لمحات من الفكر الفقهي عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي

بقلم: د. مسعود فلوسي-

شخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي شخصية علمية متكاملة، فهو رجل دعوة إصلاح وتعليم وتربية، والنهوض بهذه الأعمال كلها يتطلب من صاحبه الإحاطة بثقافة واسعة، تشتمل الإطلاع على العلوم التي لابد منها لمثل هذه الأعمال، والإطلاع على تاريخها وتطورها والتقلبات التي مرت بها. كما تشتمل على المشاركة في هذه العلوم بنظرات جديدة دقيقة ينتجها الاهتمام النظري والممارسة العملية.

وقد وجدنا الإبراهيمي رحمه الله على إطلاع واسع بالثقافة الإسلامية بعلومها المختلفة، من عقيدة وتفسير وحديث وفقه وأصول ولغة وغيرها، مع عناية خاصة بتطور هذه العلوم ومراحلها عبر التاريخ الإسلامي، ونظرات ناقدة دقيقة إلى ما اعترى هذا التطور من نقص وجمود.

وتبدو ثقافة الإبراهيمي الواسعة وإطلاعه الدقيق على علوم الشريعة الإسلامية ومشاركاته فيها، من خلال استقراء مجموع ما كتبه من مقالات وما ألقاه من دروس ومحاضرات، حيث تتبين لنا هذه الثقافة وهذا الإطلاع. صحيح أن الإبراهيمي لم يؤلف في الفقه ولا في غيره من علوم الشريعة الإسلامية الأخرى تآليف مستقلة، إلا أن اهتمام الرجل بإصلاح حال الأمة وتطلعه إلى تغيير حالها وتبديل وضعها إلى الأفضل، أملى عليه الاهتمام بكثير من القضايا العلمية ذات الصلة بواقع الأمة، ومعالجتها معالجة فقهية، مع توظيف بقية العلوم الشرعية توظيفا فاعلا عند تناول كل قضية من قضايا الواقع الإسلامي التي عايشها وعمل على عالجها.

ولعل هذا هو سر ذلك الترابط الدقيق الذي نلاحظه بين جوانب الشخصية العلمية للإبراهيمي، حيث تبدو هذه الجوانب متلاحمة تلاحما وثيقا، وال يمكن الفصل بينها إلا على سبيل الدراسة النظرية. وما ذلك إلا ألن الإبراهيمي كان رجل إصلاح يعيش واقعه ويتفاعل مع قضايا عصره وأمته، ولم يكن رجل دراسات نظرية تبدأ من المكتب الذي تكتب عليه وتنتهي عنده وال يكون لها في الواقع أي تأثير. لذلك فنحن، حين نتناول فقه الإبراهيمي هنا، فإنما على أساس من الدراسة النظرية التي لا يمكن اعتبارها دراسة مستقلة مبتوتة الصلة بدراسة بقية جوانب الشخصية العلمية الإبراهيمية.

حقيقة الفقه وصورة الفقيه:

قد يتبادر إلى الذهن ـ لأول وهلة ـ أن الفقه الذي نعنيه في شخصية الإمام الإبراهيمي هو تلك المعلومات الجامدة المبتوتة الصلة بالحياة والواقع، والتي نقف عليها في الكتب القديمة التي كتبت لعصور غير عصورنا وعالجت مشكلات غير مشكلاتنا، أو حتى بعض الكتب الحديثة التي اكتفت بترديد ما كتبه السابقون ونقل آراء الفقهاء القدامى كما هي دون أن تضيف إليها جديدا، ودون أن تتناول بالعلاج المشكلات الجديدة التي أفرزها التطور المعاصر وتركت آثارها العميقة في حياتنا وعلاقاتنا الإنسانية.

كما قد يتبادر إلى الذهن كذلك، أن الفقيه هو ذلك الرجل الذي يشتغل بالفقه الجزئي، ويعنى بإفتاء الناس من خلال الرجوع إلى ما كتبه السابقون دون أن يحمل نفسه على دراسة ما يعرض عليه من مشكلات دراسة عملية واقعية، ودون أن يتجشم عناء تحقيق المسائل المعروضة في ضوء نصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية، وإنما يكتفي إذا ما عرضت أمامه مشكلة بأن يفتح أي كتاب من كتب الفقه القديمة ليأتي منه بالحل الجاهز الذي قد يزيد المسألة تعقيدا وال يسعف السائل بأي حل أو عالج.

إن الفقه عند الإبراهيمي، ليس مجرد ذكر آراء الفقهاء وأدلتهم ووجوه دلالة تلك أدلالة على تلك الآراء ثم الانتهاء إلى مناقشة الآراء وأدلتها والترجيح بينها في قالب نظري بحت، دون نتيجة عملية واضحة.. الفقه عند الإبراهيمي ليس هو تلك الدراسة النظرية البحتة البعيدة عن الواقع ومشكلاته، وإنما هو الفقه الذي يعايش واقع الإنسان ويعالج قضاياه، ويتتبع ما تفرزه الحياة الصاخبة من مشكلات وتعقيدات، فيتناولها بالدرس الدقيق المحيط بعناصرها المختلفة وملابساتها المتنوعة، ثم يتبعها بالعلاج الصالح لها والكفيل بإنهائها والقضاء على آثارها وامتداداتها.

والفقيه الحق هو ذلك العالم الواعي النبيه الذي يضع نفسه أمام هموم الأمة ومشكلاتها موضع الطبيب الذي يحسن تشخيص الأمراض ويحسن وصف الدواء الناجع لها، وقد يصف لمريضين يعانيان مرضا واحدا دوائين مختلفين، لأن طبيعة الشخصين مختلفة، أو لأن أسباب المرض وتداعياته ليست واحدة.

ولقد حقق الإبراهيمي رحمه الله صورة الفقيه الحق في نفسه وفي حياته العملية وفي عمله الإصلاحي في واقع المجتمع الجزائري. والرجوع إلى آثاره المنشورة يوقفنا على هذه الحقيقة، فالرجل لم يشغل نفسه بتناول القضايا الفقهية الجزئية في صورتها المعهودة المكررة، المبتوتة الصلة بالواقع والحياة، وإنما تناول عددا من القضايا الفقهية، وعالجها معالجة إنسانية واجتماعية وواقعية في ضوء نصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها وقواعدها، وانتهى إلى الإدلاء بنظرات دقيقة ونتائج ذات آثار عملية كفيلة بحل تلك المشكلات واجتثاثها من جذورها. ولنأخذ كمثال على ذلك مشكلة الزواج في المجتمع الجزائري في الأربعينيات، فقد عالجها الإبراهيمي في مقالاته معالجة الفقيه الناقد البصير المحيط بمقاصد التشريع وأسرار الأحكام، والعارف بملابسات الواقع وظروفه، والمطلع على طبائع الناس وتباين أنظارهم وتفكيرهم، حيث الحظ الإبراهيمي أن هذه المشكلة من أعضل المشكلات وأعمقها أثرا في حياة الأمة

وأبعدها تأثيرا في تكوينها، فقد كان كثير من الشباب في تلك المرحلة من تاريخ الجزائر يعرضون عن الزواج إلى أن يبلغ الواحد منهم سن الثلاثين فما فوق، ويترتب على ذلك انتشار العنوسة وبقاء الكثير من الشابات دون زواج، وهو ما ينشأ تبعا له فساد في الأخلاق وانتهاك للأعراض وإهدار للأموال، مما ينذر الأمة وبقاءها بالخطر الماحق والشر الوبيل.

ولا يكتفي الإبراهيمي ببيان الحكم الشرعي في القضية دون تحليلها من الناحية العملية، وإنما يذهب إلى التحليل الواقعي القائم على الاستقراء والدرس العملي، حيث يرجع المشكلة في أهم أسبابها إلى تحكيم العادات والتقاليد في هذه المسالة الخطيرة، حيث إن "الزوج لا ينظر من الزوجة إلى دينها وحسبها وجمالها، وإنما ينظر إلى شيء واحد.. إلى مالها، فلتكن من خضراء الدّْمن، ولتكن دميمة الخِلقَة، كل ذلك لا يضيرها عند الزوج الطامع إذا كان لها مال. وولي الزوجة لا ينظر من خاطب بنته إلى أصله ودينه وأخلاقه، وإنما ينظر إلى شيء واحد.. إلى ماله وما يقدمه من المهر الغالي والحليّ النفيس، وبعد هذا لا نعجب إذا رأينا كل زواج يبتدئ بهذا الاعتبار، ينتهي والحل بالطالق والعداوة والخصام بعد أشهر وأيام".

ويكشف الإبراهيمي عن حكم الإسلام ومقاصده في هذا الباب، ويؤكد أن "مقاصد الإسلام في هذه السنة أعلى من كل ما يعمله الناس، فهو يرمي بما شرع إلى بناء البيوت على المحبة والتعاون على تربية النسل وتعليمه وتقوية الأمة به".

ولذلك يقرر أن الرجوع إلى أحكام الإسلام في هذا الباب بالوقوف عند حدود اهلل وتيسير ما عسرته العوائد من أمور الزواج، هو الكفيل بالقضاء على كل المشكلات الناشئة عن تأخير سن الزواج وتعسير أسبابه، ويقول مخاطبا الآباء والأولياء موصيا ومحذرا: "أيها الآباء، يسروا ولا تعسروا، وقد روا لهذه الحالة عواقبها، وارجعوا إلى سماحة الدين ويسره، وإلى بساطة الفطرة ولينها، إن لبناتكم مزاحمات في السوق على أبنائكم،

وإن معهن من الإغراء والفتون ما يضمن لهن الغلبة في الميدان، فحذار أن يغلب ضعفهن قوتكم... إنكم لا تغالبون الطبيعة البشرية إلا غلبتكم، ولا تشادون سنن الله إلا قهرتكم، وإن الدواء في أيديكم، فيسروا ولا تعسروا"(1).

وقد كتب الإمام الإبراهيمي مقالا ضافيا بعنوان: "الصداق وهل له حد؟"، أكد فيه أن الإسلام وإن لم يحدد في الصداق حدا أعلى ولا حدا أدنى، إلا أنه قد ندب الناس إلى التيسير في الزواج والمهر، حتى تتيسر إقامة هذه السنة الفطرية على جميع الناس. والمغالاة في المهور تفضي إلى مفاسد عظيمة، وهي كساد البنات وإعراض الشباب عن الزواج، واندفاعهم في رذائل يعين عليها الشيطان والواقع المنحرف. ولذلك، فعلى "المسلمين أن يذللوا هذه العقبات الواقعة في طريق زواج بناتهم وأبنائهم، وأن يقتلوا هذه العوائد الفاسدة المفسدة، وأن ييسروا ولا يعسروا، وأن يعتبروا في الزواج حسن الأخلاق لا وفرة الصداق، وفي الزوجة الدين المتين لا الجهاز الثمين"(2).

نقد الإبراهيمي للمارسة الفقهية القديمة:

الفقه عند الإبراهيمي، إذن، هو الإدراك الدقيق لمشكلات الواقع الإنساني وأسبابها وملابساتها، والقدرة على معالجتها معالجة حاسمة بهدي الإسلام وأحكامه. لذلك وجدنا الإبراهيمي ينعى على فقهائنا القدامى إغراقهم في الدراسة النظرية وبعدهم عن الواقع وعن تناول مشكلاته العملية، حيث الحظ أن أكثر مؤلفات علمائنا القدامى رحمهم الله ورضي عنهم، التي خلفوها لنا في الفقه، كتبوها وهم في أبراجهم العاجية في ديارهم وخلواتهم بعيدين عن الناس والحياة، ولم يبن الكثير منها على مراعاة الأحوال العامة ولا على مراعاة طبائع الناس وتباين بيئاتهم، وقد يبنون الأحكام على ما تقتضيه أنظارهم الخاصة، ويولدون من كالم من قبلهم اقتضاءات ووجوها من التأويل، بعيدين عما يمور به الواقع من مشكلات وعما يعانيه الناس من صعوبات، فإذا خرجوا إلى السوق وجدوا اليد المصرفة لأزمة الأمة غير يدهم، والقانون الذي تساس به الأمة تابعا لأهواء الأمراء لا لما سطروه هم وأتعبوا أنفسهم في تدوينه، ووجدوا سيف الاستبداد يأمر وينهى، ووجدوا أنفسهم مع العامة مسيرين بتلك اليد وبتلك الأهواء وبذلك السيف(3).

ويلاحظ الإبراهيمي أن أكثر التفرق الناشئ في الأمة مرده إلى جمود الفقهاء، وعنادهم المقصود، والتمحلات الفقهية التي شغلوا أنفسهم بها في ترف فكري، ولا ترجع إلى مستند صحيح من نص، ولا إلى برهان صريح من علم(4). "وقد طغت شرور العصبية للمذاهب الفقهية في جميع الأقطار الإسلامية وكان لها أسوأ الأثر في تفريق كلمة المسلمين، وإن في وجه التاريخ الإسلامي منها لندوبا.. أما آثارها في العلوم الإسلامية، فإنها لم تمدها إلا بنوع سخيف من الجدل المكابر لا يسمن ولا يغني من جوع(5).

الفقه الصحيح هو الفقه القائم على الاستدلال:

إن الفقه الصحيح في نظر الإبراهيمي هو الفقه الذي يعالج مشكلات الناس وهمومهم في ضوء الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من علماء الأمة وفقهائها الأفذاذ، وهذا الفقه لا يمكن أن يصل إليه إنسان قاصر جامد عند أنظار الفقهاء وآرائهم، غير قادر على تجاوزها إلى التعامل المباشر مع مصادر الإسلام ومرجعيته الأصيلة. يقول الإبراهيمي في هذا الصدد: "إن في الفقه فقها لا تصل إليه المدارك القاصرة، وهو لباب الدين، وروح القرآن، وعصارة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو تفسير أعماله وأقواله وأحواله ومآخذه ومتاركه، وهو الذي ورثه عنه أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين، وهو الذي يسعد المسلمون بفهمه وتطبيقه والعمل به، وهو الذي يجلب لهم عز الدنيا والآخرة(6).

إن الأساس الصحيح للفقه هو الاستدلال، أي الرجوع إلى الدليل في كل مسألة تعرض وفي كل مشكلة تقع، حتى ولو عرضت على الفقيه المشكلة نفسها أكثر من مرة، وما ذلك إلا لأن لكل مسالة كيانها المستقل وأسبابها الفريدة وملابساتها الواقعية الخاصة بها التي لا تشترك معها فيها غي رها من المسائل حتى وان كانت لهما نفس الصورة.

فالفقيه ينبغي عليه أن يتناول كل مسألة تعرض أمامه بالدراسة النفسية والاجتماعية الشاملة، ثم يعرض هذه المسألة على الأدلة الشرعية، ويستخرج الحل لها في ضوء ذلك كله. ولا يسمح لنفسه بالإدلاء بالحل ذاته لمسألة أخرى تعرض أمامه وتكون صورتها نفس صورة المسألة السابقة، بل لابد عليه أن يفردها هي الأخرى بدراسة شاملة ثم يعرضها بخصائصها على الأدلة الشرعية.

ولا يمكن للفقيه أن يتناول المسائل بهذه الصورة إلا إذا تحرر من قيود الكتب القديمة، ولم يسمح لنفسه بالوقوع أسيرا لأقوال الفقهاء القدامى وفتاويهم التي هي حلول لمشكلات غير المشكلات التي تواجهه، وعلاج لقضايا غير القضايا التي تعرض أمامه. بل إن الكتب المتأخرة منها إنما هي كلام نظري صرف لا علاقة له بواقع الحياة وأدلة التشريع ومقاصده.

أما إذا اعتبر الفقيه أن أقوال القدامى هي الحلول الناجعة لكل المشكلات في كل زمان ومكان، فإنه حينئذ سيقع لا محالة تحت تأثير هذه الأقوال وسيكتفي بترديدها أمام كل مشكلة تعرض أمامه، وبذلك يفقد قدرته على التفكير المستقل ويقع أسيرا لمبدأ التسليم لكل قول ينسب إلى فقيه من فقهاء المذهب الذي يدين نفسه باتباعه.

وقد لاحظ الإبراهيمي أن سيادة مبدأ التسليم هذا في عصور متتالية من تاريخنا الإسلامي، كان من نتائجه الضارة أن سيطر ذلك على عقول المعلمين والمتعلمين، وكان من آثاره الارتخاء في الملكات العلمية وعدم اكتساب القدرة على النظر الفقهي السليم، والفتور المستحكم الذي استحال إلى انحطاط وتدن في العلم. فأساس الفقه الصحيح هو العمل بالدليل والدعوة إلى الدليل، والمطالبة بالدليل، والحكم بالدليل(7).

الفقه الصحيح يقوم كذلك على الوعي بمقاصد التشريع:

وكما أن الفقه إنما يجب أن يقوم أساسا على الاستدلال، ينبغي أن يقوم كذلك على البصيرة الدقيقة العميقة بمقاصد التشريع، ومعالجة مشكلات الواقع في ضوء تلك المقاصد. فالفقيه الذي يريد استنباط الأحكام ويعالج بها مشكلات الواقع، دون أن يتوفر على إطلاع كاف على مقاصد التشريع، من شأن فتاويه أن لا تكون قويمة ومتكاملة، لأن من الممكن أن يفتي ولا يراعي المقاصد، فقد يفتي بما يتعارض مع مصلحة السائل المستفتي أو يتناقض مع مقصد عام من مقاصد التشريع، أو يفتي بمقتضى تقديم مصلحة خاصة على مصلحة عامة، أو مصلحة جزئية على مصلحة كلية. وفي كل هذه الحالات يكون قد أضر من حيث أراد أن يصلح، وأدخل في الدين ما ليس من أحكامه.

فلا يكفي أن يستدل الفقيه بالنص من القرآن أو السنة، دون تحقيق مناط المسألة المعروضة أمامه، وإنما لابد أن ينضم إلى هذا الاستدلال مراعاة مقاصد الشارع من تشريع الأحكام ومدى تحققها من خلال الحل الذي تعالج به كل مشكلة من المشكلات

التي تعرض أمام الفقيه، ذلك أن النصوص تتضمن حلولا للمشكلات في صورها المجردة، أما الصور المجسدة في الواقع فلا بد من تحقيق مدى دخولها تحت مقتضيات تلك النصوص، ومقصد الشارع من تشريع الحكم لا يمكن أن يتحقق في أي مسألة إلا إذا ثبت للفقيه بعد الدراسة الشاملة المستقصية أن المشكلة المعروضة تدخل فعلا تحت مقتضى النص المستدل به، أما إذا ثبت أن للمشكلة ملابسات تجعل تطبيق النص عليها لا يحقق المقصد الشرعي، فهذا دليل أكيد على أن المشكلة لا تدخل تحت مقتضى النص، حتى وان ظهر أنها تدخل تحت مقتضاه بادي الرأي، وإنما لابد من البحث لها عن دليل آخر تثبت الدراسة العلمية والعملية أنها تدخل تحت مقتضاه.

ولا يمكن للفقيه أن يعالج المسائل بهذا النظر الدقيق، ويحسن التعامل معها تعاملا فقهيا صحيحا إلا إذا كان على إطلاع دقيق على مقاصد التشريع ومتمكنا من القدرة على مراعاتها عند تطبيق الأحكام على الوقائع.

ولقد كان الإبراهيمي رحمه الله على إطلاع واسع في هذا المجال، فقد فقه مقاصد التشريع فقها عميقا، واستطاع أن يوظفها في علاج المشكلات التي واجهته في عمله الإصلاحي في واقع المجتمع الجزائري.

فنحن حين نرجع إلى آثاره المنشورة، نقف في عدة مقالات منها على نظرات مقاصدية عميقة، ونلاحظ التوظيف الدقيق لهده النظرات في علاج مشكلات الواقع والحياة. وقد أحصيت في استقراء سريع ما لا يقل عن عشرين مقالة تتضمن نظرات دقيقة في مقاصد التشريع وأسراره وأثر الإحاطة بها في قدرة الفقيه على معالجة المشكلات، وأكتفي هنا بإيراد مثالين يكشفان لنا عما نحن بصدده.

أما المثال الأول، فهو كلام للإبراهيمي يكشف عن إدراكه لمقاصد التشريع وفقهه العميق لأسرار الأحكام، حيث يقول: "للتشريع الإسلامي في كل قضية عامة تدعو حاجة الناس إليها وتدخل صميم حياتهم، مقاصد بعيدة المدى، شديدة المواقع، واضحة الآثار في المجتمع الإسلامي، وعلى هذه المقاصد بنيت الأحكام الفرعية، والذي يغفل عن هذه المقاصد لا يسلم من الخطأ في النظر إلى الجزئيات، ولا يضمن الإصابة في ترجيح دليل على دليل عند التعارض. وباعتبار هذه المقاصد العامة في التشريع الإسلامي، كانت الشريعة الإسلامية نظاما اجتماعيا كاملا كافلا لمصالح الجمهور ضابطا لها، صالحا لكل زمان ولكل مكان ولكل جنس(8).

والإبراهيمي لا يدرك هذه المقاصد في عمومها فحسب، بل يدركها وهي مبثوثة في جزئيات الأحكام وأنظمة التشريع المتنوعة، ويكشف عنها في مقالاته بأسلوب رائق

جميل وتعبير بليغ، من ذلك مثلا ما حدث به عن مقاصد الإسلام من تشريع العبادات، إذ يقول: "في كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم، ولعقله، وإرادته، ودع عنك الأركان الخمسة، فالامتحان فيها واضح المعنى بين الأثر، وجاوزها إلى أمهات الفضائل التي هي واجبات تكميلية، لا يكمل إيمان المؤمن إلا بها، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في القول والعمل، والصبر في مواطنه، والشجاعة في ميدانها، والبذل في س بله، فكل واحدة، أوفي كل واحدة منها امتحان تكميلي للإيمان، تعلو فيه قيم، وتهبط قيم. وفي التوحيد امتحان لليقين، واليقين أساس السعادة. وفي الصلاة امتحان للإرادة، والإرادة أصل النجاح. وفي الحج امتحان للهمم بالسير في الأرض، وهو منبع العلم. وفي الصوم امتحان للصبر، والصب رائد النصر(9).

ويقول في موضع آخر: "الإسلام عقائد وعبادات وأحكام وآداب، وكل هذه الأجزاء رامية إلى غرض واحد، وهو إصلاح نفس الفرد الذي هو أصل لإصلاح النفسية الاجتماعية.

فعقائد الإسلام مبنية على التوحيد، والتوحيد أقرب لإدراك العقل الإنساني من التعدد، وأدعى لاطمئنانه وارتكازه وتسليمه، والعقل إذا اطمأن من هذه الجهة انصرف إلى أداء وظيفته مجموعا غير مشتت.. والعبادات غذاء وتنمية لذلك التوحيد وعون على تزكية النفس وتصفيتها من الكدورات الحيوانية.

والأحكام -ومنها الحدود- ضمان للحقوق، وحسم للشرور، وزجر للثاني أن يتبع الأول. ومن تأمل القواعد التي بنيت عليها أحكام المعاملات في الإسلام علم ما علمناه، وهي: لا ضرر ولا ضرر، الضرورات تبيح المحظورات، ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، الحدود زواجر وجوابر، القصاص حياة.

والآداب تزرع المحبة بين الناس، وترقق العواطف، فتقوي عاطفة الخير والتسامح والإيثار والكرم والشجاعة والصبر، وتضعف عاطفة الشر والتشدد والأثرة والبخل والجبن والجزع(10).

وأما المثال الثاني فيكشف لنا عن توظيف الإبراهيمي لفقه المقاصد في علاج مشكلات الواقع الذي كان يعيش فيه. فلقد كان من أهم المشكلات التي عالجها الإبراهيمي، وهو رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مشكلة اختلاف المسلمين في الصوم والعيد، وما أفرزته هذه المشكلة من تفرق وتشتت واحن وأحقاد بين أفراد المسلمين وفئاتهم. حيث رأى الإبراهيمي أن هذا الاختلاف بين المسلمين مرده إلى أن بعض هم لا يأخذ برؤية بعض، وهذا يحمل في طياته قد ح بعضهم في أمانة البعض الآخر وشهادته بلا حجة ولا بينة. وهذا الاختلاف لا يتوقف عند العلماء وإنما يمتد إلى العامة الذين يتناولونه بعقولهم الضيقة فلا يثير فيهم إلا التشنيع والتعصب والعداوة.

وقد نتج عن ذلك أن أضاع المسلمون -بهذا الخلاف- كل ما في الأعياد من جلال روحي ومعان دينية واجتماعية، وأصبحت الأعياد تمر عليهم وكأنها مآتم، إذ قد يلتقي الأخوان أو الصديقان أو الجاران وأحده ما مفطر والآخر صائم، فلا تستعلن البشاشة في الوجهين ولا تنطلق التهنئة من اللسانين، ولا يشع الأنس من أسارير الجبهتين، وإنما ينقدح في النفسين أن كلا منهما مخالف للآخر فهو خصمه، وهو عدوه.

ويؤكد الإبراهيمي أن هذا الخلاف الفاشي بين المسلمين في وحدة الصوم والعيدين هو التفرق في الدين الذي حذر منه القرآن حين قال: :((إن الذي فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء))(11)، وقال: ))أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه))(12). وهذا التفرق هو الذي يجدد الأحقاد ويَنْكؤ الجراح ويثير الفتن النائمة، ولا مبرر له من اجتهاد أو خلاف مذهبي، أو اختلاف م طالع، فكل هذه الاعتبارات لا وزن لها في باب العلم ولا م ح ل لها في حقيقة الدين. وما دام الإسلام دين الاتحاد والوفاق بكل عقائده وعباداته، وآدابه ترمي إلى الوفاق وتربي على الوفاق وتدعو إلى الوفاق، وبما أن قصد الشارع من التشريع جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وتجميع قواهم وإنهاء أسباب الشقاق والخلاف بينهم، فإن عليهم أن يوحدوا شعائرهم ويؤدوها في وقت واحد دون تفاوت ولا تباين، والسبيل إلى ذلك قبول الأقطار الإسلامية كلها شهادة أي قطر إسلامي بالرؤية، والاعتماد في تعميم الخبر بالإذاعات الرسمية ووسائل الإعلام المختلفة التي أتاحها التطور التكنولوجي الحديث.

وبذلك تجتمع كلمة المسلمين وتصبح شعيرة الصوم وفرحة العيد ومعانيهما الروحية السامية قاسما مشتركا بين جميع المسلمين فتزيد في وحدة صفوفهم وترابط قلوبهم وتلاقي مشاعرهم وأرواحهم، وتلك من أهم مقاصد التشريع وأعظم غاياته(13).

خطورة جهل المفتي بمقاصد التشريع:

إن جهل المتصدي للفقه والمشتغل بإفتاء الناس بمقاصد الشريعة، سيكون له لا محالة أثره السلبي والسيئ على الفقه نفسه، إذ يفقد حياته وحركيته ويتحول إلى رسوم وأشكال وأقوال مجردة لا روح فيها ولا حياة.

وفي هذا الإطار، ي ر ج ع الإبراهيمي جهل المسلمين بدينهم إلى جفاف الفقه وعدم قدرته على مسايرة الأحداث وعلاج المشكلات في ضوء المقاصد والحكم التشريعية، فيقول: جهل المسلمون حقائق دينهم، وجهلوا الحكم المنطوية تحت أحكامه، ومن أسباب ذلك جفافُ الفقه عند الفقهاء لأخذهم إياه من كتب تعلم الأحكام ولا تُبَيِّنُ الحكم، فأثر ذلك في نفوس المتفقهة وهم مرجع العامة في سياسة الإفتاء آثارا سيئة، منها اعتبار تلك الأحكام تعبدية تحفظ ألفاظها ولا يتحرك الفكر في التماس عللها وطلب حكمها وتعرف مقاصد الإسلام منها وتصفح وجوه المصلحة والمفسدة فيها".

و"لو أن فقهاءنا أخذوا الفقه من القرآن، ومن السنة القولية والفعلية، ومن عمل السلف، أو من كتب العلماء المستقلين المستدلين التي تقرن المسائل بادلتها، وتبين حكمة الشارع منها، لكان فقهُهُم أكملَ، وآثارُه الحسنة في نفوسهم أظهرَ، ولكانت سلطتُهُم على المستفتين من العامة أعمق وأنفذ، ويدَهم في تربيتهم وترويضهم على الاستقامة في الدين أعلى(14).

وهنا يحذر الإبراهيمي من أخذ الفقه من كتب الفتوى المجردة التي انتشرت في قرون انحطاط الحضارة الإسلامية وتراجع الفكر الإسلامي، لأنها كتب لا تحتوي على الفقه الصحيح الحي المتحرك الذي يعالج مشكلات الناس وشؤون الحياة، والتفريعات التي امتلأت بها هذه الكتب لا ينطبق الكثير منها على مصالح الناس، لأنها لم تًبن على رعاية تلك المصالح التي هي أساس حكمة التشريع(15).

ولا يكتفي الإبراهيمي بالكلام النظري في بيان خطر جهل الفقيه بمقاصد الشريعة وعدم توظيفه لها في علاج مشكلات الناس، بل يضرب لذلك مثلا عمليا بمشكلة الطلاق وكيف ساهم الجهل بمقاصد التشريع في استفحالها وعموم تأثيرها على حياة المسلمين. وفي ذلك يقول الإبراهيمي:

"إن من يأخذ فقه الطلاق من آية:(( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) (16) وما بعدها من الآيات الآمرة بالوقوف عند حدود الله الناهية عن تعديها، أو من آي: ((ومتّعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)) (17)، أو من آية الحكمين ووعد الله بالتوفيق عند الإصلاح، وبالإغناء من واسع فضله عند التفرق، أو من تخيير النبي أزواجه بين حالين: أحدهما التمتيع والسراح الجميل.. من أخذ فقه الطلاق من هذا المنبع العذب يعلم أي حكم مبثوثة تحت كل كلمة وكل جملة. ومن تفقه هذا الفقه ونشَرَه في الناس يَبْعُدُ جدا أن يتلاعب بتلك العقدة الإلهية التي عقدها الله بين الزوجين، فيضعها في موضعها المعروف بين المسلمين الآن…

هذا الجمود في الفقه والفقهاء، وذلك الخلاف الواصل بين طرفي الإباحة والحظر في المسألة الواحدة، هما اللذان سهلا على المسلمين تعدي حدود الله في الطلاق، وأفضيا بهم إلى هذه الفوضى الفاشية في البيوت، والى ارتفاع الثقة بين الأزواج والزوجات. وزاد الطينَ بِلة وضع مُنحرفٌ لمكان الزوجة من زوجها، حتى أصبح متخلخلا متزلزلا لا استقرار له، وما جاء هذا التخلخل إلا من سوء فهم من الرجل، انبنى عليه سوء تصرف منه في الحق الذي خوله الشارع، وهو أنه يملك العصمة. وما جاء سوء الفهم إلا من سوء التفهيم من الفقيه، فالفقيه لا يعرف إلا أن العصمة بيد الزوج، لأنه لا يجد في كتب الفقه إلا هذا، وهو حق في أصل الشريعة، ولكن الإسلام لا يعطي هذه الحقوق أو هذه الامتيازات إلا للمسلم الصحيح الإسلام، القوي الإيمان. فهو يَكِلُ إليه عهدا ويَستحفظه على أمانة، اعتمادا على رشده، وثقة بإيمانه، أما إعطاءُ هذه الامتيازات إلى الجاهلين المتحللين من قيود الإسلام فهو لا يقلُّ شناعة وسوءَ أثرٍ عن إعطاء السلاح للمجانين(18).

شمول الفقه الصحيح للحياة كلها:

وكما أن الفقه الصحيح هو الذي يقوم على الاستدلال من نصوص الكتاب والسنة وهدْيِ السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ويتأطر بمراعاة مقاصد التشريع وأسراره، فإنه كذلك فقه الحياة بصفة عامة، ليس فقها قاصرا عند حدود العلاقة بين العبد وربه فحسب، وإنما يمتد ل يغطي حياة الإنسان وعلاقاته كلها: مع نفسه، ومع ربه، ومع أهله، ومع البيئة التي يعيش فيها، ومع أمته، ومع الإنسانية جمعاء، بل حتى مع الحيوان والجماد ومكونات الوجود المحيط به.

وقد وجدنا الإبراهيمي في توجيهاته لفقهاء الجمعية ووُعَّاظِها يؤكد عليهم "أن لا يقتصروا على المسائل الدينية فقط، بل يتناولون المسائل الدنيوية التي يَعْمُرُ بها الوطن وتسعد بها الأمة والحكومة، مثل التحريض على العمل، والتنفير من البطالة والكسل، ومثل تحبيب الفلاحة والتجارة والقراءة، ومثل الأخوة والاتحاد والتعاون على الحق، ومثل إصلاح العائلة التي هي أساس الأمة، ومثل تحسين العلاقة بين الغني والفقير، ومثل الطاعة للحكومة في المعروف(19).

السبيل لعودة الفقه إلى مكانته في توجيه الحياة:

تُرى؛ ما السبيل إلى عودة الفقه إلى تأطير حياة المسلمين؟ وما هي الوسيلة التي بإمكانها أن تُعيد للفقه نظارتَه وحياته وروحَه وحركِيَّتَه وقدرته على مواكبة مشكلات الناس وتطور حياتهم بالعلاج المستمر والدواء الشافي لكل مشكلة؟.

يرى الإبراهيمي أن السبيل إلى عودة الفقه إلى الحياة هو تنشئة جيل جديد من الفقهاء على أساس من التفقيه الصحيح القائم على التدريب على النظر والاستدلال، وفق منهج علمي سليم قائم على بناء الملكة الفقهية وتربية الفكر على الاستقلال والاستدلال.

فلقد كان لغياب الاستقلال في التفكير والقدرة على الاستدلال الإنشائي في كل مسألة، أثره الكبير في سيادة العصبية لآراء الفقهاء السابقين وأقوالهم، ولذلك فإنه في نظر الإبراهيمي "لا عَاصِمَ من شُرور هذه العصبية إلا صر ف الناشئة إلى تعليم فقهي يستند على الاستقلال في الاستدلال، واعدا د ها لبلوغ م ا رتب الكمال، وعد م التحجير عليها في استخدام مواهبها إلى أقصى حد(20).

ولتحقيق هذا الغرض يؤكد الإبراهيمي أنه لابد من تربية الناشئة تربية جديدة، وتعليمها على أساس من منهج جديد في التعليم والتفقيه يقوم على "الاقتصار على لبابِ العلم والرَّمي إلى أغراضه السديدة، واطراح القشور وما لا محصول له من المباحث، وإيثار العلم المفهوم على العلم المحفوظ"(21).

والتعليم المُفيد هو الذي يقوم على أن يُختار للمتعلم المتفقه "من الكتب ما هو أقرب إلى الإفادة وأعونُ على تحصيل الملكة العلمية، وتجنب الكتب المعقدة التي لا تفتق ذهنا ولا تبعث في نفس الدارس نشاطا(22).

ولا بأس أن نختم دراستنا هذه، بوصية وجهها الإبراهيمي إلى المعلمين بوجه عام يبين لهم فيها المنهج السليم الذي ينبغي اتباعه في تعليم التلاميذ وتربية ملكاتهم العقلية، وهي -في نظري- وصية ينبغي أن يلزم بحفظها وتنفيذها كلُّ من يتصدى لتعليم الناس أحكا م دينهم أو يجيبهم عن تساؤلاتهم الفقهية مبينا أحكام الشرع فيها. قال الإبراهيمي وهو يتحدث عن كيفية تعليم الناشئة:

"ربوهم على بناء الأمور على أسبابها، والنتائج على مقدماتها علما وعملا، واعلموا أن العلم يبدأ مرحلته الأولى من هذه البسائط التي تقع عليها حواسكم في الحياة كل لحظة فتحتقرونها ولا تلقون لها بالا، مع أن مجموعها هو العلم إذا وجد ذهنا مُحَلِّلا، وهو الحياة إذا وجدت عملا مفصلا.

بينوا لهم الحقائق، واقرنوا لهم الأشباه بالأشباه، واجمعوا النظائر إلى النظائر، وبينوا لهم العلل والأسباب، حتى تن ب ت في نفوسهم ملكة التعليل، فإن الغفلة عن الأسباب هي إحدى المُهلكات لأمتكم، وهي التي جرَّت لها هذه الحيرةَ المستولية على شواعرها، وهذا التردُّدَ الضاربَ على عزائمها، وهذا الالتباس بين المتضادات في نظرها.

امزجوا لهم العلم بالحياة، والحياة بالعلم، يأت التركيبُ بعجيبة، ولا تعمُرُوا أوقاتَهم كلها بالقواعد، فإن العكوف على القواعد هو الذي صير علماءنا مثل )القواعد(، وإنما القواعد أساس، وإذا أنفقت الأعمار في القواعد فمتى يتم البناء؟(23).

وبعد، فهذه لمحات موجزة من فقه الإبراهيمي العميق ونظراته الدقيقة في إطار الممارسة الفقهية، لا أدعي أنها وافية أو محيطة، وإنما هي مجرد لمحات يكفيها شرفا أن تثير الالتفات إلى الموضوع وتنبه إلى أهمية دراسته بصورة أوسع(24).


الهوامش:

1- انظر: آثار الإبراهيمي، ج: 3 (عيون البصائر)، ص: 323.

2- آثار الإبراهيمي، ج: 3 (عيون البصائر)، ص: 293 ـ 292.

3ـ انظر: آثار الإبراهيمي، ج: 1، ص: 151.

4- انظر: المصدر نفسه في الموضع ذاته.

5- آثار الإبراهيمي، ج: 1، ص: 122.

6- انظر: آثار الإبراهيمي، ج: 2، ص: 122.

7- انظر: آثار الإبراهيمي، ج: 1، ص: 141- 143.

8- آثار الإبراهيمي، ج: 4، ص: 324.

9- آثار الإبراهيمي، ج: 4، ص: 432-435 .

10- آثار الإبراهيمي، ج:4، ص: 21.

11- سورة الأنعام، الآية : 159.

12- سورة الشورى، من الآية: 13.

13- آثار الإبراهيمي، ج: 4، ص: 11-12.

14- انظر: آثار الإبراهيمي، ج: 3، ص: 291.

15- انظر: آثار الإبراهيمي، ج:1، ص: 151.

16- سورة البقرة، من الآية: 229.

17- سورة البقرة، من الآية: 23.

18- آثار الإبراهيمي، ج: 3، ص: 291- 299.

19- آثار الإبراهيمي، ج:4، ص:33.

20- آثار الإبراهيمي، ج:1، ص:122.

21- آثار الإبراهيمي، ج::1 ص:152.

22- آثار الإبراهيمي، ج:1، ص: 19.

23- آثار الإبراهيمي، ج:3، ص: 232.

24- قدم هذا البحث أولا في ملتقى الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي، المنظم من قبل مديرية الثقافة ومديرية الشؤون الدينية والأوقاف بولاية برج بوعريريج، أيام: 12 و 13 و 14 جوان 2002.

ثم نشر في مجلة الإحياء، الصادرة عن كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، جامعة باتنة، ردمد: 1112-4350. العدد: 5، 1423 هـ/ 2002 م، الصفحات: 47-66. وقد أعيد نشره ضمن كتاب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي العلامة المصلح والداعية الأديب، الصادر عن جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بمناسبة تخرج الدفعة الثانية والعشرين من طلبتها، رجب 1430 هـ، جويلية 2009 م، الصفحات: 229-245.

آخر التغريدات: