ماذا خسر المسلمون بوفاة مالك بن نبي؟

بقلم: محمد بوالروايح -

عاش مالك بن نبي مداعبا للقلم، ناثرا للعلم، في زمن كان فيه الجهل ضاربا بجيرانه في الجزائر، التي طوقها الاستعمار كما طوق كثيرا من البلدان، حيث سادت الأمية، وأصبح حلم المحظوظين من الجزائريين دخول الكتاب، الذي دخله مالك بن نبي، وحفظ فيه آي الكتاب، ولما نضجت ملَكته قليلا طفق يقرأ كل ما يقع في يديه من كتب العلوم المدنية التي حرص على أن تكون موصولة بالتربية الدينية التي نشأ عليها، وقد استطاع بعد مدة أن يستوعب منها ما عجز عنه أقرانه، ومما أعانه على ذلك- كما يذكر من ترجموا لحياته- قدرته الخارقة على التحصيل التي أشفعها بقوة التأصيل، التي أثمرت بعد ذلك شخصية فكرية متميزة يميزها بُعد النظر، وقوة الفكر.

هاجر مالك بن نبي وهو في عنفوان الشباب، حيث استقر به المقام في باريس وكان يأمل دخول معهد الدراسات الشرقية، ولكن حيل بينه وبين ذلك فلم تخُر عزيمته ولم تلِن إرادته، فصرف النظر مرغما لا راغبا، وركَّز جهده على دراسة الهندسة الكهربائية، وهناك أكمل نصف دينه بزواجه من فتاة فرنسية أعجبت بشخصيته ودماثة أخلاقه وسعة أفقه الفكري.

وفي باريس ظهرت مشاريع ابن نبي الفكرية التي كانت مشوبة بأصالته الإسلامية ونزعته الوطنية، وهو ما ظهر جليا في أول محاضرة ألقاها في باريس بعنوان: "لماذا نحن مسلمون؟" التي جلبت له غضب الإدارة الاستعمارية، حيث تعرَّض للاستنطاق من قبل البوليس الفرنسي، وامتد التضييق إلى أسرته في الجزائر، ولكن برغم هذه الحال العصيبة، كان لفيفٌ من المستشرقين ينظرون إلى ابن نبي نظرة إكبار، ومنهم المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي رغب في مقابلته لما آنس فيه من التألق الفكري الذي تؤشر إرهاصاته الأولى عن شخصية فكرية متميزة، وقد بقي لويس ماسينيون مهتما بمالك بن نبي وفكره إلى مرحلة متقدمة من حياته.

لقد كتب أبو الحسن الندوي كتابه: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" وأريد أن أحاكيه في ذلك ولكن بصيغة أخرى: "ماذا خسر المسلمون بوفاة مالك بن نبي؟". لا مراء في أن الموت أجلٌ محتوم يجري على كل الأحياء، ولكنّ هناك صنفاً من الناس يموتون في عالم الأرواح، ولكنهم يظلون أحياء في عالم الأفكار، تذكرهم الأجيال كابرا عن كابر.

لقد خسر المسلمون بوفاة مالك بن نبي مفكرا كبيرا أثنى على أعماله الفكرية ونظرياته الحضارية كثير من أساطين الفكر، قال فيه المفكر الإسلامي السوري محمد المبارك: (إن مالكاً لا يبدو في مجموع آثاره مفكراً كبيراً وصاحب نظرية فلسفية في الحضارة فحسب، بل داعية مؤمناً يجمع بين نظرة الفيلسوف المفكر ومنطقه وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره، وإن آثاره في الحقيقة تحوي تلك الدفعة المحركة التي سيكون لها في بلاد العرب أولاً وفي بلاد الإسلام ثانياً، أثرها المنتج وقوتها الدافعة، وقلما استطاع كاتبٌ مفكر أن يجمع كما جمع بين سعة الإطار والرقعة التي هي موضوع البحث وعمق النظر والبحث وقوة الإحساس والشعور. أنا لا أقول إنه "ابن نبي" ولكني أقول إنه ينهل من نفحات النبوّة وينابيع الحقيقة الخالدة).

إن شهادة محمد المبارك رد مفحم على بعض شذاذ الفكر الذين يتهمون ابن نبي بانشغاله بمسائل الفكر وقضايا العصر وبُعده عن قضايا الإسلام وعدم اهتمامه بأمور المسلمين، فالحقيقة التي نكب عنها هؤلاء هي أن قضايا الإسلام والمسلمين كانت حاضرة في وجدان ابن نبي قبل فكره، بل ملكت عليه أقطار نفسه، ويكفي دليلا على ذلك أن كل كتبه أو أغلبها على الأقل تحمل إشارة صريحة إلى ذلك، من "الظاهرة القرآنية" إلى "وجهة العالم الإسلامي" إلى "فكرة كومنولث إسلامي" إلى "المسلم في عالم الاقتصاد" وغيرها.. ويكفي دليلا على ذلك كذلك أن مالك بن نبي قد سخَّر قلمه، ووظف فكره لدعم جهود الشيخ عبد الحميد بن باديس، فقد عمل مالك بن نبي على تحفيز الجزائريين على التمسك بالإسلام ودعم جهود ابن باديس الإصلاحية، وذلك من خلال إدخاله مجلة الشهاب إلى "آفلو" التي كان يعمل مترجما بمحكمتها في سنة 1927، أي قبل أربع سنوات من تأسيس جمعية العلماء المسلمين في 05 ماي 1931، فكيف يقال بعد ذلك إن ابن نبي كان غير مكترث بقضايا الإسلام والمسلمين؟

ويحضرني في هذا المقام ما كتبه أحد الباحثين الجزائريين وهو أبعد ما يكون عن ميدان الفكر ومجال النظر بأن ابن نبي كان مدافعا عن الفكر الاشتراكي بسبب فهم غير دقيق لبعض الطروحات والنظريات الحضارية التي يشير فيها ابن نبي إلى القدر المادي المشترك الذي تتقاسمه الأسرة الإنسانية والدولية ولا يجوز أن يكون حكرا على الطبقات الغنية، وهي الفكرة التي دافع عنها في سياق نقده معادلة توزيع الثروات بين العالم المصنع والعالم "المضيع" ومنه العالم الإسلامي، التي وضع مشروعها النظري في كتابه: "وجهة العالم الإسلامي" وكتابه "المسلم في عالم الاقتصاد"، وكان ابن نبي من أوائل من دعوا إلى كسر الطبقية والقطبية الاقتصادية من خلال استحداث "كومنولث إسلامي" يكون ردا وندا للتكتلات الاقتصادية الرأسمالية.

لقد خسر المسلمون بوفاة مالك بن نبي مفكرا استشرافيا تنبأ بما ستؤول إليه أوضاع العالم الإسلامي، ولا أجد هنا بدا من اقتباس ما قالته ابنته الدكتورة رحمة مالك بن نبي في الكلمة التي أرسلتها إلى جمعية "نبراس" المغربية بمناسبة تنظيم هذه الأخيرة للملتقى الدولي: "مالك بن نبي: مفكر شاهد ومشروع متجدد" عام 2005، تقول رحمة مالك بن نبي: "اليوم وقد مضت ثلاثون سنة أو تزيد عن وفاته ونحن نتذكره، كما يقول البعض بسبب المائوية، ولكن أكثر من ذلك أظن وأنا على يقين من أن هناك أسبابا أخرى موضوعية تاريخية تجعلنا اليوم نتذكر مالك بن نبي ونتدارس ونحاول أن نحلل أفكاره، ونحاول أن ننظر إلى إمكانية استخلاص رؤية متكاملة أو منظومة فكرية متكاملة للبعث الحضاري للأمة الإسلامية، فمالك بن نبي نتذكره اليوم كما قلت لأسباب تاريخية، وأسباب أخرى منها: إخفاق البدائل التي طُرحت في الساحة الإسلامية، فالإخفاق جعلنا ربما نتذكر مالك بن نبي ونبحث في قراءة جديدة لفكره، وكان ابن نبي من خلال كتاباته قد أنذر وأعلن إفلاس تلك الإيديولوجيات التي تحمل تناقضا يجعلها غير منسجمة مع الواقع الاجتماعي والثقافي في المجتمع الإسلامي، وفي الساحة الإسلامية العربية أو غير العربية فكان فشلها حتميا، فكان ابن نبي قد رصد تلك الحقيقة قبل أن تقع في الواقع وأطلق على تلك الأفكار مصطلح "الأفكار المميتة" أو "الأفكار القاتلة".

لقد خسر المسلمون بوفاة مالك بن نبي مفكرا موسوعيا، استطاع أن يستوعب كثيرا من الأفكار التي تبدو لكثير من قصيري النظر أنها متناقضة ومتباينة، وأن يؤسِّس قبل غيره من المفكرين فكرا جامعا يجمع بين التراث النقلي والإنتاج العقلي، إذ لا تناقض عنده بين ما يقرره النقل وما ينتجه العقل.

وأخيرا، لقد خسر المسلمون بوفاة مالك بن نبي فيلسوفا حضاريا، جعل الفكرة الحضارية النظرية أنموذجا عمليا قابلا للتطبيق، والدليل على ذلك أن ماليزيا قد اعتمدت على نظرياته الحضارية والاقتصادية فتحولت إلى قطب اقتصادي وحضاري كبير، فنرجو أن تحذو الدول الإسلامية حذوها برجوعها إلى فكر ابن نبي وتكفيرها عن خطيئتها التاريخية في معاداة مشروعه الفكري والحضاري.

آخر التغريدات: