العلامة الفقيه الأصولي الشيخ أحمد الأطرش السنوسي

بقلم: أ.د.مسعود فلوسي-

في شهر نوفمبر من سنة 1997 ، شاركتُ في الملتقى الدولي حول "الإنسان في الكتب السماوية"، المنظم من قبل المعهد الوطني للتعليم العالي للحضارة الإسلامية بجامعة وهران، وتم على هامشه تكريم أحد أساتذة المعهد ومنحه درجة الدكتوراه الفخرية، عرفانا بما بذله من جهود في التعليم والخطابة والفتوى وما كان له من دور في ترقية المستوى العلمي للمعهد ونفع طلبته وباحثيه. وكان الرجل المكرم هو فضيلة العلامة الفقيه الأصولي الشيخ أحمد الأطرش الشريف السنوسي، الذي كنتُ قد تعرفت عليه قبل ذلك خلال مشاركتي في الملتقى الدولي الذي نظمه ذات المعهد في شهر أفريل سنة 1996، ولاحظتُ كما لاحظ غيري النشاط الكبير الذي كان يتحرك به، والمكانة المتميزة التي كان يحظى بها بين الطلبة والأساتذة والمعاملة الخاصة التي كانوا يعاملونه بها. وقد مرت بنا منذ أيام الذكرى السنوية الحادية عشرة لوفاته، فيجدر بنا أن نُعرف به ونذكر مآثره بهذه المناسبة. فمن هو هذا العلامة؟ وما هي الأعمال التي قام بها والخصال التي تحلى بها؟

نشأته وتكوينه:

هو أحمد الشريف بن آغا الشارف بن الحاج السنوسي بن عبد القادر بن أحمد بن العربي الصغير بن العربي الكبير الملقب بالأطرش الشريف السنوسي. وينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

والسنوسي نسبة إلى العائلة السنوسية المتفرعة عن السلاسة الحسنية، وهي العائلة التي كان منها الشيخ محمد بن علي السنوسي الكبير مؤسس الحركة السنوسية في ليبيا في القرن التاسع عشر.

كان مجيئ أحمد السنوسي إلى الدنيا يوم الاثنين 15 شوال 1337هـ، الموافق 14 جويلية 1919م، حيث ولد بقرية صغيرة قرب وادي الخير في مستغانم.

نشأ في عائلة شريفة ذات نسب وعراقة دأبت على الاحتفاء بحفظ كتاب الله عز وجل وتلقينه لأبنائها، وإكرام العلماء والصالحين وتوقيرهم، فقد كان والده آغا الشارف من أعيان البلاد ومن حملة كتاب الله وكان يشغل منصب آغا، وقد تولى تربيته أخوه الأكبر القايد العربي، نيابة عن والده الذي كان ما يزال حيا، لانشغاله بوظيفته.

عندما بلغ سن التعليم أرسله والده إلى كتاب قريته، حيث تولى تحفيظه القرآن الكريم شيخه محمد بالمختار، وما زال به حتى حفظ كتاب الله كاملا وهو في الحادية عشرة من عمره.

انصرف بعد ذلك إلى تلقي مبادئ العلوم الإسلامية والعربية في بلدته، وبعض المدن المجاورة لها، وممن تتلمذ عليهم وأخذ عنهم: الشيخ الجيلالي السجراري، والشيخ عبد الرحمن بلهواري، والشيخ محمد بن عبد الرحمن المازوني، والشيخ سيدي محمد بوعشبة، والشيخ العربي التواتي، والشيخ المولاي بن زقنون، رحمهم الله جميعا.

كما تعرف في تلك الأثناء على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله الذي كان يتولى شؤون جمعية العلماء في تلمسان حينئذ، ويتردد على مختلف مدن الغرب الجزائري، وقد استفاد كثيرا من الدروس التي كان يسمعها منه والمحاضرات التي يشهدها له.

وكان أبرز المشايخ والعلماء الذين انتفع بهم وأخذ عنهم الكثير وتأثر بهم أكثر من غيرهم؛ العلامة الشيخ أحمد التسولي المغربي خريج جامع القرويين بفاس، فقد لازمه ست سنوات متوالية (1932 ـ 1938).

كان من جملة العلوم التي درسها في هذه المرحلة: علم النحو، حيث حفظ ألفية ابن مالك وقرأ شرح كل من المكودي وابن عقيل عليها. وعلم القضاء، حيث حفظ متن "تحفة الحكام" المعروف بالعاصمية لابن عاصم وقرأ شرح التاودي عليها.

كما درس علم الفقه، من خلال مختصر خليل وعلم العروض وعلم البلاغة، من خلال كتاب الجوهر المكنون للشيخ عبد الرحمن الأخضري رحمه الله.

في عام 1361هـ، 1938م، قرر الاستزادة من العلم فشد الرحال إلى تونس أين التحق بجامع الزيتونة، ليقضي فيه ستة أعوام، حيث تخرج منه بشهادة التحصيل سنة 1367هـ، 1944م.

وقد تلقى العلم في الزيتونة على عدد من العلماء الأعلام المشهود لهم بالتفنن والتفوق في علوم الشريعة الإسلامية واللغة العربية، من بينهم العلامة الفقيه المحدث المفسر الجامع للعلوم الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله، وغيره من علماء الزيتونة، كالشيخ الشاذلي النيفر، والشيخ العربي كبادي، والشيخ الحبيب بالخوجة، والشيخ صالح بالخوجة، والشيخ عبد الواحد بالخوجة، والشيخ المختار بن محمود.

كما التقى ـ أثناء وجوده في تونس ـ بالشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، الذي كان في زيارة إلى هناك في مارس 1940م.

أعماله قبل الاستقلال وبعده:

بعد عودته إلى الجزائر أنشأ مدرسة في مسقط رأسه بإذن من والده، كان يلقي فيها دروسا في فنون عديدة من العلم.

وقد ارتبط في تلك الأثناء بزاوية الشيخ أبي عبد الله البطيوي، حيث كان على اتصال دائم بها وبشيخها.

كما انخرط في المجال السياسي من خلال الانضمام إلى حزب الشعب الجزائري سنة 1944، ونتيجة نشاطه الدائب، ألقي عليه القبض من طرف الاستعمار الفرنسي، وزُج به في معتقل جنان بورزق، أين قضى ستة أشهر، ليطلق سراحه بعد ذلك سنة 1945.

بعد خروجه من المعتقل التحق بالجامع الأخضر في قسنطينة مدرسا، وظل هناك إلى غاية سنة 1955، تاريخ إلقاء القبض عليه مرة أخرى من طرف الاستعمار، وقد تعرض هذه المرة للتعذيب والتنكيل كغيره من الوطنيين والمناضلين الجزائريين، وظل في السجن مدة عامين كاملين، ليطلق سراحه سنة 1957، ولكنه لم ينعم بالحرية سوى أسبوع واحد، حيث ألقت عليه الشرطة الاستعمارية القبض مرة أخرى وتم الزج به في السجن الذي بقي فيه عامين آخرين، حيث لم يطلق سراحه إلا سنة 1959.

بعد إطلاق سراحه، تم نفيه إلى مدينة وهران، أين وُضِعَ تحت الإقامة الجبرية، وألزم بإثبات حضوره يوميا في مركز الشرطة.

وقد انتهز فرصة وجوده بوهران ليلتحق بالعمل عند القاضي زيدان، حيث كان يساعده في تجديد الوثائق القديمة المتعلقة بالزواج والأملاك العقارية، وظل يعمل عنده إلى غاية تحرر البلاد من الاستعمار سنة 1962.

بعد الاستقلال التحق بسلك التربية والتعليم، حيث تولى إدارة مدرسة ابتدائية، ثم أصبح أستاذا في التعليم المتوسط، ثم أستاذا في معهد تكوين المعلمين "المعهد التكنولوجي"، ليلتحق بعد ذلك بمعهد التكوين الأصلي الذي ظل يدرس فيه إلى غاية إغلاقه.

وعند افتتاح المعهد الوطني للتعليم العالي للحضارة الإسلامية بوهران، التحق به، بطلب من مديره وأساتذته، ليشارك في تكوين الطلبة وإفادتهم بما آتاه الله عز وجل من علم وتجربة، فكان يفيدهم بما يلقيه عليهم من محاضرات، كما كان يكلفهم بالبحث والتنقيب في بطون الكتب، وقد أنجز كثير منهم ـ تحت إشرافه وتوجيهه ـ مئات من مذكرات وأبحاث التخرج في الفقه والأصول والمقاصد والتفسير والحديث وغيرها من العلوم الشرعية، تدريبا لهم على البحث وتعويدا لهم على التواصل مع المصادر والمراجع، حتى يكونوا جديرين بتولي مهم البحث والتأليف والإفادة لغيرهم في المستقبل.

وقد تكونت على يديه دفعات عديدة من الطلبة والباحثين الذين استفادوا من علمه وخبرته فعرفوا له قدره ومكانته وأنزلوه المنزلة التي يستحقها أمثاله من العلماء الربانيين العاملين.

وإلى جانب وظيفته في التربية والتعليم، كان يتولى الخطابة والتدريس في المساجد، ومنها بصفة خاصة مسجد الموحدين بمدينة وهران الذي ألقى فيه دروسا علمية كثيرة شرح فيها عددا من كتب التراث الإسلامي ومصادره، ومنها كتاب الموطأ للإمام مالك، وألفية ابن مالك في النحو، وألفية السيوطي في مصطلح الحديث وعلومه، ومتن ابن عاشر في الفقه المالكي، وغيرها..

كما تولى عضوية لجنة الفتوى على مستوى نظارة الشؤون الدينية بوهران، حيث كان يجيب عن أسئلة المستفتين، سواء من خلال نشر الإجابات في الصحف، أو تولي الإجابة عنها صوتيا عبر الإذاعة. كما اختير كعضو شرفي بأحد المجالس العلمية في المملكة المغربية.

مؤلفاته:

هذه الأعمال الكثيرة والكبيرة التي كان ينهض بها الشيخ أحمد الأطرش السنوسي، لم تمنعه من الاهتمام بالكتابة والتأليف، فقد لاحظ ـ أثناء عمله بالتدريس في المعهد العالي للحضارة الإسلامية وفي مسجد الموحدين ـ حاجة الطلبة والباحثين وعامة الناس إلى تبسيط العلوم الشرعية واللغوية وتيسيرها، ولذلك انبرى رحمه الله لإنجاز أعمال تأليفية في هذا الإطار، وكانت الحصيلة عددا من الكتب الهامة والنافعة التي ألفها الشيخ وتركها للأجيال الصاعدة من طلبة العلم لينتفعوا بما فيها من علم ويستفيدوا مما فيها فوائد.

ومن هذه المؤلفات:

1- كتاب تيسير الوصول إلى علم الأصول، وهو في أربعة أجزاء، طبع أولا في دار الغرب بوهران، وأعادت طبعه دار البصائر في الجزائر العاصمة سنة 2009، في مجلدين، كل مجلد يحتوي جزئين. وأصل الكتاب محاضرات ألقاها الشيخ في مادة أصول الفقه على طلبته في معهد الحضارة الإسلامية بوهران، وهذه المحاضرات غطت الموضوعات التي كانت مقررة في أصول الفقه على طلبة السنوات الأربعة بحسب نظام شهادة الليسانس القديم.

2- الإمام مالك ومدرسة المدينة، وقد طبع أولا في دار الغرب بوهران، ثم أعيد طبعه في دار البصائر بالجزائر العاصمة. وقد ألف الشيخ هذا الكتاب، دفاعا عن الإمام مالك رحمه الله وإبرازا لجهوده العلمية والمدرسة التي أسسها في المدينة المنورة.

3- منهاج الشريعة الإسلامية في النحو، وهو شرح لألفية ابن مالك، ويمثل خلاصة الدروس التي كان يلقيها على طلبته في المسجد. وقد طبع هذا الكتاب في دار البصائر بالجزائر العاصمة.

4- منهاج الشريعة الإسلامية في علوم الحديث، وهو شرح لألفية السيوطي في علوم ومصطلح الحديث. وقد طبع كذلك في دار البصائر بالعاصمة.

كما ترك كتبا أخرى ما تزال مخطوطة وربما يكون بعضها تحت الطبع،ومنها:

5- شرح موطأ الإمام مالك بن أنس رحمه الله، في الحديث والفقه.

6- شرح قطر الندى وبل الصدى، وهو متن موجز في النحو لابن هشام الأنصاري.

7- شرح ابن عاشر، وهو متن صغير في الفقه المالكي للعلامة عبد الواحد بن عاشر.

8- شرح العاصمية في أحكام القضاء، وهو شرح مفصل لمتن "تحفة الحكام" لابن عاصم الغرناطي.

وهذه الكتب أودعها خلاصة دروسه التي شرح فيها المتون المذكورة في مسجد الموحدين بوهران.

9- محاضرات في مقاصد الشريعة، وجمع فيه محاضراته التي ألقاها في موضوع المقاصد على طلبة السنة الرابعة في معهد الحضارة الإسلامية.

10- تاريخ الجزائر في خمسة قرون، وهو كتاب كبير كان يعتز به كثيرا، ويقع في 9 مجلدات، وكان دائبا في العمل على طباعته إلا أن المنية عاجلته قبل أن يتمكن من إخراجه.

11- أسئلة وأجوبة في مجال الإفتاء، نشرت في عدة جرائد.

12- محاضرات في مواضع مختلفة؛ دينية وتاريخية واجتماعية وتراجم أعلام.

إضافة إلى مئات الدروس الصوتية المسجلة على الأشرطة. ويمكن أن نضيف إلى هذه المؤلفات والأشرطة مقالات علمية صدرت للشيخ الأطرش السنوسي رحمه الله في مجلات أكاديمية محكمة، خصوصا مجلة الحضارة الإسلامية.

إضافة إلى مشاركاته في العديد من الملتقيات والندوات العلمية المحلية والدولية.

وعرفانا بجهود الشيخ أحمد السنوسي، وتقديرا لأعماله الرائدة، منحته جامعة وهران درجة الدكتوراه الفخرية، حيث سلمها له السيد مدير الجامعة في حفل أقيم على هامش الملتقى الدولي الذي أقيم في معهد الحضارة الإسلامية في شهر نوفمبر سنة 1997، بحضور عدد من العلماء العرب والمسلمين والأساتذة الجزائريين المشاركين في الملتقى، إضافة إلى العشرات من تلاميذ الشيخ ومحبيه.

وفاته:

بعد حياة حافلة بالأعمال الجليلة والجهود الكبيرة والآثار النافعة، امتدت على أكثر من ثمانين سنة، وبعد مرض ألم به وألزمه الفراش لأشهر عديدة، ، كانت وفاته في يوم الجمعة 9 جمادى الثانية سنة 1424هـ، الموافق 8 أوت 2003م.

خصاله:

الذين عرفوا الشيخ أحمد الأطرش السنوسي رحمه الله، سواء من خلال العمل معه، أو التتلمذ عليه، او حضور دروسه وخطبه، أو التعامل معه في واقع الحياة، يشهدون للرجل بدماثة خلقه وروحه المرحة ونفسه الطيبة وتحببه إلى الناس وحرصه على نفعهم وإفادتهم ونصيحتهم.

كما يشهدون له بالاستبحار في العلم والثقافة الواسعة والمعرفة العميقة بالناس والحياة. فقد كان الرجل على اطلاع واسع على الكتب والمصادر ومحتوياتها وتراجم المؤلفين والأعلام، كما كان على معرفة عميقة بالتاريخ قديمه وحديثه، وعلى دراية بالواقع وما يؤثر فيه من عوامل.

ويشهدون له أيضا بتواضعه النادر لطلبة العلم والباحثين وعطفه عليهم وتفننه في خدمتهم وبذل النصيحة لهم وإتاحته لهم الاستفادة من مكتبته الغنية بنفائس الكتب والمخطوطات القيمة.

آخر التغريدات: