سي العربي دماغ العتروس

بقلم: محمد الهادي الحسني-

كانت عندي أعداد متفرقة من "الجريدة الكنز" - كما سماها أستاذنا أبو القاسم سعد الله - وهي جريدة البصائر، منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي، قبل ن يوفق الله - عز وجل - الحاج الحبيب اللمسي لجمعها بمساعدة بعض الأخيار من الجزائريين، وإعادة نشرها.

من بين تلك الأعداد كان يوجد العدد المزدوج (172-173) الصادر في 15 أكتوبر 1951، الذي خصص أكثره لتغطية الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

لاحظت في ذلك العدد كلمة لشخص يسمى "العربي دماغ العتروس"، وقد لفت نظري فيها أمران:

*) أنها كلمة الوفود الوحيدة التي نشرت، رغم حضور ممثلي حزبي البيان والشيوعي والمستقلين، وهي باسم حزب "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية"، الذي أعلم أن نفوس كثير من أعضائه "مآخذ" على الجمعية، وهي مآخذ سببها الجهل أولئك الأعضاء، و"تزكية" أنفسهم "وطنيا".

*) لقب ملقي تلك الكلمة، "دماغ العتروس"، وقد نقش هذا اللقب وصاحبه منذ ذلك الوقت في ذاكرتي.

كنت أظن أن سي محمد العربي دماغ العتروس قد غادر الفانية إلى الباقية حتى قرأت اسمه ضمن حاضري ومحاضري الملتقى الرابع للتعرف على الفكر الإسلامي، الذي عقد في مدينة قسنطينة في صائفة سنة 1970، وقد لفت نظري في محاضرته أنها كانت عن "اللغة العربية في جنوب شرقي آسيا".. وعلمت من التعريف الذي قدم به أنه سفير الجزائر في يوغوسلافيا.

وأما معرفتي المباشرة بالأستاذ محمد العربي دماغ العتروس فقد بدأت في سبتمبر من سنة 1989، في ملتقى الفكر الإسلامي الثالث والعشرين، الذي عقد في مدينة تبسة.. حيث استمعت إليه كثيرا، واستمتعت، واستفدت من معلوماته عن الحركة الوطنية وعن مناضليها، وعن تجاربه في حياته السياسية والدبلوماسية.. ولم تنقطع علاقتي معه إلا بالتحاقه بالرفيق الأعلى في 28 أكتوبر من هذه السنة.

كان سي محمد العربي مناضلا في حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وقد رشحه الحزب للنيابة في المجلس "الجزائري" وفاز رغم أن تزوير الانتخابات صار "مؤسسة رسمية" في عهد نيجلان، وقد سجن وهو نائب متمتع بالحصانة البرلمانية، وكان من أشد لمدافعين عن استعمال اللغة العربية في ذلك المجلس "الجزائري" نسبة، الفرنسي في كل شيء.

لقد ضمتني عدة مجالس مع الأستاذ سي العربي، حيث كنا نلتقي كل أسبوعين في بيت أحد الإخوة (قسوم، يدوغي، المهدي القاسمي، ابن عاشور...) وفي بيته مع الأخوة قسوم، عبد الوهاب حمودة، وعبد الله عثامنية.. وكثيرا ما حدثنا عن رأيه في أعضاء حزب حركة انتصار الحرية، وعن قادته مثل ميصالي، ومزعنة، ومرباح، ولم يكن معجبا بهم، وكان إعجابه كبيرا لمحمد الأمين دباغين، وبوقادوم، وسعد دحلب، وبن خدة..

وقد سألته يوما عن مدى صحة شيوعية رمضان عبان، فنفى ذلك بشدة، وأضاف أن كثيرا من بيانات حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية ضد الشيوعية والشيوعيين هي من كتابة رمضان عبان، رغم أن تدينه كان "رقيقا".

ومما حدثنا عنه كيفية نقل جثمان زوجة ميصالي الحاج إلى فرنسا لتدفن هناك، حيث كان كثيرا من أعضاء الحزب لا يريدون أن تدفن في الجزائر، لعدة اعتبارات كما ذكر..

كما حدثنا عن سؤال فرحات عباس لبلقاسم كريم عن مدى علمه بقتل رمضان عبان، فأكد علمه بذلك، فأجابه فرحات عباس بأنه سيقتل كما قتل عبان، وقد قدّر الله - عز وجل - أن يقتل كريم بلقاسم كما قتل عبان..

كان في أحاديثه الكثيرة معنا يبدو معجبا بالإمام عبد الحميد ابن باديس، ومقدرا للإمام الإبراهيمي مبديا بعض "المآخذ" التي جادلناه فيها.. والشخص الوحيد الذي كان ينتقده من جمعية العلماء هو الشيخ العباس بن الحسين، ولم نكن نسلّك في انتقاداته للشيخ..

وقد استفسرته ذات يوم عما قاله عنه محمد بوضياف من أنه - سي العربي - كان من الذين طلب منهم "جماعة الستة" الغطاء السياسي لما ينوون القيام به من إعلان للثورة، فذكر أن "الجماعة" لم يأتوا لمناقشة "البيان"، وإنما لأخذ "التغطية" دون مناقشة، وما فعلوه معي، هو ما فعلوه مع بقية من اتصلوا بهم (الأمين دباغين، عبد الحميد مهري، ومولود قاسم).

وقد حدثناه مرارا عن ضرورة كتابة مذكراته، من ذلك مرة كنا في منزل الأخ محمد لحسن في بن عكنون، وكان الأمين دباغين حاضرا فألححنا عليهما - سي الأمين وسي العربي- عن "وجوب" كتابة مذكراتيهما، حتى إنني ذكّرتهما بالآية القرآنية الكريمة التي تقول: "ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه". وقد لاحظت امتعاضا على وجه الأمين دباغين، بينما اكتفى سيد العربي بالتبسّم.

كنا ذات يوم في محاضرة لأحد الإخوة المسؤولين الذي راح يكثر الحديث عن الاستعمار وعن الأيدي الخارجية دون وصف، فعلي سي العربي بشيء من الحدّة قائلا ما معناه: لماذا هذا التمييع وعدم تحديد الأمور، فلا استعمار بالنسبة إلينا إلا الاستعمار الفرنسي، ولا أيدي خارجية تعبث في الجزائر إلا الأيدي الفرنسية..

كان سي العربي قارئا نهما، ولم تخل زيارة من زياراتنا له من حديث عن الفكر والثقافة حيث كان متابعا لما يصدر في عالم الكتب، وقد تفضل فأهدى إليّ ثلاثة كتب أحدها عن الحضارة الفينيقية، وثانيهما عن "الاستنساخ"، والثالث أهداه لي عندما كنا في مدينة الرباط بالمغرب، وهو لأحد علماء المغرب عنوانه "نصيحة لأهل الإسلام".

وعلى ذكر المغرب فقد لاحظت مدى احترام المناضلين المغاربة الذين التقينا بهم للأستاذ سي العربي، ومنهم عبد الكريم غلاب، والمكي الناضري..

عندما كان وزيرا للثقافة طلبنا منه (الدكتور قسوم وكاتب هذه الرقوم) أن يسمح للمعهد الوطني العالي لأصول الدين بإقامة نشاط فكري، ديني في قصر الثقافة، فرحّب بالفكرة، وأمر بتوفير ما يجب لإنجاح ذلك النشاط قائلا ما معناه: "سأطهر قصر الثقافة من السخافة".

ولم يخدلنا في ذلك إلا بعض المزكين لأنفسهم، ممن لايرون الدين إلا اشكالا...

كتقصير ثوب، وإطالة لحية، وتكحيل عين، وتخضيب شعر...

رحم الله سي العربي دماغ العتروس، وأحسن نزله، وزاده إحسانا إن كان محسنا، وتجاوز عن سيئاته إن أساء.. ويكفيه أنه كان على "مذهب" الشاعر القائل: أعادي فرنسا ما حييت فإن أمت... فأوصي إحبّائي يعادونها بعدي.

آخر التغريدات: