ذكرى المولد النبوي الكريم

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

ألقى صاحب المجلة في هذه الذكرى خطابا إرتجله ارتجالا في ذلك المقام وقد نشرناه فيما يلي حسبما بقي في الذهن فكان طبق أصله إلا في القليل.

-1-

بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى اسم الجزائر الراسخة في إسلامها، المتمسكة بأمجاد قوميتها وتاريخها- افتتح الذكرى الأولى بعد الأربعمائة والألف من ذكريات مولد نبي الإنسانية ورسول الرحمة سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- في هذا النادي العظيم الذي هو وديعة الأمة الجزائرية عند فضلاء هذه العاصمة ووجهائها.

لسنا وحدنا في هذا الموقف الشريف لإحياء هذه الذكرى العظيمة، بل يشاركنا فيها نحو خمسمائة مليون من البشر في أقطار المعمور كلهم تخفق أفئدتهم فرحا وسرورا وتخضع أرواحهم إجلالا وتعظيما لمولد سيد العالين.

قلوب خمسمائة مليون! هذه قوة كبيرة في هذا العالم مرتبطة بالحب متدرعة بالإيمان فلو شعرت حقيقة الشعور ببعضها لأثمرت للإنسانية فوائد كبرى وعملتلها أعمالا عظيمة.

بل تشاركنا في موقفنا هذا الإنسانية كلها وإذا لم يكن بلسان مقالها فبلسان حالها. فمن الإسلام الذي جاء به صاحب هذه الذكرى عرفت الإنسانية وذاقت حرية العقول والرقاب، ومنه عرفت وذاقت العدل على أتم معناه، ومنه عرفت وذاقت المساواة بين العباد فيما هم متساوون فيه، وبهذه الأصول العظيمة أمكن اشتراك أمم كثيرة تحت راية الإسلام في خدمة العلم والمدنية حتى أزهرت رياضهما وسمت صروحهما في الشرق والغرب واغترفت من معينهما أبناء الإنسانية جمعاء.

نقلت المدنية الإسلامية أصول المدنيات السابقة نقل الأمين، ونخلتها نخل الناقد البصير، وزادت عليها من نتائج أفكارها وثمار أعمالها ما كان الأساس المتين لمدنية اليوم.

هذا الذي نقوله يعترف به العلماء المنصفون من الغربيين أنفسهم ويشهد به مثل قانون ابن سينا الذي لا زال يدرس إلى القرن الثامن عشر في جامعاتهم ومثل مقدمة ابن خلدون التونسي تلميذ مواطنينا شيوخ تلمسان، واضع علم الاجتماع المترجمة إلى جميع لغاتهم.

كنا نسمع هذا الاعتراف من الأفراد ولكننا اليوم صرنا نسمعه من الأمم ففي العام الماضي كان احتفال إسبانيا أمتها وحكومتها بانقضاء ألف سنة على تأسيس الخلافة الإسلامية في قرطبة، ومعنى ذلك الاعتراف لهذه الخلافة الإسلامية العربية بفضلها على مدنية اليوم، ورفعها منار العلم والعمران أيام كانت أمم الغرب في همجية عمياء، وفي هذه السنة كان الاحتفال في جامعة ألمانيا ببرلين بذكرى أبي القاسم الزهراوي الأندلسي الطبيب الجراح الذي لا تزال نظرياته واستنباطاته معتمدا عليها إلى اليوم، وكان الاحتفال في القاعة الكبرى التي لا يحتفل فيها إلا بأكابر العلماء الذين خدموا الإنسانية خدمة جليلة. ومعنى هذا الاعتراف لعلماء العرب بخدمة العلم والإنسانية في ظل الإسلام منذ قرن.

فالإسلام الذي جاء به صاحب هذه الذكرى هو أبو المدنية أمس واليوم- وأعني بمدنية اليوم المدنية من جهة العلم والعمران، لا من جهة الأخلاق والاجتماع فهنالك ما يتبرأ منه الإسلام.

لا عجب بعد هذا البيان أن نقول أن الإنسانية تشاركنا بالاحتفال في هذا المقام.

ما الداعي إلى إحياء هذه الذكرى؟

المحبة في صاحبها.

إن الشيء يحب لحسنه أو لإحسانه وصاحب هذه الذكرى قد جمع - على أكمل وجه- بينهما فله من الحسن ما كان به أكمل الناس حتى اضطلع بالقيام بأعباء ما جاء به ويعرف ذلك الكمال من درس أي خلق من أخلاقه وأي يوم من أيامه. وله من الإحسان ما أنقذ به البشرية وكان رحمة خاصة وعامة، وعم الإنسانية جمعاء على ما قدمنا في البيان.

فمن الحق والواجب أن يكون هذا النبي الكريم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا ومن الناس أجمعين ولو لم يقل لنا في حديثه الشريف «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» وكم فينا من يحبه هذه المحبة ولم يسمع بهذا الحديث؟

فهذه المحبة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كل عام.

ما الغاية من تجديد هذه الذكرى؟

إستثمار هذه المحبة.

إن محبتنا فيه تجعلنا نحب كل خلق من أخلاقه وكل عمل من أعماله. ففي ذكريات مولده نذكر من أخلاقه ومن أعماله ما يزيدنا فيه محبة ويحملنا على الاقتداء به فنستثمر تلك المحبة بالهداية في أنفسنا، ونشرها في غيرنا، تلك الهداية التي لا يسعد العالم سعادة حقة إلا إذا تمسك بها.

ماذا نريد أن نذكر في مجلسنا هذا منها؟

عندما أصل إلى هذا المقام وأقف أمام أخلاقه وأعماله- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- أجدني أمام ما يتقاصر عنه علمي ويتضاءل أمامه شخصي وأنشد ما قاله شاعرنا العربي:

هو البحر من أي الجهات أتيته … فلجته المعروف والجود ساحله

ومن أين لعاجز مثلي أن يفي خلقا من أخلاقه أو عملا من أعماله حقه من البيان؟
لكنني سأقول على كل حال حسب جهدي، وأقتصر على ذكر خلقين من أخلاقه أراهما ركنين أساسيين في حياته وفي شريعته وهما:

الرحمة ……… والقوة
إذا أراد الله تعالى شيئاً هيأ أسبابه. فمع علمنا بأن ما كان له - صلى الله عليه وآله وسلم- من الرحمة والقوة هو من العطاء الرباني والفيض الإلهي الذي تقصر عنه وسائل العباد، فإننا لا نمتنع من ذكر ما هيأ الله له من أسباب مناسبة لهذين الخلقين. فمن العبادة الفكرية النظر في صنع الحكيم العليم في ربط الأمور بعضها ببعض واقترانها في الوجود والتقدير. فلنبحث في هذين الخلقين وما هُيِّء لهما من حال مناسب، وما نشأ عنهما من أخلاق فاضلة وما كان لهما من ثمار محمودة، ومظاهر في حياته وشريعته جليلة جلية، لنزداد بصيرة في العلم، وهداية في الاقتداء فنقول (1):

-2-

مبدأ رحمته:

كان- صلى الله عليه وآله وسلم- يتيما في صغره مات أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن بضع سنوات فأورثه ذلك اليتم رقة في قلبه. وما كانت كفالة جده ولا عمه، ولا حضانة نسائهم بمغنية عن عطف الأم وحنانها، ولا جابرة صدع القلب من فقدها، وهذه الرقة هي فيه أساس الرحمة.

مبدأ قوته:

وكان- صلى الله عليه وآله وسلم- ابن بيت عظيم، يشهد مجالس جده عبد المطلب شيبة الحمد وأعمامه من حوله، ويرى هيبتهم ومكانتهم في قومهم فأورثه ذلك عظمة وعزة نفس: عزة أنفة وإباءة، وعظمة وشرف وكرم وترفع عن الدنايا. ولا ينكر تأثير اسم العائلة وتاريخها ومشاهدة حال أفرادها في أبنائها. وأنا أعرف شخصاً ما قرأ العلم ولا اجتهد فيه- في أول أمره- إلا لعلمه بأن أجداده كانوا علماء. وهذه العظمة هي أساس القوة.

مظاهر رحمته:

كانت رحمته بالمرسل إليهم: فأدمي ساقه، وشج وجهه، وكسرت رباعيته- وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقال تعالى في رحمته بمن أرسل إليهم: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ "قاتل" نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} وكان كما قال تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ورحمته للعالم كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

مظاهر قوته:

كانت قوته لتحمُّل أعباء الرسالة وتبليغها للخلق، قوة أدبية وقوة حربية. فمن الأولى ثباته في مواقف التبليغ، كقوله لعمه أبي طالب - وقد فهم منه أنه ضعف عن نصره وأنه مسلِّمُه-: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». ومن الثانية ثباته في ميادين القتال ومواقف البأس كما ولى عنه الناس يوم حنين- وهو يقول راكباً على البغلة التي لا يركبها إلا من لا يفر-: «أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» معلناً مكانه مظهراً نفسه أمام الأعداء الآتين من كل صوب.

آثار القوة والرحمة في أخلاقه:

كان- صلى الله عليه وآله وسلم- صادقاً أميناً عادلاً، معروفاً بهذه الصفات بين قومه قبل نبوته.

الأمانة:
هي حفظ الشخص ما استودع، وأول ذلك حفظه نفسه فيثق به الناس في حفظ ما يستودعونه.
وقد كانت قريش- وهي كافرة به- تودع عنده أموالها. ولما خرج مهاجراً ومعه الصديق رضي الله تعالى عنه خلف ابن عمه حيدرة علي بن أبي طالب كرم اللهُ وجهه لينام على فراشه معرضا نفسه لسيوف قريش المتآمرين على قتل النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- في تلك الليلة، وليرد أمانات الناس إليهم ويلحقه بأهله.

الصدق:
هو قول الحق في جميع المواطن. وقد شهد له أبو سفيان- وهو إذ ذاك أكبر عدو له- في مجلس قيصر بالصدق: سأله قيصر هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. قال قيصر: قد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.

العدل:
وهو الإنصاف في الحكم. وقد رضيت به قريش حكماً بين كبرائها لما تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى محله أيام جددوا بناء الكعبة، ذلك لما عرفوا من عدله.

والرحمة والقوة أساسان لهاته الأخلاق. فمن الرحمة بالنفس وبصاحب الشيء، ومن القوة على النفس وعلى النزعات والعواطف تكون الأمانة، ومن الرحمة بالمظلوم والقوة على الظالم يكون الحكم العادل، فإن القاسي العديم الرحمة لا يبالي بالمظلوم وأن الضعيف تكسره رهبة الظالم عن الصدع بالحكم ويقصر عن تنفيذه. وضعيف القلب تؤثر عليه المؤثرات حتى مرققات العواطف، ولهذا قال جمهور أئمة الإسلام: أن المرأة لا تصلح للحكم لرقة عواطفها وضعف قلبها، فقد تخدعها الدموع الكواذب، وقد تميل بها عاطفة الحب والقرابة. والصدق- وهو من مقتضيات الأمانة لأنه حفط اللسان- لا يقوم به إلا رحيم بالسامعين يشفق عليهم لا يخدعهم قوي شجاع لا يبالي في قول الحق بهم.

إهتمامه بالخلق:

كان هذا العظيم النفس الرقيق القلب، الرجل القوي الرحيم، يرى انحطاط قومه في المعتقد والأخلاق والمجتمع فتسمو به نفسه العظيمة عن البقاء في تلك البيئة المنحطة والوسط المريض، وتأبى عليه رحمته أن يتركهم فيما هم عليه فكان دائم الاهتمام بهم، دائم التفكير في الطريق الذي يسلكه لإنقاذهم.

إنقباضه عنهم:

كان ينعزل عنهم ويذهب إلى غار حراء الليالي العديدة حاملاً عبء همه غارقاً في تفكيره. ولم يكن اختلاؤه في غار حراء مثل اختلاء متصوفة الهند الذين ينعزل أحدهم عن الناس ويذهب في أودية الخيال لتحصيل حالة نفسية خاصة به يعدها نعيماً روحياً. بل كان اختلاؤه وانعزاله للتفكير في طريق خلاص العالم من الضلال والقيام بخدمة عظيمة عامة البشر، وشتان ما بين الحالتين.

نبوءته:

جاءه جبريل بالوحي وهداه الله بالنبوة إلى طريق الخلاص، وشرح صدره لما جاءه من الحق، ووضع عنه عبء ذلك الهم الثقيل وبعثه للعالمين بشيراً ونذيراً.

الرحمة والقوة في شريعته:

ولو تتبعت أصول شريعته وفروعها وآدابها لوجدتها كلها مبنية على أساسي الرحمة والقوة. فليس من الإسلام ذلك التماوت وذلك التمسكن الذي يتظاهر به بعض الناس. وقد قال عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وقد رأى قوما من هذا الصنف: "لا تميتوا علينا ديننا، أماتكم الله"، وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وقد رأت قوما يتماوتون في مشيتهم، من هؤلاء؟ فقيل لها قوم من القراء، فقالت: "لقد كان عمر سيد القراء وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع".

ولو بحثت عن أسباب انتشار المملكة الإسلامية المبنية على الشريعة المحمدية لوجدت أصل تلك الأسباب هذين الأساسين: الرحمة والقوة. فإن الضعيف مغلوب، وإن القاسي مبغوض. ولا يسود ويحب- كما كان للإسلام- إلا القوي الرحيم.

رزقنا الله القوة في قلوبنا وعقولنا وأرواحنا وأبداننا، وأشعرنا الرحمة بأنفسنا وببعضنا وبغيرنا، إنه القوي المتين، الرحمن الرحيم (2).


1-الشهاب: ج 9، م 5، ص 6 - 9 غرة محرم 1348هـ - أكتوبر 1929م.

2-الشهاب: ج 10، م 5، ص 5 - 8 غرة جمادى الثانية 1318هـ - نوفمبر 1929م.

آخر التغريدات: