في ذكرى محمد الأمين العمودي

بقلم: محمد الهادي الحسني-

تذكرت أنه في مثل هذه الأيام تمر الذكرى الستون لاستشهاد الأستاذ محمد الأمين العمودي، حيث اغتاله الفرنسيون الأوباش في العاشر من شهر أكتوبر من سنة 1957. وإذا كان الفرنسيون ليسوا في حاجة إلى سبب لاغتيال أي شخص، خاصة إذا كان غير عادي، فإن السبب الذي اغتيل الأستاذ العمودي بسببه هو - كما جاء في إفادة الأستاذ الطاهر بوشوشي، صديق العمودي – تحريره وترجمته لتقرير بمعلومات جمعت بواسطة مناضلي جبهة التحرير الوطني، وسلمت للشيخ مصباح، ليسلمها بدوره إلى الأستاذ العمودي... وقد استعملت تلك المعلومات في نشاط المناضل عبد القادر شندرلي في الأمم المتحدة.. (انظر محمد الأخضر عبد القادر السائحي: محمد الأمين العمودي.. ص 25.ط. المؤسسة الوطنية للكتاب).

ولد محمد الأمين العمودي في بلدة وادي سوف في بداية التسعينيات من القرن التاسع عشر، حيث تختلف روايات ميلاده بين سنوات 1890 و91 و92.. وأرجحها سنة 1892. (انظر حفناوي قصير: الأمين العمودي... ص 8. د.ن. ط 2008). وقد أشار الأستاذ قصير إلى أن اسم العمودي هو الأمين، وليس محمد الأمين.. الذي أرجحه لأن العمودي نفسه استعمله في رسالته التي وجهها إلى الأستاذ محمد الهادي السنوسي، صاحب كتاب: شعراء الجزائر في العصر الماضي. ج2. ص 34. ط. بهاء الدين قسنطينة 2007).

تعلم محمد الأمين العمودي مبادئ اللغة العربية والفقه الإسلامي بعدما حفظ القرآن الكريم، كما التحق بالمدرسة الابتدائية الأهلية، أي الخاصة بالجزائريين، وحصل فيها على الشهادة الابتدائية في سنة 1905.

وفي سن السادسة عشر من عمره دخل "مدرسة" قسنطينة، وهي ثالثة ثلاث مدارس خاصة هي: مدرسة تلمسان، ومدرسة مدينة الجزائر، ومدرسة قسنطينة، وهي مدارس أسستها فرنسا لتخريج من تحتاج إليهم في الإفتاء، والقضاء، والترجمة.. وقد اختلف المتخرجون فيها بين المقتصد في وطنيته، والظالم لوطنيته، والسابق فيها، كالعمودي وابن نبي، ودماغ العتروس وغيرهم... وبعد تخرجه في "مدرسة" قسنطينة مارس العمودي وظيف "وكيل شرعي" و"مترجم"، بادئا حياته العملية من مدينة فج مزالة إلى مدينة بسكرة التي كانت تشهد حراكا سياسيا وثقافيا ودينيا، يقوده في الجانب الديني الشيخ الطيب العقبي، ويقوده في الجانب السياسي الدكتور الشريف سعدان، ويقوده في الجانب الأدبي محمد السعيد الزهري، ومحمد العيد آل خليفة، وحمزة بكوشة وغيرهم..

وبعدما استقر الشيخ الطيب العقبي في مدينة الجزائر للإشراف الأدبي على "نادي الترقي" رغب الأستاذ العمودي في الانتقال إلى مدينة الجزائر، وهو ما وقع...

وفي مدينة الجزائر بدأت شهرة الأستاذ العمودي تنتشر في أوساط المثقفين بما كان ينشره في مقالات سياسية، ومن آراء اجتماعية، وبما كان ينتجه من أشعار وإن كانت قلة، ولكنها كانت جلة... وفي أوساط العامة بما كان يروى عنه من نكت كان بعضها مقذعا.

وفي سنة 1931 هدى الله الخيرة من الجزائريين إلى تأسيس "خير جمعية أخرجت للناس" لتعلم الجزائريين ما جهلوا من دينهم، ومن تاريخهم ومن لغتهم، ولتعلمهم كيف يستردون غلابا ما ضاع من حقوقهم، وكيف يثأرون لشرفهم وكرامتهم... وقد يكون العمودي ممن ترجموا قانون الجمعية إلى اللغة الفرنسية.

وقد انتخب الأستاذ العمودي أمينا عاما للجمعية، فكانا اسما على مسمى، حتى اعترض الشيخ العقبي على وجود العمودي في الجمعية، فاستقال منها رغم إصرار الإمام ابن باديس على بقائه فيها، وقال كما حدثني الشيخ محمد الصالح رمضان: "إذا خرجت من الجمعية فلن أضرها، وإذا خرج العقبي فإنه يضرها: وقد أسس العمودي جريدة "الدفاع" باللغة الفرنسية لينقل بها مباشرة مطالب الجزائريين في جميع الميادين إلى الفرنسيين بلسانهم.

إن تأسيس الجمعية لجريدتي "الدفاع" و"الشاب المسلم" باللسان الفرنسي دليل على تفتح الجمعية على اللغات الأجنبية، عكس ما يصورها عليه أعداؤها وخصومها من المستلبين والفرانكوفيليين وإن تدثروا بدثار "الوطنية"، الذين خدموا الفرنسية في الجزائر أكثر مما خدمتها فرنسا نفسها... كان الأمين العمودي هو صاحب فكرة "المؤتمر الإسلامي" في سنة 1936، وطلب من الإمام ابن باديس أن تكون الدعوة للمؤتمر باسمه لقيمته العلمية، ومكانته المعنوية عند الجزائريين، وقد استجاب الإمام لذلك، ودعا إلى المؤتمر الإسلامي ليسحب البساط من تحت أرجل السياسيين الاندماجيين، يمينهم ويسارهم، ووسطهم. وليبين لهم أن فرنسا لن تقبلهم ولو صاروا فرنسيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم.

وإذا كان الفرنسيون وأولو النهى من الجزائريين قد أدركوا أبعاد المؤتمر الإسلامي، وأهمها اجتماع الجزائريين على هويتهم– الدين واللغة– غير القابلة للتنازل عنها– فإن بعض السياسيين والمفكرين– بمن فيهم الأستاذ مالك ابن نبي– لم يفهموا تلك الأبعاد، واكتفوا بالنظرة التكتيكية لذلك المؤتمر. ودليل فهم الفرنسيين لما يمثله "المؤتمر الإسلامي" من خطر عليهم هو تدبيرهم مؤامرة إفشاله، حيث جاءوا بعربيد أغروه بدراهم معدودة وطلبوا منه اغتيال "عدو جمعية العلماء" مفتى الجزائر كحول وأمروه بأن يصرح بأن المحرض له على الاغتيال هو الشيخ الطيب العقبي وعباس التركي... كما أوعزوا لصنيعة آخر أن يطلق الرصاص في قسنطينة على الشيخ أحمد الحبيباتني الموظف عند الإدارة الفرنسية ليتهم الإمام ابن باديس بذلك، كما حاكوا مؤامرة أخرى في الجانب الغربي من الجزائر، للإيقاع بالإمام البشير الإبراهيمي، وقد أخبره بهذه المؤامرة شخص يكتم إيمانه، يسمى يحيى بوثمن، كان يعمل في دائرة تلمسان.

وقد انبثق عن "المؤتمر الإسلامي" تنظيم سمي "شباب المؤتمر الإسلامي" شرف عليه كل من العمودي والفضيل الورثيلاني، لسنا ندري ماذا كان يجري في نفوس المشرفين عليه، ولكننا لا نستبعد أن يكون إنشاء مثل هذا التنظيم استعدادا لما ما منه بد مع الاستعمار الفرنسي...

كان الأستاذ العمودي متعدد المواهب والإمكانات، فهو أديب، خطيب، صحافي، شاعر، سياسي، إصلاحي، ولاشك أن من نقائصنا أن لا تجمع أعمال الأستاذ العمودي وتنشر في الناس.

يبدو في أشعار محمد الأمين العمودي نوع من التشاؤم نتيجة الأوضاع التي فرضتها فرنسا على الجزائريين، حتى أطلق عليه لقب "شاعر البؤس". (السائحي... ص 46) ولكن هذا التشاؤم لم يحطم نفسيته العنيدة وهمته العالية، وإذا كان قد ساءه انحطاطه– المادي– في الورى، لما في ذلك الانحطاط من المذلة والهوان، إلا أنه يؤكد أن:

ما همتي الإكثار من مال، ولا عشق العذارى القاتل الفتان

بل همتي المجد المؤثل، والعلا إني بذين لمغرم هيمان

دار زمانك يا "أمين" وأهله واصبر على ما قدر الرحمان

فإذا صبرت على احتمال مصيبة يوما، تولى أمرها الديان

واجعل من الإيمان قوتك كله ما خاب من في قلبه الإيمان.

إذا كان الأستاذ العمودي من حيث المظهر رجلا هِمًّا– أي ضعيفا رقيقا– فإنه من حيث المخبر كان رجلا هَمًّا، أي ذا همة– وكيف لا يكون كذلك وهو القائل عن نفسه:

إني وإن حط سوء الحظ منزلتي وقد علا شرفي بالظلم أقوام

في خلقي رجل بر، وفي أدبي فحل لأثمن در الشعر نظام

رحم الله الأستاذ العمودي، وجعله من الذين اتخذهم شهداء، الذين هم عند ربهم أحياء.

آخر التغريدات: