الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم -5 –

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

معنى العبد في اللغة، استعماله فيها، ما أقره الإسلام وما أبطله، معنيا الملك. عموم العبودية، وجها إضافة العبد لله، معنى العبادة، لمن تكون؟ مقام العبودية، أكمل العباد، أصدق وصف المخلوق، تواضعه، معنى الرسول، توجيه الترتيب. حديث الإطراء ومعناه.

أما قوله "عبدك" في حديث أبي سعيد عند البخاري فالعبد - قال الأئمة- "خلاف الحر" والحر من لا ملك لأحد عليه، فالعبد هو المملوك، والعبودية هي طاعته مع الخضوع والتذلل(1). والملوكية التي هي أصل المعنى مستلزمة لها. وجاء في كلامهم مضافا إضافة ملك للبشر فقالوا عبد زيد أي مملوكه. وإلى الخالق تعالى مالك الجميع فقالوا عبد الله، وإلى معبوداتهم الباطلة فقالوا عبد العزى وعبد اللات بناء على شركهم وزعمهم أن طواغيتهم تملك مع الله وإن كان هو مالك الجميع، كما كانوا يقولون في تلبيتهم "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك".
جاء الإسلام فأقر إضافتين وأبطل واحدة، وذلك أن الملك أما ملك حقيقي ثابت بالخلق والحفظ والإنعام وهذا ليس إلا لله فكل أحد فهو عبد الله. وأما ملك مجازى متنقل بسبب معاوضة أو عطية أو إرث وهذا هو ملك العباد وعلى هذا المعنى يقال عبد زيد أي مملوكه. وأما الطواغيت فلا ملك لها بالوجهين فلا تجوز إضافة العبد إليها. وقد جاء في إضافة الملك المجازي قوله- صلى الله عليه وآله وسلم- فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه "لا يقولن أحدكم عبدي فكلكم عبيد الله ولكن ليقل فتاي، ولا يقل العبد ربي ولكن ليقل سيدي" والنهي عن هذا لما فيه من التطاول والتعاظم والارتفاع ولا بأس به إذا كان في النادر للبيان والتعريف.
العبودية لله وصف عام ثابت في كل مخلوق، فكل مخلوق هو عبد لله مملوك له، في دائرة خلقه، وقبضة أمره، خاضع ذليل منقاد لتصرفات قدره.

والعبد يضاف لله تعالى بهذا المعنى إضافة عامة لا فرق فيها بين بر وفاجر، وقد قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}.

ويضاف إليه إضافة خاصة إذا كان العبد قد عرف عبوديته لربه علماً، وقام بواجبها عملاً، فأطاع مولاه طاعة المملوك لمالكه عن علم واختيار. بذل وخضوع وانكسار، بلا امتناع ولا اعتراض ولا استكبار، وقد جاء على هذا قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} ومنه قوله {عبدك} هنا.

والعبد المضاف إلى الله تعالى بهذا الوجه هو المملوك المطيع، وطاعته بذل وخضوع هي عبادته. ولما كان ليس مملوكا إلا لله فلا تكون طاعته إلا لله فلا يجوز لأحد أن يطيع أحداً إلا في طاعة الله فتكون طاعته في الحقيقة لله، فطاعتنا للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- هي- بالقطع- طاعة لله، وطاعتنا لغيره لا تجوز إلا إذا عرفنا أنها في مرضاة الله. وقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» رواه الشيخان وأبو داوود والنسائي عن علي رضي الله عنه وقال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، عن عمران والحكم بن عمر والغفاري رضي الله عنه.

ولما كانت الطاعة- التي هي العبادة- بها يحصل الكمال الإنساني للفرد في عقله وأخلاقه وأعماله، وللنوع في اجتماعه وعمرانه، وهذا الكمال هو سعادة الدنيا- المفضية إلى السعادة الكبرى في الحياة الأخرى - كانت العبودية أشرف حال وأعظم مقام وأفضل وصف للإنسان، وكان أفضل إنسان أرسخ الناس قدما في هذا المقام. ولما كان النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- كذلك كان أفضل الخلق وكان- كما قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «سيد ولد آدم ولا فخر» - ولهذا ذكر بوصف العبودية في مقام التقريب والتكريم في قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} وفي مقام الترفيع والتعظيم في آية الإسراء وجعل على مقتضى ذلك وصفه به في ذكر الصلاة ومقام الثناء والدعاء.

ولفط العبد كما أنه أكمل وصف للإنسان على ما بينا- هو أصدق وصف له وأشده بعدا عن الكبرياء والعظمة والترفع.

ولذا لما خير النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بين أن يكون نبياً عبداً، فإن الملك لا بد له من مظاهر السيادة والسلطان، وإن كان بعدل وحق كملك داوود وسليمان- عليهما الصلاة والسلام- فاختار النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن يكون نبيا بدون هذا المظهر وكان الذي اختار أفضل.
وكان- صلى الله عليه وآله وسلم- في جميع حياته على أكمل حال في التواضع الذي هو من مظاهر كمال عبوديته لربه وكان يقول - صلى الله عليه وآله وسلم-: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».

وأما قوله "ورسولك" في الحديث المذكور فإن الرسول هو من بعثه الله تعالى- فضلا منه- ليبلغ شريعة، وقيامه بأعباء الرسالة هو من طاعته وعبوديته لربه.

فقدم لفط العبد على لفط الرسول تقديم العام على الخاص، وتقديم(2) الشرط على المشروط فإن الرسالة لا يفضل بها الله تعالى إلا أكمل عباده و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، وتقديم الترتيب لأنه كان عبداً قبل أن كان رسولاً، ولأن العبودية للخالق، والرسالة فيها انصراف- بأمر الله- للخلق.

والعبودية والرسالة هما الوصفان اللذان أمرنا النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أن لا نتجاوز حدهما في الثناء عليه. فقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» فنهانا عن إطرائه في المدح وهو المبالغة والغلو بوصفه بما لا يجوز كما غلت النصارى في عيسى- عليه الصلاة والسلام- فادعت فيه الألوهية ونسبت إليه ما لا يكون إلا لله، وبين لنا طريقة مدحه- صلى الله عليه وآله وسلم- بذكر كل ما لا يخرج به عن كونه عبداً من كل كمال، وبذكر كل ما يليق برسالته من عظيم الخصال. عليه وآله الصلاة والسلام (3).



(1) قال بعضهم أن العبد مأخوذ من الطريق المعبد أي المدلل بوطيء الأقدام. وهذا ليجعلوا الذل من مفهوم العبد. وأنا أرى أن الذل لازم لمفهوم العبد وهو المملوك وأنه هو أصل المادة وأن المعبد- اسم مفعول مشتق- هو المأخوذ منه فمعبد معناه مذلل كما يذلل العبد.

(2) لا تنس أن الشرط لا يلزم من وجوده الوجود فلا يلزم من وجود كمال العبادة- فرضا- وجود الرسالة لأن النبوة لا تكتسب.

(3) الشهاب: ج 9، م 5، ص 1 - 5 غرة جمادى الأولى 1348هـ - أكتوبر 1929م.

آخر التغريدات: