على ذكرى المولد النبوي الشريف التجدد في كل مولد

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

ما كانت هذه الدار الدنيا دار بقاء وإنما هي دار فناء. وما بقيت عناصرها المادية في الوجود إلا بما أجراه الله عليها من سنة التجديد في الخلق ليقوم الجديد مقام ما أتى عليه الفناء.

وهذا الإنسان المثال المصغر من العالم الأكبر قال فيه العلماء:

إنه في كل سبع سنوات تفنى جميع أجزائه المادية وتخلفها أجزاء أخرى. فلذاته على رأس السنوات السبع اللاحقة، غير ذاته على رأس السنوات السبع السابقة، وهكذا حتى يستكمل ما قدر له من البقاء في الدنيا.

وتاريخ البشرية من أقدم عصورها يدل على أنها لم تفارقها هذه السنة: سنة التجديد إثر الفناء.
وقد كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، هم أساس كل تجديد في تاريخ البشرية كلٌّ في الأمة التي أرسل إليها.

حتى إذا كان الفساد العام في شؤون الدنيا بطواغيت الملك، وفي شؤون الدين بطواغيت الكهنوتية، وفنيت معالم الحضارة بمثل الحروب الرومانية الفارسية واندثرت حقائق الدين وشوهت بالمجادلات المذهبية، والرسوم والأوضاع البدعية- حتى إذا كان هذا الفساد والفناء العامان أرسل الله تعالى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رحمة للعالمين بالتجديد العام. فيوم ولادته- صلى الله عليه وآله وسلم- هو يوم ولد في العالم ولادة جديدة.

فلنجعل يوم ولادته من كل عام يوما نعزم فيه على تجديدنا تجديداً روحياً وعقلياً وأخلاقياً وعملياً وتاريخياً تجديداً إسلامياً محمدياً في جميع ذلك. لنولد في عامنا الجديد ولادة جديدة وهكذا نجدد ونتجدد في كل ذكرى مولد.

علينا أن نتفقد عقائدنا وأخلاقنا وأعمالنا ونعزم فيما اندثر منها على التجديد ولنعين بعضها ولنجعله على الخصوص محل العناية الكبرى بالتجديد منا حتى نحاسب أنفسنا عليه في الذكرى الآتية.

أما كاتب هذه السطور فقد عزم على تجديد ما فني من قلوب المسلمين من عقيدة: "إنهم بالإسلام هم أفضل الأمم" ليدعوهم بذلك إلى التمسك بأخلاق الإسلام وآداب الإسلام وعدل الإسلام وإحسان الإسلام. إذ في ذلك سعادتهم وسعادة البشرية كلها ممهم وافه المستعان .


ش: ج 7، م 10، ص 300 - 301، غرة ربيع الأول 1353هـ - 14 جوان 1934م.

آخر التغريدات: