تفسير ابن باديس

إعداد وتقديم: د.البشير صوالحي-

يصف الشيخ البشير الإبراهيمي ابن باديس أنه كان صاحب ذوق خاص في فهم القرآن كأنه حاسة زائدة خص بها. يرفده-بعد الذكاء المشرق، والقريحة الوقّادة، والبصيرة الناقدة-بيان ناصع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الإجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه.يمد ذلك كله شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يرزقهما إلاّ الأفذاذ المعدودون في البشر.

وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح، والتربية والتعليم: وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلاّ بالرجوع إلى هدايته والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله.

وكان يرى -حين تصدى لتفسير القرآن- أن تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم، لذلك آثر البدأ بتفسيره درسا تسمعه الجماهير فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجله المريض المنهك من الدواء، وما يتعجله المسافر العجلان من الزاد.

فاقتصر على تفسير القرآن درسا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي، وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة.ولم يختم التفسير درسا ودراية بهذا الوطن غيره، منذ ختمه" أبو عبد الله الشريف التلمساني" في المائة الثامنة.

ولكن الله تعالى أبى إلاّ أن يذيع فضله وعلمه.فألهمه كتابة مجالس معدودة من تلك الدروس، وكان ينثرها فواتح لأعداد مجلة "الشهاب" ويسميها "مجالس التذكير".

وإيمانا منّا بأهمية هذا التفسير الجليل، ننشر نماذج منه على حلقات متتالية إحياء لتراث ابن باديس وإلهاما لأجيالنا القادمة.

العلم أساس السلوك

قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} (الإسراء: 36).

العلم الصحيح، والخلق المتين، هما الأصلان اللذان ينبني عليهما كمال الإنسان، وبهما يضطلع بأعباء ما تضمنته الآيات المتقدمة، من أصول التكليف؛ فهما أعظم مما تقدمهما من حيث توقفه عليهما. فجيء بهما ليكون الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى. ولما كان العلم أساس الأخلاق قدمت آيته على آيتها تقديم الأصل على الفرع.

آية العلم

(القفو): اتباع الأثر، تقول قفوته أقفوه، إذا اتبعت أثره. المتبع لأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه؛ فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه، ولا نهاية سيره. فالقفو: اتباع عن غير علم، فهو أخص من مطلق الاتباع، ولذلك اختيرت مادته هنا. ولكونه اتباعا بغير علم، جاء في كلام العرب بمعنى قول الباطل قال جرير:

وطَالَ حذاري خِيفة البين ***   وأُحْدُوثة من كاشحٍ متقوفِ

(والعلم) إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة، سواء أكانت تلك البينة حساً ومشاهدة، أو كانت برهاناً عقلياً: كدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع. فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن. هذا هو الأصل. ويطلق العلم أيضا على ما يكاد يقارب الجزم ويضعف فيه احتمال النقيض جداً. كما قال تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام: {وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين} (يوسف: 83) فسمى القرآن إدراكهم لما شاهدوا علماً؛ لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه.

(والسمع): القوة التي تدرك بها الأصوات بآلة الأذن. (والبصر): القوة التي تدرك بها الأشخاص والألوان بآلة العين. وقدم السمع على البصر، لأن به إدراك العلوم وتعلم النطق، فلا يقرأ ولا يكتب إلا من كان ذا سمع وقتاً من حياته.

والفؤاد: القلب، والمراد به هنا العقل من حيث اعتقاده لشيء ما. وإطلاق لفظ الفؤاد والقلب على العقل مجاز مشهور. وكان تفيد ثبوت خبرها لاسمها، وكونها على صورة الماشي لا يدل على انقضاء ذلك الارتباط. ومثل هذا التركيب يفيد في استعمال استحقاق الاسم للخير؛ فالجوارح مستحقة للسؤال، ويكون ذلك بالفعل يوم القيامة. (والمسؤول): الموجّه إليه السؤال ليجيب.

(وأولئك): إشارة إلى هذه الثلاثة. وضمير كان عائد على كل، وضمير (عنه) عائد على ما، وضمير مسؤولا عائد على ما عاد عليه ضمير كان. والتقدير: كل واحد من هذه الثلاثة: السمع، والبصر، والفؤاد، كان مسؤولاً عما ليس لك به علم.

العقل ميزة الإنسان وأداة علمه:

يمتاز الحيوان عن الجماد بالإدراك، ويمتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل، وعقله هو القوة الروحية التي يكون بها التفكير. وتفكيره هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجاباً وسلباً، وارتباط بعضها ببعض نفياً وثوتاً. وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك على صورة مخصوصة، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول.

فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشف ما دام مفكراً. ولما امتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل والتفكير – امتاز عنه بالتنقل والتحول في أطوار حياته، ونظم معيشته بمكتشفاته ومستنبطاته: فمن المشي على الأقدام، إلى التحليق في الجو، مثلا. وبقي سائر الحيوان على الحال التي خُلق عليها دون أي انتقال. وبقدر ما تكثر معلومات الإنسان، ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها، ويستقيم تنظيمه لها – تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس والمعقول، وقسمي العلوم والآداب.

وهذا كما كان العرب والمسلمون أيام، بل قرون مدنيتهم: عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم، ونظروا وصححوا واستدركوا واكتشفوا؛ فأحيوا عصورهم علم من كانوا قبلهم، وأناروا بالعلم عصرهم. ومهدوا الطريق ووضعوا الأسس لما جاء بعدهم؛ فأدوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها له أمة في حالها وماضيها ومستقبلها.

وكما نرى الغرب في مدنيته اليوم:

ترجم كتب المسلمين فعرف علوم الأمم الخالية التي حفظتها العربية وأدتها بأمانة. وعرف علوم المسلمين ومكتشفاتهم، فجاء هو أيضا بمكتشفاته العجيبة التي هي ثمرة علوم الإنسانية من أيامها الأولى إلى عهده وثمرة تفكيره ونظره فيها.

وقد كانت مكتشفاته أكثر من مكتشفات جميع من تقدمه – كما كانت مكتشفات صدر هذا القرن أكثر من مكتشفات عجز القرن الماضي – لتكاثر المعلومات؛ فإن المكتشفات تضم إلى المعلومات، فتكثر المعلومات، فيكثر ما يعقبها من المكتشفات على نسبة كثرتها. وهكذا يكون كل قرن – ما دام التفكير عمّالاً – أكثر معلومات ومكتشفات من الذي قبله. فإذا قلت معلوماته قلّت اكتشافاته. وهذا كما كان النوع الإنساني في أطواره الأولى. وإذا كثرت معلوماته وأهمل النظر فيها.. بقي حيث هو جامداً، ثم لا يلبث أن تتلاشى من ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل؛ لأن المعلومات إذا لم تتعاهد بالنظر زالت من المحافظة شيئاً فشيئا. وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في ايامها الأخيرة، عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية – بسنة الله – بسقوطها.

وإذا لم يصح إدراكه للحقائق، أو لنسبها، أو لم يستقم تنظيمه لها – كان ما يتوصل إليه بنظره خطأ في خطأ وفساداً في فساد. ولا ينشأ عن هذين إلا الضرر في المحسوس، والضلال في المعقول. وفي هذين هلاك الفرد والنوع جزئياً وكلياً من قريب أو من بعيد. وهذا هو طور انحطاط التام، وذلك عندما يرتفع منها العلم، ويفشو الجهل، وتنتشر فيها الفوضى بأنواعها، فتتخذ رؤوساً جهالاً لأمور دينها وأمور دنياها، فيقودونها بغير علم، فيضلون ويُضلون، ويهلكون ويُهلكون، ويفسدون ولا يصلحون. وما أكثر هذا – على أخذه في الزوال بإذن – في أمم الشرق والإسلام اليوم.

قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} (الإسراء: 36).

العلم وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات

سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطا وثيقاً: يستقيم باستقامته ويعوج باعوجاجه، ويثمر بإثماره، ويعقم بعقمه؛ لأن أفعاله ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الاعتقادات، واعتقاداته ثمرة إدراكه عن تفكيره ونظره. وهذه الإدراكات الحاصلة عن التفكير والنظر ليست على درجة واحدة في القوة والضعف فمنها ما هو قوي معبر، ومنها ما هو ضعيف ساقط عن الاعتبار.

فالأول: العلم وهو إدراك أمر على وجه لا يحتمل أن يكون ذلك الأمر على وجه من الوجوه سواه، وهو علم الاعتبار. ويليه الظن، وهو إدراك لأمر على وجه هو أرجح الوجوه المحتلة، وهو معتبر عندما تتبين قوة رجحانه فيما لا يمكن فيه إلا ذاك. وهذه هي الحالة التي يطلق عليه فيها لفظ العلم مجازاً.

والثاني: الوهم، وهو إدراك الأمر على الوجه المرجح.

والشك، وهو إدراك الأمر على وجهين، أو وجوه متساوية في الاحتمال، وكلا هذين لا يعول عليه.

ولما كان الإنسان – بما فطر عليه من الضعف والاستعجال – كثيراً ما يبني أقواله وأفعاله واعتقاداته على شكوكه وأوهامه، وعلى ظنونه حيث لا يكتفي بالظن، وفي هذا البناء الضرر والضلال.. بيّن الله تعالى لعباده في محكم كتابه أنه لا يجوز لهم، ولا يصح منهم البناء لأقوالهم وأعمالهم، واعتقاداتهم إلا على إدراك واحد وهو العلم، فقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} أي لا تتبع ما لا علم لك به فلا يكن منك اتباع بالقول، أو بالفعل، أو بالقلب، لما لا تعلم، فنهانا عن أن نعتقد إلا عن علم أو نفعل إلا عن علم، أو نقول إلا عن علم.

فما كل ما نسمعه وما كل ما نراه نطوي عليه عقد قلوبنا، بل علينا أن ننظر فيه، ونفكر، فإذا عرفناه عن بينة اعتقدناه، وإلا تركناه حيث هو، في دائرة الشكوك والأوهام، أو الظنون التي لا تعتبر. ولا كل ما نسمعه أو نراه نتخيله نقوله. فكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع، كما جاء في الصحيح.

بل علينا أن نعرضه على محك الفكر، فإن صرنا منه على علم قلناه، مراعين فيه آداب القول الشرعية، ومقتضيات الزمان والمكان والحال، فقد أمرنا أن نحدث الناس، بما يفهمون – وما حدث قوم بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان عليهم فتنة –وإلا طرحناه. ولا كل فعل ظهر لنا نفعله. بل حتى نعلم حكم الله تعالى فيه، لنكون على بينة من خيره وشره، ونفعه وضره. فما أمر تعالى إلا بما هو خير وصلاح لعباده، وما نهى تعالى إلا عما هو شر وفساد لهم، أو مؤد إلى ذلك.

وإذا كان من المباحات نظرنا في نتائجه وعواقبه ووازنا بينها، فإذا علمنا بعد هذا كله من أمر ذلك الفعل ما يقتضي فعله فعلناه وإلا تركناه. فلا تكون عقائدنا –إذا تمسكنا بهذا الأصل الإسلامي العظيم- إلا حقاً. ولا تكون أقوالنا إلا صدقاً. ولا تكون أفعالنا إلا سداداً.

ولعمر الله إنه ما دخل الضلال في عقائد الناس، ولا جرى الباطل والزور على ألسنتهم، ولا كان الفساد والشر في أفعالهم، وإلا بإهمالهم، أو تساهلهم في هذا الأصل العظيم.

المعنى:

نهينا عن أن نتبع ما ليس لنا به علم، فالذي نتبعه هو ما لنا به علم؛ أي لنا به علم يقتضي اتباعه بأن يكون من عقائد الحق، وأقوال الصدق، وأفعال السداد. فأما كان من عقائد الحق في أمر الدين، أو في أمر الدنيا، فلا حظر في اعتقاد شيء منه. وأما ما كان من أفعال السداد فكذلك. وأما ما كان من أقوال الصدق ففيه تفصيل: إذ ليس كل قول صدق يقال.

فالنقائص الشخصية في الإنسان لا تقال في غيبته: لأنها غيبة محرمة، ولا يجابه بها في حضوره لأنها أداة؛ إلا إذا ووجه بها على وجه النصيحة بشروطها المعتبرة، التي من أولها ألا تكون في الملأ. وهكذا يحدث في مثل هذه الأصول الكلية عندما يتفقه فيها، أن ينظر فيما جاء من الآيات والأحاديث مما في البيان لها، والتفصيل في مفاهيمها.

تفريع:
الفرع الأول:

من اتبع ما ليس به علم فاعتقد الباطل في أمر الدين، أو في حق الناس، أو قال الباطل كذلك فيهما، أو فعل المحظور.. فهو آثم من جهتين:

1. اتباعه ما ليس له به علم.

2. واعتقاده أو قوله للباطل وفعله للمحظور.

ومن اعتقد حقاً من غير علم، أو قال في الناس صدقاً عن غير علم، أو فعل غير محظور عن غير علم فإنه –مع ذلك- آثم من جهة واحدة، وهي اتباعه ما ليس له به علم، ومخالفته لمقتضى هذا النهي.

الفرع الثاني:

المقلد في العقائد الذي لا دليل عنده أصلاً، وإنما يقول: سمعت الناس يقولون فقلت. هذا آثم لاتباعه ما ليس له به علم. فأما إذا كان عنده دليل إجمالي كاستدلاله بوجود المخلوق على وجود خالقه فقد خرج من الإثم، لتحصيل هذا الاستدلال له العلم.

والمقلد في الفروع دون علم بأدلتها متبع لمفتيه فيها، يصدق عليه باعتبار الأدلة التي يجهلها أنه متبع ما ليس له به علم، ولكنه له علم من ناحية أخرى وهي علمه بأن التقليد هو حكم الله تعالى في حق مثله من العوام، بما أمر تعالى من سؤال أهل العلم، وما رفع عن العاجز من الإصر، وهو من العامة العاجزين عن درك أدلة الأحكام.

نصيحة على هذا  الفرع:

أدلة العقائد مبسوطة في القرآن العظيم بغاية البيان ونهاية التيسير. وأدلة الأحكام أصولها مذكورة كلها فيه، وبيانها وتفاصيلها في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم.

فحق على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائد الدينية، وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم؛ إذ يجب على كل مكلف أ يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم. ولن يجد العامي الأدلة لعقائد سهلة قريبة إلا في كتاب الله، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد للمسلمين إليه. أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المكلفين الصعبة ذات العبارات اصطلاحية، فإنه من الهجر لكتاب الله وتصعيب طريق العلم إلى عباده وهم في أشد الحاجة إليه. لقد كان من نتيجة ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه.

ومما ينبغي لأهل العلم أيضا –إذا أفتوا أو أرشدوا- أن يذكروا أدلة القرآن والسنة لفتاويهم ومواعظهم، ليقربوا المسلمين إلى أصل دينهم ويذيقوهم حلاوته، ويعرفوهم منزلته، ويجعلوه منهم دائماً على ذكر، وينيلوهم العلم والحكمة من قريب، ويكون لفتواهم ومواعظهم رسوخ في القلوب، وأثر في النفوس. فإلى القرآن والسنة –أيها العلماء- إن كنتم للخير تريدون.

الفرع الثالث:

المجتهد إذا أفتى مستنداً إلى ما يفيد الظن من أخبار الآحاد، أو الأقيسة أو النصوص الأخرى الظنية الدلالة – هل هو متبع لغير العلم؟

الجواب لا؛ بل هو متبع العلم، وذلك من ثلاثة وجوه:

الأول: أن كل دليل يكون ظنياً بمفرده –يصير يقيناً إذا عرض على كليات الشرع ومقاصده، وشهدت له الصواب، وهذا هو شأن المجتهدين في الأدلة الفردية.

الوجه الثاني: أن المجتهد يعتمد في الأخذ بالأدلة الظنية لما له من العلم بالأدلة الشرعية الدالة على اعتبارها.

الوجه الثالث: أن تلك الأدلة بمفردها تفيد الظن القوي، الذي يكون جزماً ويسمى –كما تقدم- علما، فما اتبع المجتهد إلا العلم.

الفرع الرابع:

لا تعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم من الحديث الضعيف؛ لأنه ليس لنا علم به. فإذا كان الحكم ثابتاً بالحديث الصحيح مثل قيام الليل، ثم وجدنا حديثاً في فضل قيام الليل يذكر ثواب عليه مما يرغب فيه –جاز عند الأكثر أن نذكره مع التنبيه على ضعفه الذي لم يكن شديداً على وجه الترغيب. ولو لم يكن الحكم قد ثبت لما جاز الالتفات إليه، وهذا هو معنى قولهم: (الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال)، أي في ذكر فضائلها المرغبة فيها لا في أصل ثبوتها. فما لم يثبت بالدليل الصحيح في نفسه، لا يثبت بما جاء من الحديث الضعيف في ذكر فضائله، باتفاق من أهل العلم أجمعين.

الفرع الخامس:

أحوال ما بعد الموت كلها من الغيب، فلا نقول فيها إلا ما كان لنا به علم: بما جاء في القرآن العظيم، أو ثبت في الحديث الصحيح. وقد كثرت في تفاصيلها الأخبار من الروايات مما ليس بثابت، فلا يجوز الالتفات إلى شيء من ذلك. ومثل هذا كل ما كان من عالم الغيب مثل الملائكة والجن والعرش، والكرسي، واللوح، والقلم، وأشراط الساعة، وما لم يصل إليه علم البشر.

سؤال الجوارح يوم الهول الأكبر:

{إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}. من قال ما لم يسمع، سئل يوم القيامة سمعه فشهد عليه. ومن قال: رأيت ولم ير سئل بصره فشهد عليه. ومن قال: عرفت، ولم يعرف، أو اعتقد ما لم يعلم، سئل فؤاده فشهد عليه: لأنه في هذه الأحوال الثلاثة قد اتبع ما ليس به علم. وهذه الشهادة كما قال تعالى: {يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} (النور: 2) هذه الثلاثة تسئل على وجوه منها ما تقدم، وهو الذي يرتبط به هذا الكلام بما تقدم من النهي.

ومنها سؤال السمع: لم سمع ما لا يحل؟ ولم لم يسمع ما يجب؟

وسؤال البصر: لم رأى ما لا يحل؟ وعن جميع أعمال البصر، من نظر البغض والاحتقار ونحو ذلك؟ وسؤال الفؤاد: عما اعتقد؟ وعما قصد؟ وجميع أعمال القلوب؟

فوائد ختام الآية:

فختام لطرق العلم، وتنبيه على لزوم حفظها واحدة واحدةً. وترهيب للإنسان من اتباع ما لم يعلم بما يؤول إليه أمره من فضيحة يوم القيامة، وخزي بشهادة جوارحه عليه. فالله نسأل أن يجعلنا متبعين للعلم في جميع ما نعمل، ويثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

آخر التغريدات: