Rappel à l’intelligent, avis à l’indifférent », considérations philosophiques, religieuses, historiques, etc. Traduit avec l’autorisation de l’auteur sur le manuscrit original de la Bibliothèque Impériale.- Paris, par Gustave Dugat Editions, 1858.

5 - ذكرى العاقل وتنبيه الغافل، الأمير عبد القادر، تحقيق: محمود حقي، بيروت، دار اليقظة العربية، 1966.

6 - حياة الأمير عبد القادر، شارل هنري تشرشل، ترجمه وقدم له وعلق عليه:د.أبو القاسم سعد الله.- الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط.2، 1982، نص.265

7 - الأمير عبد القادر حياته وأدبه، رابح بونار، مجلة آمال، عدد خاص عن الأمير عبد القادر، جويلية 1970، الجزائر.- ص.22

8 - حياة الأمير عبد القادر، شارل هنري تشرشل، ترجمة: أبو القاسم سعد الله.- ص.28

9 -الأمير عبد القادر حياته وأدبه، رابح بونار.- ص.23

10 - ذكرى العاقل وتنبيه الغافل، الأمير عبد القادر، تحقيق: د.ممدوح حقي.- بيروت، دار اليقظة العربية، 1966.- ص.15.

11 - Dugat, Gustave : Le livre d’Abdelkader, Introduction.- P. XVII.

12 - Le livre d’Abdelkader.- Op. cité.- P. Couverture

13 - Le livre d’Abdelkader.- Op. cité.- P.X

14 - Ibid.- p. 13

15 - Ibid.- p. 15

16 - Munk, S. : Mélanges de philosophie Juive Arabe. Extraits méthodologiques de la source de vie de Salomon Ibn-Gebrol.- Paris, traduit en français sur la version hébraïque, Librairie philosophique J. Vrin, 1955.

17 - Le livre d’Abdelkader.- Op. cité.- p. XIX.

18 - Ibid.- p. XIX

19 - حياة الأمير عبد القادر، ترجمة: أبو القاسم سعد الله.- ص.23.

20 - المرجع السابق.- ص.23

21 - المرجع السابق.- ص.23

22 -Ibid.- p. XIX.

23 - Ibid.- p. XIX

24 - حياة الأمير عبد القادر، شارل هنري تشرشل، ترجمة: د. أبو القاسم سعد الله.-ص.7 (مقدمة المترجم).

25 - تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، محمد بن الأمير عبد القادر، تحقيق وتعليق:ممدوح حقي.- بيروت، 1964.

26 - حياة الأمير عبد القادر، ترجمة: د.أبو القاسم سعد الله.- ص.9 (مقدمة المترجم).

27 - حياة الأمير عبد القادر، شارل هنري تشرشل، ترجمة: د.أبو القاسم سعد الله.- ص.36

28 - Etienne, Bruno : Abdelkader, Isthme des isthmes (Barzakh al-barazikh).- Hachette, 1994.

29 - Ibid.- p. 123.

30 - Ibid.- p. 154.

31 - Aouli, Smail ; Redjala, Ramdane et Zoumeroff, Philippe : Abdelkader, Fayard, 1994.- p. 12.

32 - Ibid.- p. 12.

آخر التغريدات: