أثر العقيدة في بناء الحضارة لدى مالك بن نبي و فتح الله كولن

بقلم: عبد الحميد مدكور-

هذه الدراسة بمثابة جولة مع جانب من أفكار الأستاذين مالك بن نبي، ومحمد فتح الله كولن، حول دور العقيدة وأثرها في بناء الحضارة، واستعادة نهضة العالم الإسلامي. وقد أكدت الدراسة في مجمل سطورها، على أن هذين المفكرَيْن المسلمَيْن مهمومان بقضية النهضة، وأنهما يحملان هَمًّا مشتركًا، وينتميان إلى غاية واحدة، وينطلقان من مصادر واحدة، ومرجعيتهما الفكرية واحدة.. كما أنهما يعالجان مشكلات لا تخلو من التشابه.. ثم إن هذين المفكرَين هما جنديان في كتيبة هذا الفكر الإسلامي الذي يبحث عن حلول لنهضة هذه الأمة وإخراجها من عوامل التقهقر والتخلف التي أحاطت بها.. ويقدّران قيمة الفكر -المحوَّل إلى عمل وسلوك إيجابي- تقديرًا عاليًا؛ لأن هذا الفكر الإيجابي هو السبيل إلى فتح العالم، وهو البديل عما كانت تقوم به الجيوش قديمًا. وخلص الكاتب في نهاية الدراسة إلى إبراز جوانب التشابه في الرؤى والأفكار، وما تميز به كل مفكر عن الآخر فى مقارنة هادئة موضوعية بما يليق بهذين العلمين الكبيرين من أعلام الأمة الإسلام.

يؤكد كثير من المهتمين بفلسفة الحضارة وفلسفة التاريخ، أهميةَ العقيدة في بناء الحضارة الإنسانية وفي ازدهارها، ومن أشهر هؤلاء «جوستاف لوبون» -مؤرخ الحضارة المشهور- الذي أوضح هذه الأهمية على نحو قاطع لا يحتمل لَبْسًا؛ فقد ذكر أن أهم المبادئ التي تسير عليها الأمم، والتي تعتبر منار التاريخ وعماد الحضارة، تتمثل في المبادئ الدينية التي كانت -على الدوام- أهم عنصر في حياة الأمم والشعوب، ومن ثم كانت أهم عنصر في تاريخها، ولذا كانت أكبر حوادث التاريخ التي أنتجت أعظم الآثار في حياة البشرية، هي قيام الحضارات وسقوطها.

وقد احتل الدين هذه المكانة العظمى، لأنه -في رأيه- هو العامل الوحيد الذي تتوحد به -وقتًا ما- منافع الأمة ومشاعرها وأفكارها. ويقوم الدين بهذا كله دفعة واحدة، مستغنيًا بذلك عن غيره من العناصر التي تتكون منها روح الأمة، والتي لا تنتج هذه النتيجة إلا على مدى طويل في التاريخ.

ولم يكتف هذا المؤرخ بالعرض النظري للفكرة، بل إنه أكدها بالشواهد التاريخية الكثيرة التي استخلصها من دراساته الطويلة الشاملة، التي تدل دلالة واضحة على أن قيام الأمم بأعظم الأعمال، كان في عصر هذا التطور الذي يحدثه الدين في نفوس أتباعه، والذي بسببه تأسست أكبر الممالك في التاريخ.. وكان من أبرز الأمثلة التي قدمها -في هذا المقام- تاريخ الأمة الإسلامية التي نشأت وتطورت على أساس تلك الفكرة الدينية التي اقتبستها من محمد صلى الله عليه وسلم؛ فاستطاع هؤلاء الذين ينحدرون من سلالات بعض القبائل العربية، أن يقهروا أممًا كانت لا تعرف عنهم حتى الأسماء، وأن يشيِّدوا تلك الدولة الكبرى.

ويوجد مثل هذا الرأي -كذلك- لدى مؤرخ وفيلسوف كبير هو «أرنولد توينبي»، الذي يقرر أن للعقائد الدينية دورًا مهمًّا للغاية في مجريات التاريخ؛ حيث كانت البوذية سببًا في وجود حضارة الشرق الأقصى، وكانت العقيدة الهندوكية وراء ميلاد الحضارة الهندية، وكانت العقيدة المسيحية سببًا في نشأة الحضارة المسيحية الشرقية والغربية.. وكان الإسلام هو المصدر الذي انبثقت منه الحضارتان؛ العربية والإيرانية. وهكذا كان للعقيدة أثرها البالغ في نشأة الحضارة الإنسانية في عصورها المختلفة. وفيما يتعلق بالإسلام -خاصة- أشار «توينبي» إلى أن التوفيق الذي أصابته الدولة الإسلامية -وهو توفيق مذهل في رأيه- كان يرجع إلى العقيدة الإسلامية وحدها.

ويتكرر مثل هذا الرأي لدى فلاسفة آخرين، ممن شُغِلوا بفلسفة الحضارة وبيان أثر الدين في نشأتها وازدهارها. ومن هؤلاء «هنري بين»، و «هرمان دي كيسلر لنج»، وأمثالهما ممن لاحظوا هذا الارتباط الوثيق بين الدين والحضارة. ومن ثم كان ينبغي -في نظر هؤلاء الباحثين- أن نبحث في أي حضارة من الحضارات، عن أصلها الديني الذي بعثها.

ولم يكن غريبًا -إذن- أن يهتم مفكرو الإسلام بتأصيل هذه الفكرة، وتطبيقها على الحضارة الإسلامية التي كان الإسلام -بلا منازع- هو أصل نشأتها وباعث نهضتها، وإليه ترجع عوامل ازدهارها وقوتها. وهو -بالنسبة لها- بمثابة جذر الشجرة للشجرة؛ فهو الذي يمدها بالحياة والقوة والنماء، ولذلك كانت شديدة الحاجة إليه.. فإذا حيل بينه وبينها، أو ضعف تأثيره في عقل أصحابها ووجدانهم وأخلاقهم، كان ذلك نذير ضعفها وتقهقرها، وربما أدى ذلك إلى انهيارها وفنائها.

وقد كان الخوف على الإسلام وحضارته ومصير الأمة التي تؤمن به، من أقوى البواعث على الاهتمام بإحياء هذه الفكرة على مستوى النظر العقلي، والشعور النفسي، والسلوك الخلقي، والارتباط الاجتماعي، لاستنهاض الهمم، وتجديد اليقين بأن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها، وأن الإسلام بمفهومه الشامل -عقيدة وشريعة وأخلاقًا وتجربة تاريخية شامخة- هو طوق النجاة للأمة من وهدتها الحضارية التي تردت فيها في القرون الأخيرة، وأنه صالح -بما جعل الله فيه من سمات الخلود والقدرة على المقاومة والنزال التاريخي للقوى المعادية- لأن يستعيد عافيته، ويعاود قدرته على التأثير وتحريك الطاقات المادية والمعنوية لدى المؤمنين به، وأن يزيح من طريقه كل العوائق التي تحاول إضعافه وإبعاده، سواء كانت عوائق خارجية كالاستعمار والعلمانية، لا سيما في صورتها الشاملة المتجاهلة للدين أو المقاومة له، أم كانت عوائق داخلية كالفُرقة والانقسام والتخلف وشيوع التقليد والتمذهب والتشدد المجافي لروح الدين.

وقد انشغل بهذا الهمّ كثير من مفكري الإسلام في أقطاره المختلفة، وكان منهم -على سبيل المثال لا الحصر- رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد إقبال، وحسن البنا، والشيخ عبد الحميد بن باديس، وسعيد النورسي.. ثم كان من أكثر الذين انشغلوا بهذه القضية؛ مالك بن نبي -المفكر الجزائري الكبير (1973م)- والمفكر التركي الكبير محمد فتح الله كولن، وهما اللذان سيكونان موضوع عنايتنا، في هذا المقام.

1- أثر الدين في بناء الحضارة عند مالك بن نبي

كان بناء الحضارة واستعادة النهضة للعالم الإسلامي، من أهم الشواغل الفكرية لمالك بن نبي. ويمكن اعتبار هذا الجانب، ركنًا أصيلاً وجوهريًّا في مشروعه الفكري، كما تدل على ذلك كتاباته ومقالاته التي استمرت في الظهور، معبِّرة عن اهتماماته الفكرية والعملية مدة تقارب نصف قرن. ويمكن القول بأن انشغاله بهذه القضية الكبرى، لم يكن مجرد استجابة لدوافع فكرية أو فلسفية خالصة؛ بل إنه كان -كذلك- استجابة لدوافع دينية تتمثل في انتمائه إلى الإسلام الذي أقام -على امتداد القرون- حضارة شامخة أسهمت في تاريخ الحضارة الإنسانية.

ثم كان هذا الاهتمام، ردّ فعل لهذا الواقع المؤسف الذي كانت تمر به الأمة الإسلامية التي كان لها -بفضل الإسلام- مكانة رفيعة في بناء العلم والثقافة، والارتقاء بالأخلاق، وتحقيق مفاهيم العدالة والأخوة الإنسانية.. لكنها وقعت -في القرون الأخيرة- فريسة للأمّية والجمود الفكري والركود الحضاري، ثم للاستعمار الذي أنهك قواها ونهب ثرواتها، وعمل على فصلها عن جذورها الدينية وروافدها الثقافية، كما عمل على تفتيتها وتقسيمها على نحو أفقدها كثيرًا من عوامل قوتها وعناصر أصالتها، وطبعها -في كثير من جوانب حياتها- بالتبعية لنموذجه الحضاري.

وقد كان مما تبين لمالك بن نبي -بطول التأمل- أن محنة العالم الإسلامي ترجع إلى سببين:

أولهما أن الأفكار التي أثبتت فعاليتها في بناء الحضارة الإسلامية -منذ ألف عام- قد فقدت التصاقها بالواقع، ومن ثم لم تعد قادرة على التأثير فيه. ومن ناحية ثانية، فإن أفكار أوروبا التي أدّت إلى تشييد الحضارة الأوروبية، ليست بقادرة على النهوض بالعالم الإسلامي؛ لأنها وافدة من ثقافة غير ثقافته، ولم يتح لهذه الأفكار أن تؤثر في الواقع الإسلامي كما أثرت في بلد كـ «اليابان». والمحنة -إذن- مركبة «ونحن اليوم نقاسي هذا التدهور المزدوج، فالأفكار المخذولة في هذا الجانب أو ذاك، لها انتقام رهيب».

وكان مما أشار إليه في الجانب الأول المتعلق بالإسلام، أن العالم الإسلامي قد فقد الجذوة الروحية الدينية للإسلام، فلم يَعُدْ لها حضورها الفعال المؤثر في حياته كما كان الحال في عصر الازدهار الحضاري. وفي هذا المعنى يقول: «ولقد يقال إن المجتمع الإسلامي يعيش طبقًا لمبادئ القرآن، ومع ذلك فمن الأصوب أن نقول إنه يتكلم طبقًا لمبادئ القرآن».

وكان مما أشار إليه في الجانب الثاني قوله «إن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون؛ وقد استورد اليابانيون من أوروبا أفكارًا، بينما استوردنا منها الأشياء، بل استوردنا الرذائل في كثير من الأحيان قبل أن نأخذ منها بعض الأشياء الطيبة».

وكان على جميع المفكرين المهمومين بنهضة العالم الإسلامي، أن ينتبهوا إلى أن استعادة هذا العالم لنهضته، لن تتحقق باستيراد بعض العناصر من هنا أو من هناك ثم التلفيق بينها، بل كان عليهم أن يعملوا على تحديد العناصر الأساسية التي تسهم في خلق تركيب حضاري متجانس، بواسطة منهج يقوم على التحليل العلمي لهذه الظاهرة المركبة في جوانبها الفردية والاجتماعية، وفي عناصرها النفسية والتربوية.

عناصر بناء الحضارة

للحضارة تعريفات متعددة تختلف باختلاف الفلاسفة والمفكرين، كما تختلف باختلاف الثقافات والأيديولوجيات؛ ويقع الاختلاف في النظر إليها من حيث مقوماتها وعناصرها، ومن حيث الطابع الغالب عليها، ومن حيث علاقتها بالثقافة، وتساق التعريفات بالعشرات، بل تدخل في نطاق المئات(1).

ولا يشغل مالك بن نبي نفسه بالدخول في جدل نظري حول هذه التعريفات، بل يقدم تعريفًا لها من وجهة نظر وظيفية كما يقول: «الحضارة جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره». ثم هو يعرِّفها تعريفًا آخر أكثر تفصيلاً فيقول عنها إنها «مجموعة الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده، في كل طوْر من أطوار وجوده -منذ الطفولة إلى الشيخوخة- المساعدة الضرورية في هذا الطور من أطوار نموه، كالمدرسة والمعلم والمستشفى ونظام شبكة المواصلات.. واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعًا أشكالاً مختلفة للمساعدة التي يريد ويقْدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه».

ويلاحظ أن الحضارة -لديه- تأتي بمفهوم شامل للعناصر المعنوية والمادية، وأن الجانب المعنوي والأخلاقي فيها يأتي سابقًا على الجانب المادي منها. كما يلاحظ في التعريفين، أن الحضارة ذات صبغة اجتماعية؛ لأن الفرد -وحده- لا يصنع حضارة، ومن ثم فإن المجتمع -الذي هو صانع الحضارة- مكلَّف بأن يضمن وصول ثمرات الحضارة إلى كل فرد من أفراده، دون أن تستأثر بها طبقة أو فئة أو عنصر، كما وقع في بعض الحضارات القديمة والحديثة على حد سواء.

وإذا كان المجتمع الإسلامي يتطلع إلى تحقيق دورة جديدة من دورات الحضارة، فإن عليه أن يعرف مكانه من هذه الدورة، والشروط التي عليه أن يقوم بها، مع معرفة ما هو واقع فيه من عوامل الانحطاط، وما تنطوي عليه من أسباب التقدم. ثم عليه أن يتذكر -بدقة- نقطة الانطلاق في دورة الحضارة السابقة، حتى يفيد من تجربته الماضية فيما يطمح إلى تحقيقه في حاضره وفي مستقبله، وها هو يقول: «ولعل أعظم زيغنا وتنكبنا عن طريق التاريخ، أننا نجهل النقطة التي نبدأ منها تاريخَنا. ولعل أكبر أخطاء القادة، أنهم يُسقطون من حسابهم هذه الملاحظة الاجتماعية، ومن هنا تبدأ الكارثة، ويخرج قطارنا عن طريقه، حيث يسير خبط عشواء».

وينبغي -كذلك- أن تكون على علم بالمقومات الأساسية والجوهرية التي تقوم عليها الحضارة، ويشير مالك -في هذا الصدد- إلى عناصر ثلاثة، هي الإنسان، والتراب، والوقت. وقد تحدث عنها باستفاضة، وأشار إليها في أوائل ما كتبه عن النهضة مثل شروط النهضة، وظل حريصًا عليها فيما ظهر بعد ذلك من مؤلفات، حتى إنه لَيقول في واحد من مؤلفاته الأخيرة: «ولو سُمح لي أن ألخصّ وجهة نظر عَبَّرت عنها منذ ربع قرن، لقلت إنه ليس من الضروري -ولا من الممكن- أن يكون لمجتمعٍ فقيرٍ الملياراتُ من الذهب كي ينهض، وإنما ينهض بالرصيد الذي لا يستطيع الدهر أن ينقص من قيمته شيئًا؛ الرصيد الذي وضعته العناية الإلهية بين يديه: الإنسان، والتراب، والوقت»(2).

وليست هذه العناصر أو الأضلاع الثلاثة على درجة واحدة من الأهمية، بل إن الإنسان هو أكثرها أهمية؛ لأنه هو صانع التاريخ والحضارة، وهو باني المجتمعات ومؤسس العمران، ثم إنه هو مُبْدع الأفكار وحاملها وهي ذات قيمة كبرى في بناء الحضارات. ولذلك لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار. ولقد يحدث أن تلمّ بمجتمع ما، ظروف أليمة تمحو منه عالم الأشياء محوًا كاملاً، أو تفقده ميزة السيطرة عليه بعضًا من الوقت: «فإذا حدث -في الوقت ذاته- أن فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار، كان الخراب ماحقًا.. أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره، فإنه يكون قد أنقذ كل شيء؛ إذ إنه يستطيع أن يعيد بناء عالم الأشياء»(3).

ثم إن الإنسان هو الذي يعطي العنصرين الآخرين أهميتهما؛ فهو الذي يعمل لاستثمار عامل الزمن إذا كان إنسان حضارة، وهو الذي يتفاعل مع العناصر المادية التي يتضمنها عنصر التراب. وتقوم التربية بدور مهم في تحقيق هذه المهمة الكبرى، وذلك بتزويد الإنسان بالعناصر الأخلاقية والجماعية والعملية والتطبيقية، الملائمة لكل نوع من أنواع المجتمع أو الصناعة حسب تعبير ابن خلدون.

وهكذا ينتهي مالك إلى القول بأنه -وفي نقطة انطلاق الحضارة- ليس أمامنا سوى العوامل المادية الثلاثة: الإنسان، التراب، الوقت. وفي هذه العوامل ينحصر رأس مال الأمة الاجتماعي، الذي يمدها في خطواتها الأولى في التاريخ.

لكن هذه العوامل لا تقوم بدورها في بناء الحضارة، ولا تبدأ عملها في التاريخ -كما يقول- إذا ظلت منفصلة بعضها عن بعض. ولا بد -إذن- من مزج هذه العناصر وتركيبها، وإلا لكان لزامًا أن تستطيع كل جماعة بشرية تمتلك هذه العناصر متفرقة، أن تنشئ حضارة. وهذا غير متحقق في الواقع، «لأن هناك جماعات بشرية ما زالت تعيش -حتى الآن- في حالة ما قبل الحضارة». ومن أمثلة ذلك أن جزيرة العرب لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة، ومن ثم كانت هذه العناصر راكدة خاصة لا تؤدي دورًا ما في التاريخ.

ويختلف المؤرخون وفلاسفة الحضارة في تحديد هذا العامل المؤثر الذي يقوم بتركيب هذه العناصر؛ فالمؤرخ البريطاني الشهير «أرنولد توينبي» يرى أن أهم العوامل في قيام الحضارة يتمثل فيما أسماه «نظرية التحدي والاستجابة». فالتحدي يثير القوى الكامنة في المجتمع، ويؤدي إلى تعظيم طاقتها وقدرتها على مقاومة العقبات والمشكلات والتحديات العارضة(4).

لكن «مالكًا» ينقد هذا الرأي ويرتضى رأيًا آخر لبعض فلاسفة الحضارة، ممن يذهبون إلى أن الدين هو أكثر العوامل تأثيرًا في بناء الحضارات.

ويرى «مالك» أن الدين في تركيبه لعناصر الحضارة، أشبه بالموصِّل الذي يقوم بتوصيل أطراف الأسلاك الكهربية بعضها ببعض حتى يتولد التيار الكهربي. ويمكن تشبيهه -كذلك- بالعامل الوسيط في التفاعلات الكيميائية؛ فالأكسوجين والأيدروجين لا يكوِّنان الماء تلقائيًّا، بل إن ذلك التركيب يخضع لقانون معين يقتضي تدخل مركب ما، بدونه لا تتم عملية تكوين الماء: «وبالمثل لنا الحق في أن نقول إن هناك ما يطلق عليه مركِّب الحضارة، أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض». وهذا العامل الذي يدل عليه استقراء التاريخ، هو الفكرة الدينية التي رافقت -دائمًا- تركيب الحضارة خلال التاريخ.

ولكي يؤكد هذه الفكرة، شرع في تحليل عدد من الحضارات، ليبحث عن السبب الفاعل في نشأتها حتى لا يقال إن هذا الأمر خاص بالإسلام. وقدم -في هذا المجال- شواهد من الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية اللتين تنطلقان من الفكرة الدينية، وخلص من ذلك إلى القول بأن «الحضارة لا تنبعث -كما هو ملاحظ- إلا بالعقيدة الدينية، وينبغي أن نبحث -في حضارة من الحضارات- عن أصلها الديني الذي بعثها»، ثم يضيف قائلاً: «ولعله ليس من الغلو في شيء، أن يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية، وفي البرهمية نواة الحضارة البرهمية».

وهكذا يقرر في لهجة واثقة مستندة إلى الاستقراء التاريخي، ما يشبه أن يكون قانونًا عامًّا أو ما يسميه «سرا كونيا» يحتل فيه الدينُ هذا الموقع المهم في مجريات التاريخ الإنساني، يقول «فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي من السماء.. أو هي على الأقل تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام؛ فكأنما قَدَرُ الإنسان ألاّ تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية.. إذ حينما يكتشف حقيقة حياته الكاملة يكتشف معها أسمى معاني الأشياء، التي تهيمن عليها عبقريته وتتفاعل معها».

ولا يفتأ «مالك» يؤكد هذه الفكرة التي كانت تلح على فكره ووجدانه، فكان يكررها كلما وجد مناسبة لذلك، وكان يضيف إليها شواهد جديدة عند تكراره لها. وقد ذكر أن الحضارات الهندوسية والبوذية والموسوية والمسيحية والإسلامية، قد ولدت من هذه الانطلاقة الروحية التي أقامت هياكل «براهما» و «يَهْوَهْ»، ومعابد البوذية، والكنائس القوطية، والمساجد الإسلامية.. «فكل هذه الحضارات المعاصرة لنا، قد شكلت تركيبها المتآلف الأصلي للإنسان والتراب والزمن، في مهد فكرة دينية».

وقد أحس «مالك» أن من الممكن أن يُعتَرَض على هذه التحليلات كلها بالماركسية التي ترفض الدين أصلاً، ولهذا كان حريصًا على القول بأن الاشتراكية أو الماركسية في الاتحاد السوفيتي -الذي كان ما يزال موجودًا في حياة مالك- ليست استثناء من هذا القانون العام الذي تخضع له تلك الحضارات التي ذكرها، مع أنها ترفض الدين وتراه وسيلة برجوازية يراد بها صرف الطبقات العاملة عن المطالبة بحقوقها من أصحاب المال، اكتفاء بما سيلقونه من جزاء في الآخرة؛ لأن الأيديولوجية الماركسية قد تحولت عند أصحابها إلى عقيدة تماثل في قوتها وتأثيرها عقائد المؤمنين بالأديان، وأنها قد استخدمت -لنموها واكتمالها- كلَّ البنى التحتية: النفسانية والمفاهيمية المسيحية»(5).

ولا يفوت مالك بن نبي أن يشير إلى أن «جيفارا» الذي كان يخوض غمار النضال الماركسي لتحرير بعض دول أمريكا اللاتينية من براثن الاستعمار، كان يتحدث- أحيانًا- بنفَس تدخله حدة دينية.

ولم يكن «مالك» يجهل أن هناك نظريات كثيرة تفسِّر قيام الحضارة أو النهضة. وقد ذكر عددًا من هذه التفسيرات، ومن بينها ما يتعلق بعبقرية النوع أو العنصر البشري، ومنها ما يتعلق بتأثير الجغرافيا، ونظرية التحدي والاستجابة، ومنها ما يتعلق بالعوامل المادية والاقتصادية كما هو الشأن في التفسير الماركسي. لكن ذلك كله لم يكن كافيًا لزحزحته عن انحيازه لتأثير الفكرة الدينية التي رأى أنها لم تكن ذات تأثير مهم في نشأة الحضارات في الماضي فحسب، بل إنها صالحة -في الحاضر والمستقبل- لإحداث النهضة أيضًا: «فإن قوة التركيب لعناصر الحضارة، خالدة في جوهر الدين وليست ميزة خاصة بوقت ظهوره في التاريخ، فجوهر الدين -حسب العبارة الشائعة- مؤثر صالح في كل زمان ومكان ما لم يخالف الناسُ شروطه وقوانينه»(6).

ولا يكتفي «مالك» بتقرير هذه الفكرة عن تأثير الدين من الناحية النظرية، بل إنه يُعنَى بذكر بعض المسائل التفصيلية المستندة إلى وقائع عملية تشهد كلها بصحة الفكرة وتؤكدها. وكان من جملة ما قاله أن الدين هو الذي يطلق الشرارة الروحية في النفس الإنسانية، ويعمل على إطلاق الطاقات الكامنة فيها، وتمثلها لحظةُ التوتر التي تحرك هذه الطاقات الخاملة الخامدة، وتدفعها إلى الحركة والتأثير والفاعلية..

وفي هذا يقول: «إن الإسلام أتى بالمبررات الكفيلة بتحقيق أقصى ما يمكن من التوتر في الطاقات الاجتماعية، وأسمى ما يمكن من المصلحة التي تخدمها تلك الطاقات».

وبدأ هذا التأثير في حضارة الإسلام عندما تجلى الروح بغار حراء؛ فبدأت الحياة تدب في هذا المجتمع العربي، محدثة نقلة هائلة في حياته وفي رسالته.

ويشير «مالك» هنا إلى أن المجتمع العربي قبل الإسلام لم ينتج إلاّ عشر معلقات؛ ومعنى ذلك أنه كان في حالة من الخمود التي لا تسمح له باستثمار طاقاته، وأنه لم يكن في حالة من التوتر الاجتماعي الذي يدفع إلى الإنتاج بقوة وحرارة، وعندما جاء الإسلام استطاع أن يقيم حضارة خلال نصف قرن. ومعنى ذلك أن الإسلام أتى بالمبررات الدافعة لليد والعقل والقلب، لكي تحقق -متساندة- حضارة ذات إشعاع.

ولا يقتصر دور الدين على إطلاق الشرارة أو إعطاء لحظة التوتر، بل إنه يعطي -كذلك- للحياة هدفًا ومعنى، وهو يعطي للحياة امتدادًا وديمومة، ويحدد لها قيمًا كبرى يسعى الإنسان إلى تحقيقها. وهكذا يمنح الدين للإنسان الوعي بهدف معين تصبح معه الحياة ذات دلالة ومعنى. وحينما تمكِّن الفكرة الدينية لهذا الهدف من جيل إلى جيل، ومن طبقة إلى أخرى، فإنها حينئذ تكون قد مكّنت لبقاء المجتمع ودوامه.

وهكذا كان للإسلام الفضل في تحريك الإنسان السابق على الحضارة، والذي تحول بالإسلام إلى أن يكون صانع حضارة، إلى حيث يسوقه الله.

ولعل من أهم ما يحققه الدين للإنسان، أنه يزوده بالقيم الأخلاقية التي تحكم سلوك الفرد، وتهذب مشاعره، وترتقي بسلوكه، وتجعله -بالقبس الروحي الذي يمتلئ به ضميره، ويتطهر به فكره- رقيبًا على ذاته، محاسبًا لنفسه، لا يستنكف من الاعتراف بخطئه، ولا يتأبى على تحمل عواقبه مهما كانت جسيمة.. ولا يستطيع شيء غير الدين، أن يمنح أتباعه مثل هذا المستوى العالي من التطهير الذاتي، سواء أكانوا من عامة الناس أم من حكامهم(7).

وبهذا تكون -تلك الروح الخُلُقية- منحة من السماء إلى الأرض تأتيها مع نزول الأديان عندما تولد الحضارات.

ثم إن الدين من أقوى العوامل تأثيرًا في الإرادة الإنسانية، التي يمنحها الدين صلابة وجرأة وقدرة على الحركة والمقاومة والتغيير.. التغيير الذي هو مرهون في الإسلام بتغيير النفس؛ وكثيرًا ما كان يردد الآية القرآنية التي تقرر هذا المعنى: ﴿إِنَّ ﷲَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الرعد:11).

وهو يرى أن هذا يمثل النص المبدئي للتاريخ التكويني، لكنَّ على المسلمين ألاّ يكتفوا بتقرير هذا المبدأ من حيث الإيمان به فحسب، بل يجب أن ينقلوه إلى ساحة التاريخ، وبناء على ذلك يقول: «وإنها لشرعة السماء: غيِّر نفسك تُغيِّر التاريخ».

ولا يتوقف تأثير الدين على التأثير في أخلاق الفرد وإرادته ووعيه، بل إن هذا التأثير يمتد إلى التأثير في عقل الإنسان وفكره؛ فالعقل يفقد فاعليته -بل يفقد معناه- إذا غابت القيم الإيمانية. فأينما يقف إشعاع الروح يخمد شعاع العقل؛ يفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم، وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان، وليس هذا بغريب إذا تذكرنا أنه يشير إلى أن الدين يمنح الإنسان معنى الخلود، ويفتح له باب الأمل، ويمده بالطاقة التي تمكّنه من احتمال الألم ومواجهة النكبات. ثم يمتد تأثير الدين إلى الحياة الاجتماعية أيضًا، فالدين يربط الأفراد بعضهم ببعض: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ  وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ ﷲَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(الأنفال:62-63)، وهو قادر على التأثير في الشبكة الروحية والعلاقات الاجتماعية والتغييرات النفسية.. وهو ينقلهم بهذا، من الأنانية والفردية والعصبية والدوائر الضيقة المتمثلة في الفئة والطبقة والمستوى الاجتماعي والمادي، ليكون الجميع عباد ﷲ إخوانًا، يجمعهم هدف، وتربطهم غاية، يقول «إن روح الإسلام هي التي خلقت من عناصر متفرقة -كالأنصار والمهاجرين- أول مجتمع إسلامي، حتى كان الرجل في المجتمع الجديد، يعرض على أخيه أن ينكحه مَن يختار من أزواجه بعد أن يطلقها له، لكي يبني بذلك أسرة».

وكان للمجتمع الإسلامي الوليد نفس الهمة عندما كان يسمع نشيد الإسلام الفتي في أعماق روحه، ذلك النشيد الذي كان يسوق الأبطال إلى ميادين القتال أو إلى ميادين الشغل سواء. ثم إن المجتمع لا يستطيع أن يجابه أهوال الزمن، إلا بجهد تدعمه عقيدة لا يعتريها الشك أبدًا، كذلك فإن «التعاون بين الدولة والفرد، لا بد له من جذور في عقيدة تستطيع أن تجعل ثمن الجهد محتملاً مهما كانت قيمته لدى صاحبه، يضحّي -هكذا- بمصلحته وحتى بحياته في سبيل قضية مقدسة في نظره».

ولعل هذا كله يكشف لنا بوضوح رأي «مالك» في علاقة الدين عمومًا بالحضارة، وعلاقة الإسلام خصوصًا بها. وهو يرى -ونحن معه- أن قدرة الإسلام على بناء الحضارة قدرة متجددة، وأن العالم الإسلامي لن يستعيد حضارته باتباع الشرق أو اتباع الغرب، بل إنه لن يستعيدها إلا بالإسلام؛ ولكنه يتساءل: «أي إسلام؟»، ثم يجيب قائلاً: «الإسلام المتحرك في عقولنا وسلوكنا، والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي. وقوةُ التماسك هذه جديرة بأن تؤلف لنا حضارتنا المنشودة، وفي يدها -ضمانًا لذلك- تجربة عمرها ألف عام، وحضارة ولدت على أرض قاحلة وسط البدو، رجال الفطرة والصحراء»(8).

ويقرر «مالك» -في لهجة حاسمة كانت تفرضها واقعيته- أن الإسلام ليس في حاجة إلى مديح دون عمل به، لأن هذا نوع من التعويض بالكلام عن الواقع، والإسلام هو الفكرة والمنهج، أما الإنسان فهو الذي يقتنع بالفكرة ويطبق المنهج، ويستخدمهما في تحقيق تقدمه: «ولا شك في أننا حين ننقد مظاهر ضعف هذا العامل، فإن ذلك خير وأفعل من أن نستطرد في تقريظ الآلة، ومما لا جدال فيه أن الإسلام قد احتفظ بمضائه كدُرَّة فريدة في التاريخ، ولكن المسلم هو الذي فقد استخدامه الاجتماعي».

لقد تحدث مالك بن نبي كثيرًا عن ضرورة المنطق العملي الذي يلزم لتحويل الأفكار إلى أعمال، وللخلاص من الجدل الفكري الذي لا يؤدي في النهاية إلى تغيير في النفس والمجتمع، وعارض القول الذي يذهب إلى أن المجتمع الإسلامي يعيش طبقًا لمبادئ القرآن، ورأى أن الصواب أن يقال: إنه يتكلم طبقًا لمبادئ القرآن لعدم وجود المنطق العملي في سلوكه.

وكان هذا يمثل دعوة ملحة إلى ضرورة الانتقال من عالم الأفكار إلى الأعمال، ولكن الأفكار تظل حبيسة الكتب -بل حبيسة بعض العقول أحيانًا- ما لم تجد طريقها إلى التنفيذ، لتتحول على أيدي من يقتنعون بها ويعتنقونها إلى برنامج عمل ومنهج حياة.

وقد بقيت أفكار «مالك» تحلّق في سماء الفكر الإسلامي، بما يتحقق لها من فهم عميق وتحليل للمشكلات التي يعاني منها المجتمع الإسلامي في حياته العملية، أو في علاقته بالقوى المؤثرة في العلاقات الدولية. وقد حلل هذه المشكلات بروح الفليسوف، ومبضع الجراح وأدوات المهندس، مع رغبة في البناء وإرادة للتغيير.. ولكنها ظلت عملاً فكريًّا شامخًا يقوم على تكامل في الرؤية، واعتزاز بالإسلام دينًا وحضارة وأخلاقًا وجدارة باستعادة النهضة للأمة، بل للإنسانية. وقد أشبهت في هذا ما قدمه كثير من المشغولين بالنهضة في عالمنا الإسلامي منذ قرنين أو أكثر من الزمان، ولكنها كانت جميعًا بحاجة إلى الانتقال من عالم الفكر إلى عالم الواقع، ومن خزائن الكتب إلى حيز التطبيق. وهذا هو الذي حاوله فريق آخر من المهتمين بنهضة الإسلام، وكان من أبرز هؤلاء الأستاذ محمد فتح ﷲ كولن، الذي سيكون موضوع الحديث في الفقرة التالية:

2- محمد فتح ﷲ كولن

بدأت حياة الأستاذ محمد فتح ﷲ كولن في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين (1938م)، وكان العالم الإسلامي عندئذ -بل قبل ذلك بقرون- يعاني من الركود الفكري والتخلف المادي، كما أنه خضع لصراع مع الحضارة الغربية التي جاءت إليه غازية مستعمرة تبتغي احتلال أرضه، والحصول على ثرواته، وتقسيم شعوبه وبلدانه، وبذل الجهود لفرض أنموذجها الحضاري عليه، وحملت إليه فكرها وثقافتها لتقاوم عوامل القوة والتماسك والاستمرار فيه، وعلى رأسها انتماء هذا العالم إلى الإسلام.

وكان لهذا كله، أثر في حياة المسلمين. ويشير الأستاذ «كولن» إلى ما أسماه «التآكل الذي أصاب المسلمين في بنائهم الداخلي، من حيث الحياة القلبية والروحية، وتخلفهم -بمراحل طويلة- عن العصر». وكان من مظاهر هذا التآكل «التضحية بالدين في سبيل الدنيا طمعًا في عمارة دنيانا، وتبنّينا منهجًا يرجِّح الدنيا على الدين؛ فضاع الدين، وفرَّت الدنيا، وعاش العالم المجيد التعيس مرحلة التفريغ لميراث مبارك من ألف عام».

ولم يكن «كولن» من هؤلاء الذين يستسلمون لضغط الواقع مهما كان ثقيلاً، بل إنه -بما أوتي من بصيرة وأمل، وما تسلح به من همة وعزيمة- كان ينظر إلى عوامل القوة التي ما تزال كامنة في هذا العالم الإسلامي رغم ما يبدو عليه من ضعف. ولهذا نجده يقول: «وما زالت الأرض -بعد الدوار الطويل والتزلزل الشديد، رغم أنف الأشياء- قادرة على تحقيق هذا التكوين في الحاضر، مالكة لطاقةٍ تُحقِّق بعثًا جديدًا بعد الموت، وإنّ أمّتنا تمتلك تراكمًا علميًّا يجعلها قادرة على الريادة فيما حولها من التكوينات الجديدة».

ولم يغب عن فكر «كولن» ولا نظره، أن هناك محاولات للنهضة والإصلاح والبعث تشهدها تركيا وأماكن أخرى في العالم الإسلامي، ولكنه نظر إلى هذه المحاولات نظرة نقدية اتسمت بالصراحة والموضوعية والجرأة -بل والحدة أحيانًا- ولذلك وصف بعض هذه المحاولات بأنها تقليد وضيع، وتَكلُّمٌ بلسان الغير، وتجديد شكلي، وظهر فيما يقال إنه تجديد تلبُّسُ الفكر المِلِّي الديني بلبوس الفسق وتخريب روح الملة. وما كان لمثله أن يهادن مثل هذا الفكر، أو أن يتسامح مع هؤلاء الذين يرفعون رايته، وهو يرجو للأمة كلها -وفي مقدمتها تركيا- إصلاحًا حقيقيًّا يعيد لها مجدها العلمي والفكري والسياسي الذي كان لها من قديم.

وقد تصدَّى كولن -بقوة- لدعوات التغريب التي كانت تروِّج للنموذج الغربي على الرغم من سوآته وسيئاته الكامنة في بنيته الأخلاقية وسلوكه العلمي واستعلائه على الشعوب، ثم إهماله للدين قبل هذا كله.. وفي هذا يقول: «وما فعله الغرب -حتى اليوم- هو إهمال القيمة الدينية، ووصايا السيد المسيح عليه السلام؛ إذ شنوا الحروب في القارات، وأشاعوا الرق والاستغلال أينما حلوا، فلطّخوا وجه العالم بالسواد»، ثم يضيف قائلاً: «ثم إن هذا العالم يحاول أن يسلي نفسه بالمنجزات العلمية والتكنولوجيا هنا وهناك عن غمِّه بالثروة والراحة أحيانًا، لكن من البدهي أنها لن تمنح الإنسان سعادة مستمرة أبدًا.. ولذلك ما من شيء يتخذه دواء وعلاجًا، إلا ويزيد في قتام أفق الأمل الإنساني، ويضيف بؤسًا إلى بؤسه الروحي».

ثم نراه يكرر -في لهجة حاسمة- أن العالم لم يعرف حتى اليوم إيديولوجية نجحت في جمع البشر في ظلها زمنًا طويلاً، وأن الدول الغربية لم تستطع -رغم الادعاءات الكثيرة- أن تحقق الأمان للعالم، ولا أن تحقق السعادة له، ولم يفلح في ذلك دعاة الرأسمالية في الغرب ولا دعاة الشيوعية في الشرق، ولا المحايدون؛ وأن هذا الإخفاق زعزع أركان الثقة في هذه النظم أمام العالم، إضافة إلى عجز الحلول المطروحة وقصورها عن احتضان البشرية، ومخالفتها للطبيعة الإنسانية.. ولهذا تقف الإنسانية اليوم مع كل نظام يُعْرَضُ عليها، موقف الشك والقلق. ثم ذكر أن من أهم عيوب هذه النظم وأنكاها، إغفالها مجموعة من القيم الإنسانية، «فذلك كله قوَّض أركان الأيديولوجيات كلها، فخلفت خرائب وأنقاضًا فكرية.. ولذلك يمكن القول بأن الجميع اليوم -إلا شرذمة قليلة- في حالة تزعزع وخيبة أمل مريب، وبحث عن مخرج خارق للأسباب»(9).

ولم يكن هذا المفكر الذي نشأ في أحضان الإسلام، بحاجة إلى مزيد من البحث عن مخرج؛ لأن المخرج حاضر في ذهنه ووجدانه، مجرَّب على مدى تاريخ طويل، وهو صالح لإعادة الحياة من جديد إلى هذا العالم الإسلامي، الذي فقد روحه، وتخلى عن عوامل قوته.. وكان هذا المخرج هو «اكتشاف حقيقة الإيمان من جديد، واستشعار هذا الإيمان في وجدانه».

وهنا ينطلق «كولن» في حديث مستفيض عن الدين وأهميته، وأثره في التكوين النفسي والخلقي والاجتماعي للمؤمنين به، بما يسمح بتقدم المؤمنين به على نحو لا يحققه غيره، بسبب هذا الانسجام والتكامل بين قوي النفس في الفرد، وبين الأفراد بعضهم وبعض في المجتمع. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى حسن استثمار كل الطاقات والملكات والمواهب والإرادات والأعمال، كما أنه يؤدي إلى ضبط حركتها، ومنع تصادمها؛ حتى لا يقع صراع أو اختلال في نظامها، وتضادّ في حركتها، بما يترتب على ذلك من فشل في تحقيق أهدافها. ويضيف «كولن» أن الأديان كلها جاءت لترسخ هذا الفهم، «فقد وَضَع كلُّ دين ضوابط لتنظيم القدرات الفردية، فحوَّلتها إلى مقومات مهمة في توجيه كل الطاقات الكامنة الموجودة، نحو المسير إلى حضارة جديدة وعمران جديد. فبإرشاد الدين يوازن كل فرد حريته وفعاليته الشخصية مع حركة المجتمع وفعاليته»، وأن المتدين ينجح في هذا التفاعل بين الفرد والمجتمع، فيكون كالنجم في موقعه «يدور في فلكه حول مركز الجذب، وحول نفسه في الوقت نفسه».

وإنما يتحقق هذا بالدين؛ لأن الدين إذا تغلغل في الضمير وفي الشعور، يؤدي إلى ما يشبه أن يكون ولادة جديدة للإنسان، وأنه يؤثر في قواه تأثيرًا غير محدود، وأنه كلما تغلغل في القلوب «فسيتمادى تأثيره على أنشطته الذهنية والفكرية والعلمية، وبعد مدة سيحقق حصول طبيعة ثانية فيه: هذه الطبيعة ستبدي تأثيرها من الأعماق رويدًا رويدًا في كل صفحات حياته ومعتقداته وعباداته وأخلاقه وعلاقاته الاجتماعية، وارتباطه بربه وسلوكياته.

وإذا كان هذا التأثير يرتبط بالدين عمومًا، فإن ارتباطه بالإسلام أكثر قوة بسبب هذا الشمول الذي للإسلام. وهو ليس شمولاً في جمعه بين العقيدة والعبادة والشريعة والأخلاق فحسب -وهذا من عوامل كماله وتميزه- بل إنه شمول يمتد إلى التأثير البيِّن في الحياة الاجتماعية؛ لأنه يقيم حياة الأفراد والجماعات والنظم على العدل والاستقامة، ويحرر البشر من سلطة الأقلية، ويعمل على تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، ويقاوم الإقصاء والإبعاد لأصحاب الكفاءات لأسباب عنصرية أو سلطوية، ثم يعمل على إيقاظ الحركة الداخلية للفرد.. ويراعي خصوصيات الإنسان الأساسية مراعاة تامة، ويوقظ ملكاته الذهنية والفكرية والروحية بمجموعها، ثم يشحنه بطاقات متنوعة، فلا يحصر توجهه في العقل والفكر، ولا يهمل أحاسيسه، ولا يغض البصر عن آليات وجدانه كما تفعل بعض المدارس الفلسفية، «بل إن الإسلام ينظر إلى الإنسان بعين الخالق تعالى، فيضعه في قالب متين -بكلِّه الذي لا يقبل التجزؤ والانقسام- ويعدُّه بعناصر وجوده المادية والمعنوية كلها، ليكون جاهزًا للسعادة الدنوية والأخروية، وأهلاً لدخول الجنة».

ويتنوع حديث «كولن» عن هذا الإسلام ويشف، ويكتسب مسحة روحية وجدانية -فضلاً عن طابعها العقلي- ليزداد حديثه عن الإسلام قوة في بيان تأثيره في الفرد والمجتمع، ويتجلى هذا في بعض الأوصاف التي وصف بها هذا التأثير. فالإسلام «هو مصدر غذائنا الأصيل كحليب الأمهات». وهو -كذلك- يحدد للإنسان الهدف الذي هو «مُوَلِّد الطاقة (الدينامو) الأساسي لهذا الإنسان»، وهو الذي يرتقي بالملكات الإنسانية عندما تعتنق هذا الدين، فترث مواريث الإيمان في النفوس والعقول والمشاعر والأحاسيس. ثم يتحول هذا كله في النفس الإنسانية إلى نوع من العشق والاشتياق الذي يجعل من الإنسان المؤمن إنسانًا جديدًا قائمًا على محور الوجدان. ثم يمتد التأثير إلى كل سلوكيات هذا الإنسان العاشق المشتاق، فتصير عباداته وطاعاته وحركته كلها انعكاسًا لتأثير الدين في نفسه، «وتتمحور حركاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية كلها حول قوة الجذب المركزي هذه، فتتشكل فعالياته الفنية وأنشطته الثقافية بهذه المقومات الداخلية وتتوسع بها»، ويصير هذا الإيمان بمثابة شجرة طوبى.

وتتكامل كل صفات الكمال للإسلام، فهو يجمع بين العقل والقلب، وبين الدين والعلم، وبين الفكر والعمل، وبين الاعتقاد والسلوك، وبين المنطق والشعور، دون صراع أو تنافر.. ثم هو يقدم للبشرية كلها نظامًا للحياة -جديدًا وفريدًا- يقيم الوشائج بين الكائنات وخالقها، ويقطع دابر التناقضات في الإلهيات، ويسد كل الثغرات العقلية والمنطقية والفكرية والعاطفية في قلوب المخاطبين وعقولهم(10).

ثم تعلو نبرة الحديث عن الإسلام إلى آفاق علوية حين يصور آيات القرآن بأنها مائدة سماوية، وماء كوثر عذب رقيق، وشلال هادر شديد التأثير في قلوب من يستمعون إليه، وهو أشبه بفوارات دائمة الانبجاس، أو بالأحرى كالفواكه في تباشيرها الأولى القادمة من عالم الألوهية. ولا يوجد مثيل للإسلام في استجابته لحاجات الإنسان -بل لن يوجد- وهذا طبيعي للغاية «لأن مصدره الأول هو الوحي الصافي النقي، وتفسيره الأول هو السُّنَّة، فكما أن القرآن معجز، فكذلك نظامه المنبثق والمكوَّن من خطاباته وتعاليمه معجز، وكما أن القرآن لا مثيل ولا شبيه له، فلا مثيل ولا نظير للإسلام الذي يعد من آثاره».

وأما الروح الذي ينبثق من هذا الإسلام، فإنه لا يزال كالبحر الذي لا تسكن أمواجه، طاهرًا أبدًا، نديًّا عميقًا لا يتكدر -قط- بالأوساخ الفكرية (!!) لأي زمان أو مكان(11).

وسيطول بنا الحديث إذا تتبعنا هذه الإضاءات الفكرية، والوقفات الشعرية والشعورية التي تحدث بها الأستاذ «كولن» عن الإسلام، ولكن الرجل كان حريصًا على أن ينقل إلى سامعه -أو إلى قارئ فكره- أنه عندما يتحدث عن هذا الإسلام، يقصد به إسلام العصر النوراني الأول في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وفي عصر السعادة عصر الصحابة الأبرار رضي الله عنهم، ولكنه يلفت النظر إلى أن الإسلام -بسبب حفظ مصادره- صالح لإعادة الكرة مرة ومرات؛ لأنه لم يفقد أنواره، ولم تتبدد قوته، لأنها كامنة في جوهره وذاتيته، وليس بمستطاع أحد أن يطفئ هذه الأنوار، أو أن يبدد هذه القوة، وأنه ما على المسلمين إلا أن يعودوا بعقولهم وقلوبهم وأحاسيسهم إلى هذا النبع الصافي الذي لا ينقطع تدفقه، وأن يتذوقوا طعم الإيمان به، وأن يجنوا من ثمراته التي أفاءها ﷲ على البشرية كلها منذ سطعت أنواره، فتحول الأُميُّون إلى حَمَلَة لمشاعل العلم والحضارة والعدْل والتسامح والإنصاف والأخوة الإنسانية.

وينبغي أن يكون معلومًا -إذن- أن المقصود بالإسلام هو الإسلام الأول عند منابعة الأولى، وليس هو الإسلام الذي يبدو في واقع المسلمين المعاصر باهتًا ذاويًا فاقدًا لبريق جاذبيته السماوية. ولذلك كان النموذج الذي يصلح لاستحضاره في الذهن، وللاقتداء به في الواقع، هو نموذج الصحابة رضي الله عنهم أو ما يطلق عليه أصولنا الذهبية التي حملت الرايات في مراحل الارتقاء كافة وفي المقدمة رجال عصر السعادة النبوية. وهؤلاء هم المهندسون العظام لتاريخ الأمة الإسلامية، وهم الذين مثلوا الإسلام حق التمثيل.. وهم يقدمون مثالاً نموذجيًّا لتأثير الإسلام؛ إذ كان هؤلاء العرب قبل الإسلام مجتمعًا صلبًا للغاية، بل وحشيًّا متعصبًا لعاداته، ومعاندًا أشد العناد، متهاويًا في أخلاقه السيئة وعاداته الفاسدة.. لكن الإسلام حوَّلهم عن هذا كله، فيما يُعَدُّ معجزة باهرة للإسلام؛ «فهؤلاء أنصتوا للقرآن، وتربّوا بغذاء القرآن، وعشقوا صاحب القرآن، فإذا بهم يجدون أنفسهم في صعيد البناء والإعمار والإحياء، بعوالمهم الشعورية والفكرية والحسية»(12). وقد حملهم الإيمان على أن ينقلوا «إلهامات إيمانهم الفوارة في قلوبهم إلى صدور الآخرين، فبجملة واحدة بدَّلوا مصير الدنيا من النحس إلى السعد، وبنفخة واحدة صاروا صوت الأمل وَنَفَسَه في ثلاث قارات».

«وما دام جوهر الإسلام محفوظًا، فإن النهضة والقضاء على مشكلات العالم الإسلامي ليست بالأمر المستحيل كما قد يبدو لذوي العقول القاصرة أو الواقعين في أسر تجارب أخرى شرقية أو غربية، لكن هذا الأمر مرهون بأن يكون التمسك بالقرآن والسنة وإدراكُ مراميهما شبيهًا بالدرجة التي كان عليها المخاطبون بهما في العصور الأولى».

على هذا لن يتم الإحياء والتجديد والنهضة في العالم الإسلامي، إلا بأن يكون الإسلام في قلب الحركة التجديدية ومركزها.

وإذا كان الأمر كذلك، فإننا -كما يقول كولن- «لسنا بحاجة إلى أن نقدم فهمًا جديدًا للإسلام، ولا إعادة تعليم الإسلام للمسلمين، لكننا بحاجة إلى تفهيم المسلمين الأهمية الحيوية لما يعرفونه عن الإسلام»(13).

ثم ينبغي «أن يكون هذا الفهم مشروطًا بأن يتشبع المسلمون بروح الكفاح من أجل تحقيق هذا الإسلام، ويتخلصوا من الفتور، ويتصرفوا بوعي وانتباه، ويتعالوا على الشهوات النفسية والجسمانية، وأن يعيشوا حسب أفق القلب والروح، وألا يدَعوا مجالاً لظهور أي فكر سلبي في عوالمهم الداخلية».

الانتقال من الفكر إلى العمل

لعل أهم ميزات الأستاذ كولن أنه لم يتوقف عند التأصيل النظري للأفكار التي أقام عليها مشروعه للتجديد والإحياء والبعث، وربما يلاحَظ عليها أنها تتشابه مع مشروعات فكرية سابقة شهدها العالم الإسلامي على امتداد أقطاره وشهدتها تركيا نفسها.. ولقد نجد في كتاباته ذكرًا لبعض هؤلاء السابقين، وتقييمًا لأفكارهم، وإشادة بجهودهم، وثناء عليهم.. وقد نجد في بعض حديثه عنهم لمحات مهذبة، تشير إلى بعض أوجه القصور التي وقعت فيما قدموه من أفكار بجانب ما قدموه من عناصر إيجابية يمكن البناء عليها. «ومن هؤلاء من سبق فكرُه عملَه الحركي، ومنهم من تبارى فكره مع عمله الحركي، ومنهم رجال حركةٍ فكْرُهم مكنون ومخزون»(14).

إن «كولن» يقدّر قيمة الفكر تقديرًا عاليًا، ويرى أنه -في ظروف عصرنا- هو السبيل إلى فتح العالم، وهو البديل عمّا كانت تقوم به الجيوش قديمًا، ولذلك كان من صفات إنسان الفكر، أنه «وليّ الحق اللدني الذي يُعِدّ قادة أركان الروح ومهندسي العقل وعمّال الفكر، بدلاً من استخدام القوة المادية لفتح البلاد ودحر الجيوش».

وليس هناك ما هو أعلى من ذلك بيانًا لأهمية الفكر وتقديرًا لقيمته؛ فهو يمثل الخطوة الأولى للتغيير، وهو يمثل -بالتعبير الشائع هذه الأيام- خريطة الطريق التي تحدد المنطلقات، وتضع البرامج، وتصور المشكلات، بناء على فهم الواقع، والمعرفة بالتحديات والصعوبات، ثم تضع الحلول والبدائل التي تؤدي إلى تحقيق الغايات المرجوة من وراء هذا الفكر.

لكن هذا الفكر -على الرغم من هذه القيمة العالية- لا يكفي وحده لإحداث التغيير المنشود، بل لا بد من الانتقال -بعد إحكام الفكر وإجادة بنائه- إلى مجال العمل، أو إلى المنطق العملي الذي سبق مالك بن نبي إلى الحديث عنه، كما سبق إليه دعاة مصلحون في الهند، وفي مصر، وفي غيرها مع اختلاف في الوسائل والبرامج والغايات. ولذلك وجدنا الأستاذ كولن يتحدث عن بناء الحضارة (ونحن نبني حضارتنا)، ويتحدث عن إقامة صرح الروح (ونحن نقيم صرح الروح)، ويتحدث عن علاقة الفكر بالحركة، وخطر افتقاد الفكر، ثم خطر الوقوف عنده وحده دون انتقال إلى العمل.. وها نحن نراه يتحدث عن نوعين من البشر، يعيش أحدهما من غير ممارسة للفكر، ويتصف ثانيهما بأنه يفكر ولكنه لا يعكس فكره على واقع الحياة قط؛ فأما الذين يعيشون بلا فكر، فهم دُمى تقلّد الآخرين وتردد أفكارهم، وهو يشبّههم ببرَك الماء العقيمة الآسنة الخامدة، وهم يتحولون -بمرور الزمن- إلى مجمع للفيروسات، كما يتّهمهم بالضحالة والسطحية والطفولية(15)، ومن ثم كان من الواجب تجنب مثل هذا الموقف.. «أما ما ينبغي فهو أن يعيش الإنسان وهو يفكر، وأن يبتكر أنماطًا فكرية جديدة إذ يعيش، فيتفتح على آفاقِ مُركَّباتٍ فكرية مختلفة»(16). ومعنى ذلك أن هناك علاقة ديناميكية بين الفكر والعمل، فالفكر يتحول إلى عمل، والعمل يلهم المفكر أفكارًا جديدة تضيف إلى الفكر أبعادًا، ويستكمل جوانب وعناصر لم تكن ملحوظة لصاحبه قبل البدء في العمل، كما يمكن أن يؤدي العمل إلى تصويب الفكر أيضًا. وهكذا وجدنا «كولن» يتحدث عن تداخل الفكر والحركة في وقائع التاريخ العظيمة، وهو «تداخل يتربَّى ويتبرمج فيه العمل الحركي بالفكر من جهة، وتهيء فيه الحركة والجهد الحركي أرضية لأفكار وبرامج جديدة من جهة أخرى. فكأن الفكر بهذا المعنى سماء ومطر للعمل الحركي، أو فضاء وهواء له.. وكأن الحركية أرض وسندانة للفكر، أو تراب وقوة الإنبات فيه، فلا أحسب هذا الأداء المتقابل غلطًا؛ ذلك بأن كل جهد حركي هو تَحقُّقُ فكر وبرنامج، وكل فكر هو بداية ووتيرة للعثور على أُطُره الحقيقية في ثنايا التحركات الملتزمة به». ولهذا نجد «كولن» يضع هذا الترابط بين الفكر والحركة على قمة مشروعه وجهوده الإصلاحية، وفي هذا يقول: «يمكن تلخيص خط كفاحنا -كوَرَثة الأرض- بكلمتَي «الحركة» و «الفكر»، وإن وجودنا -بوجهه الحقيقي- يمر عبر الحركية والفكر؛ حركية وفكر يغيران الذات والآخرين».

وإذا كان «كولن» قد قدَّر الفكر تقديرًا عاليًا -كما سبق القول- فإنه يقدر الحركة على نحو مماثل، وذلك عندما يقول: «وإن أهم شيء وأشده ضرورةً في حياتنا، هو الحركية. فمن الضروري أن نتحرك على الدوام». وعلى المقتنعين بهذا الفكر -إذن- ألاّ يركنوا إلى الراحة، بل إن عليهم -كما يقول- أن يضعوا أنفسهم في ظروف قاهرة، ليعوِّدوا أنفسهم على الصبر والتحمل وابتكار الحلول، وتوقع المشكلات؛ «ولنحملْ فوق ظهورنا واجبات، ونفتح صدورنا أمام معضلات الحركية المستمرة والفكر المستمر ومهما ضحينا في هذا السبيل». ويعلل لذلك كله بقوله: «فإن لم نتحرك نحن، فسندخل في تأثير الدّوَّامات الفكرية والبرامجية لأمواج هجمات الآخرين وأعمالهم الحركية، ونضطر إلى تمثل فضول حركاتهم». ثم يحذّر من أن الإخلاد إلى السكون يؤدي إلى خطر الذوبان في الآخرين، كقطعة جليد سقطت في الماء.. وقد يؤدي هذا، إلى التسليم بما يناقض الذات ويضاد الجوهر. «فالحركة -إذن- بناء وحياة وتغيير وأصالة وحفاظ على الذات».

ولا ينبغي أن يفهم من هذا التقدير العالي للفكر وعلاقته بالحركة، أن «كولن» يغفل جانب الروح في بناء هذا الفكر أو في تربية معتنقيه؛ إذ إن من خصائص منهج «كولن»؛ التخلص من هذه الثنائيات المتضادة التي وقع فيها مفكرون آخرون، كالقول بالتناقض بين الدين والعلم، أو بين الفكر والعمل، أو بين العقل والروح، أو بين الفلسفة والتصوف، وهكذا.. بل إن «كولن» على عكس هؤلاء، يعمل على مزج هذه الأمور التي تبدو عند غيره متضادة، وهو يستخلص من كل جانب منها، ما يؤدي إلى التكامل مع الجانب الآخر. فالثنائيات -في فكره- تتكامل ولا تتناقض، ولذلك وجدناه -هنا- يقول في قوة وصراحة: «إن حركية حياتنا الدعوية والفكرية هي حياتنا الروحية، في حالٍ لا يمكن به فصل حياتنا الروحية عن فكرنا الديني، فقد تحقق كل صراع من أجل الوجود والحضور -خاصة لدى شعبنا- باللجوء إلى المعنى، والروح الإسلامية، وظهر بارزًا بالأعماق التي يختزنها في ذاته كلما توجه إلى الإسلام». وهو يرى أن هذا التكامل بين العقل والروح -وهو الأمر الذي يعود إلى الإسلام ذاته- يؤدي إلى تكامل في الشخصية الإنسانية، وإلى توسع وتنام في الطاقات والملكات والإمكانات المكنونة في الإنسان. وهو ينبِّه -هنا- إلى أهمية الطاقة الروحية، وأثرها في تحويل الفكر إلى عمل؛ لأن الفكر وحده ليس بإمكانه -في ذاته- أن يتحول إلى عمل، لأنه يغلب عليه التأمل الهادئ الذي يستغرق جهد المفكر الذي يُعْني -في المقام الأول- بالإحكام النظري، والتناسق الداخلي، والتميز الذاتي، وقد لا يعنيه جانب العمل فيكفيه أن يضع مذهبًا، أو أن يقدم منهجًا، أو أن يهدم فكرة.. ولذلك تبقى الأفكار حبيسة الكتب أو العقول، بعيدة عن التأثير الفعلي في حركة الحياة، ولا يتحقق لها ذلك إلا إذا تحولت إلى عقيدة أو أيديولوجية تحرك الإرادة الإنسانية، وتمنحها الصلابة والقدرة على التحمل.. وهذا دور الدين الذي يخاطب عقل الإنسان ووجدانه، ويؤثر في شعوره وإرادته، ويغير فكره وسلوكه.

ولذلك كان من الواجب في التربية، أن يتحقق الجمع بين إشراقات العقل وإلهامات الروح، والمزج بين الفكر والذكر، وبين التأمل والعبادة، وأن يتهيأ الإنسان للانتقال من المنطق والمحاكمة (الفلسفة)، إلى تلقي الإلهام والواردات الإلهية، وبهذا يكون «كل تصرف للمؤمن الحقيقي عبادة، وكل فكر منه مراقبة، وكل كلام له مناجاة وملحمة معرفة». أو بعبارة أخرى -كما يقول- «من العسير الارتقاء إلى هذه الذروة، ما لم تُحرَّر التجربةُ في مصفاة العقل، وما لم يسلِّم العقلُ نفسه للفطْنة العُظمى، وما لم يقع المنطق في الحب عينه، وما لم ينقلب الحب -أيضًا- إلى عشق إلهي». فإذا تحقق هذا، كان العلم بُعْدًا من أبعاد الدين وخادمًا له، وكان العقل طيف نور يصل به الإلهام أينما شاء، وأصبحت المكتسبات التجريبية موشورًا يعكس روح الوجود، ويصدح كل شيء بصوت أناشيد المعرفة والمحبة والذوق الروحاني.

ولذلك وجدناه يتحدث عن إقامة صرح الروح، وعن ترانيم الروح وأشجان القلب، وعن التلال الزمردية التي يستخلص فيها من مقامات التصوف وأحواله ما يؤدي إلى ترقية النفس وتهذيبها، واكتسابها لأخلاق التواضع والتضحية والفناء عن الشهوات والرغبات.. كما وجدناه يتحدث عن رياضة الأوراد والأذكار، واستمعنا إليه وهو يتحدث عن صفات ورثة الأرض فيجعل من عناصرها الإيمان الكامل والعشق الذي يُعَدُّ أهم إكسير للحياة، وأن الذي يؤمن بالله ويملأ قلبه بمعرفته، يعيش عمره كله وسط حالات المدّ والجزر للعشق والمواجد والجذبات والانجذابات والأذواق الروحية.. ومن ثم فنحن في الحاضر وفي كل مناسبة «بحاجة إلى أن تفيض القلوب من العشق، وأن تطفح من الشوق في فهم جديد لتحقيق انبعاث عظيم». ووجدناه -وهو يتحدث عن ضرورة الفكر الرياضي لورثة الأرض- يقول: «إن أصحاب هذا الفكر الرياضي، يجمعون بين الرياضيات وقوانينها ويصاحبونها دائمًا من الفيزياء إلى الميتافيزيقا، ومن المادة إلى الطاقة، ومن الجسد إلى الروح، ومن الشريعة إلى التصوف. إننا مضطرون إلى قبول الأسلوب المزدوج لفهم الوجود فهمًا شاملاً، وأعني الفكر التصوفي والبحث العلمي».

وكما قررنا سابقًا، لم ينحصر مشروع هذا الأستاذ في نطاق الفكر، بل إنه خرج إلى نطاق الحركة والتأثير. وتمثل هذا في جماعة «الخدمة» التي اعتنقت أفكاره، وبذلت من روحها وجهدها وجهادها من أجل تطبيقها، وتحملت في سبيلها تضحيات ومشقات وحركة دائبة مستمرة، وتنقلاً إلى كل مكان تمتد الخدمة إليه في تجرد كامل، وإخلاص عظيم، ودون انتظار لميزة مادية، أو مكانة اجتماعية، أو منصب رفيع.. ويكفيهم ما يستشعرونه من مشاعر الرضا التي تملأ قلوبهم، وهم يعملون على إرضاء ﷲ تعالى، وتحقيق مراده، واستعادة مجد الإسلام، وإثبات جدارته وقدرته على بناء الحضارة في هذا الزمن، وفي كل الأزمان.

إن هؤلاء هم فسائل الروح الذين يقتدون بالصحابة الذين شهدوا عصر النور والسعادة، وينسجون على منوالهم، ويظهر في حركتهم وسلوكهم التفاني النبيل، والتواضع الجميل، وإنكار الذات.. وهؤلاء يستحقون إلقاء الضوء عليهم، وبيان المنهج التربوي المعرفي والسلوكي الذي يُرَبَّوْن عليه، والخصال الخلُقية الرفيعة التي يتصفون بها، ونماذج القدوة التي تصدر عنهم.. وهؤلاء ذوو دور عظيم في هذا الانتقال لأفكار هذا الأستاذ من عقله المملوء حكمة ورشدًا، وروحه المتوهجة بالمحبة والشوق إلى نطاق الحياة على امتداد أقطار الأرض.. وظهر هذا على شكل مدارس تمتد -حتى الآن- إلى مائة وسبعين بلدًا، وإلى جامعات تتميز بجمعها بين منجزات العلم وأخلاقيات الدين، وفي مستشفيات ووسائل إعلام.. ويمكن القول بأن هؤلاء العاملين في نطاق «الخدمة»، هم أسباب قدرية هيأها ﷲ تعالى لإنجاح هذا المشروع. وهم -لذلك- جديرون بالكتابة عنهم وبالتعريف بهم وإن كانت الكتابة عنهم لا تتكافأ مع جهودهم(17).

3- خاتمة وتعقيب

بعد هذه الجولة مع جانب من أفكار الأستاذين مالك بن نبي ومحمد فتح الله كولن حول دور العقيدة وأثرها في بناء الحضارة واستعادة النهضة للعالم الإسلامي، يمكن أن نقول كلمات عن علاقة هذه الأفكار بعضها ببعض، بعد أن نلاحظ ما يأتي:

أننا لا نقوم بمقارنة شاملة لأفكار الرجلين؛ لأن ذلك ليس هدفًا من أهداف البحث، ثم هو مما لا يتسع البحث له أيضًا.

أننا لا نقصد من وراء عرض هذه الأفكار، أن نستخرج مواطن التأثير والتأثر في العلاقة بين فكرهما، حتى مع إمكان وجود التشابه الذي يشي بالتأثر؛ وذلك لأن هذين المفكرَيْن المسلمَيْن مهمومان بقضية النهضة، وهما يحملان -مع غيرهما من المفكرين المسلمين- هَمًّا مشتركًا، وينتميان إلى غاية واحدة، وينطلقان من مصادر واحدة، ومرجعيتهما الفكرية واحدة، وهما يعالجان مشكلات لا تخلو من التشابه أيضًا.. ثم إنهما جنديان في كتيبة هذا الفكر الإسلامي الذي يبحث عن حلول؛ لنهضة هذه الأمة وإخراجها من عوامل التقهقر والتخلف التي أحاطت بها بتأثير الاستعمار والعلمانية واستيراد النموذج الغربي أو فرضه بالقوة الخارجية أو الداخلية.. ولذلك ليس ببعيد أن تتقارب الرُّؤى وأن تتشابه الحلول، وأن تظهر في آراء الأستاذ كولن أصداء من فكر مالك بن نبي، كما تظهر فيه أصداء من فكر غيره أيضًا.

ومع ذلك يبقى لكل مفكر طابعه وشخصيته ونمط تفكيره.. فمالك بن نبي يغلب عليه الطابع الفلسفي الذي يُعنَى بالتحليل للظواهر الاجتماعية بمفهومها الشامل للثقافة والحضارة، وهو منذ كتابه الأول «شروط النهضة» وما تلاه من كتبه عن الثقافة ومشكلة الأفكار ثم ما ظهر في كتابه «ميلاد مجتمع»، يقدم نظرية في فلسفة التاريخ يمكن وضعها إلى جانب النظريات المقدَّمة في هذا المجال، وهو يستخرج لبنات هذه النظرية من آراء بعض المفكرين، ومن النظر العميق في القرآن الكريم وسنة الرسول ›، ومن النظر في أحوال المجتمع الإسلامي عمومًا، والمجتمع الجزائري على وجه الخصوص. وكان لهذا الطابع الفلسفي في التحليل والتركيب والمقارنة، أثر في صياغته لأفكاره وبنيتها النظرية.

لكن هذا لم يكن يعني الإهمال للجانب العملي الذي تنتقل به الأفكار إلى حلبة الواقع، وكثيرًا ما تحدث عن المنطق العملي، وعامل الفاعلية أو الفعالية. وقد لاحظ أن من أهم أسباب تخلف العالم الإسلامي هو غياب المنطق العملي. وانقدح هذا في ذهنه منذ شبابه الأول عندما ذهب إلى فرنسا، ونبّه على ذلك في عديد من المناسبات، ولكن يبقى -مع ذلك- أن الطابع النظري هو الغالب عليه. ثم إنه لم ينتمِ إلى حزب ولم يُنشئ جماعة تقوم بهذا الجهد في تحويل الأفكار إلى أعمال.

وهذا ما يتضح بجلاء فيما يتعلق بالأستاذ فتح ﷲ كولن، حيث رزقه ﷲ هذه الجماعة المخلصة التي قامت بهذا الدور العظيم كما ذكرنا منذ قليل. وليس معنى ذلك أن «كولن» لا يقدم نظرية في النهضة، بل إنه يفعل ذلك؛ لأن الفكر هو دليل العمل، وهو يمثل نقطة البدء فيه، ولا بد أن يتحقق له صفة العمق والتخطيط، ليكون ذلك من أسباب نجاحه عند التطبيق. ثم إن عناية «كولن» بالجانب الروحي في بناء الشخصية، كانت أكثر من عناية مالك بن نبي بها. ولعل «مالكًا» كان سيء النظرة إلى التصوف بسبب بعض الظروف المحلية في الجزائر، والتي تمثلت فيما كان يقع من تعاون بين بعض الطرق الصوفية في الجزائر والاستعمار الفرنسي، مما جعل أصحابها موضع الهجوم من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية والجهاد لتحرير الجزائر؛ كالشيخ عبد الحميد بن باديس وغيره.. أما التصوف في تركيا، فقد كان له دور عظيم في الحفاظ على الإسلام في مواجهة الهجوم العاتي عليه من جانب الدولة والسلطة العسكرية، ويتجلى هذا الجمع بين العقل والقلب في فكر مفكر كبير كبديع الزمان سعيد النورسي الذي يُجلّه «كولن» إجلالاً كبيرًا كما يظهر في فكر آخرين.

وهكذا، يمكن أن يتسع القول في وجوه التشابه والاختلاف بين المفكرَيْن، ولا بأس في ذلك ولا ضرر، بشرط أن تكون المقارنة هادئة موضوعية خالية من التحزب والعصبية، لأن هذا هو اللائق بهما وبأمثالهما من أعلام المفكرين المسلمين.


الهوامش:

(1)  انظر على سبيل التذكرة: الحضارة، د. حسين مؤنس، عالم المعرفة، ط:2، 1998م، الكويت. نظرية الثقافة، تأليف مجموعة من الكتاب، ترجمة: د. علي الصاوي، عالم المعرفة، 1997م، الكويت، ومقدمته بقلم د. الفاروق زكي يونس.

(2)  بين الرشاد والتيه، إصدار ندوة مالك بن نبي، طبع دار الفكر، 1986م، سوريا، ص:60. وانظر: تأملات، مالك بن نبي، ص:168 وما بعدها. وانظر: تفصيلات كثيرة عن هذه العناصر الثلاثة وكيفية إحيائها وتفعيلها، لتكون ذات فعالية وتأثير في بناء الحضارة: شروط النهضة، مالك بن نبي، ص:64-65 وما بعدها، ثم ص:113 وما بعدها.

(3)  انظر: ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ترجمة: د. عبد الصبور شاهين، دار العروبة، ط:1، 1962م، القاهرة، 1/42. وهو يشير هنا إلى تجربة ألمانيا التي هزمت في الحرب العالمية الثانية هزيمة ساحقة، ولكنها سرعان ما أعادت بناء ما فقدته في الحرب، بفضل رصيدها من الأفكار.

(4)  انظر: مختصر دراسة التاريخ، توينبي، ترجمة: محمد فؤاد شبل، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط:2، 1996م، 1/233. مع أرنولد توينبي، ترجمة: محمد عبد ﷲ الشفقي، طبع الدار القومية، 1964م، ص:32-33. وانظر مقدمة هذا البحث.

(5)  انظر: شروط النهضة، مالك بن نبي، ص:79-81. ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، 1/66، 27. القضايا الكبرى، مالك بن نبي، ص:60-61. وهكذا، فإن الفكرة الدينية تتدخل إما بطريقة مباشرة وإما بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها في التركيبة المتآلفة لحضارة ما.

(6)  انظر: شروط النهضة، مالك بن نبي، ص:87. وهو يعزز فكرته ويدعمها بآراء بعض فلاسفة الحضارة من أمثال هرمان دي كيسرلنج، وهنري بين. انظر: شروط النهضة، ص:82-84، ص:91-109.

(7)  يمكن الإشارة هنا إلى ماعز والغامدية، كما يشير هو إلى بعض ما فعله عمر بن الخطاب œ. انظر: القضايا الكبرى، مالك بن نبي، ص:113.

(8)  شروط النهضة، مالك بن نبي، ص:136-137. ويثير هذا القول الحاسم موقفا محددا من أولئك الذين يرون أن العالم الإسلامي يمكن له النهوض باستيراد النماذج الحضارية، وهذا عنده غير ممكن لأن بناء الحضارة يرتبط بالأصالة الحضارية ارتباطا وثيقا، ولأن الحضارة ينبغي أن تبني مقوماتها لا أن تستوردها، ثم إن التكديس للأشياء لا ينتج حضارة. وقد عالج هذه الفكرة معالجة مستفيضة في عديد من كتبه، وفي مقدمها «شروط النهضة» و «مشكلة الأفكار»، وفيما جمع من أبحاث في القضايا الكبرى، وفكرة الآسيوية والإفريقية، وفي كتابه «في مهب المعركة» الخ، وهذا كله يحتاج إلى معالجة واسعة لا يتسع لها المقام.

(9)  ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:36، 37؛ وانظر: ص:97. ويصل حسمه لهذا الموقف إلى أن الوقوع في أسر التغريب جريمة، وأن أصحابها مجرمون، وأنه لا بد من التجدد الذاتي، (انظر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:37-38)، وأن هذه الأيديولوجيات الفاسدة ظلت غريبة عن أرواح المسلمين، وأنها لم تجد لها مكانًا في جسم الأمة إلا بمقدار الضعف الذي أصاب جهازها المناعي، (انظر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:98).

(10)  انظر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:55-56 وما بعدها؛ وانظر: ميزات أخرى، في المرجع نفسه ص:77-78 ومن أهمها: الاستناد إلى الوحي، والأفقُ العرفاني الذي ترتقي إليه النفس الإنسانية.

(11)  انظر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:97؛ وانظر: نصًّا مهمًّا ينقله عن الأستاذ المصلح المجدد بديع الزمان سعيد النورسي، ص:110 من كتابه الكلمات.

(12)  انظر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:102-103؛ ثم إنهم عملوا بعد ذلك على إحياء الآخرين أيضًا (ص:103-104).

(13)  ونحن نبنى حضارتنا، فتح الله كولن، ص:47، وهو يتفق في هذا مع مالك بن نبي، كما سبق القول.

(14)  انظر مثلا: ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، ص:63-64. ثم انظر ما بعدها إلى ص:79، وهو يشير إلى استحقاق جهود هؤلاء إلى دراسات أكاديمية على مستوى الماجستير والدكتوراه، انظر: 63، 65.

(15)  ثم لا يقف نقده لهم عند هذا الحد، بل يصفهم بصفات أخرى؛ انظر: ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، ص:120-121.

(16)  ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، ص:120؛ وهو يتحدث عن الصفات الإيجابية لهؤلاء في ص:121، 122.

(17)  يمكن الإشارة والإشادة هنا ببعض الجهود العلمية التي قُدِّمت حول الخدمة، ومنها: فلسفة الخدمة لدى الأستاذ محمد فتح الله كولن، د. أركون جابان، نشر ضمن الكتاب الذي صدر عن مؤتمر: مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي عام 2009م بجامعة الدول العربية، ونشرته دار النيل 2011م، ص:257-269؛ وبحث د. عمار جيدل، المنشور بالكتاب نفسه، ص:448-472؛ والكتاب القيم الذي قدمه د. محمد باباعمي بعنوان: فتح الله كولن ومشروع الخدمة، دار النيل، 2011م، وهو يركز على التأصيل النظري للأفكار وكيفية تحويلها من نطاق الفكر إلى نطاق الفعل، ص:4 (من المقدمة).


المراجع

(1)  سر تطور الأمم، تعريب: أحمد فتحي زغلول، المطبعة الرحمانية 1921م.

(2)  توينبي مبتدع المنهج التاريخي الحديث، محمد فؤاد شبل، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975م، القاهرة.

(3)  شروط النهضة، مالك بن نبي، ترجمة: عمر مسقاوي، د. عبد الصبور شاهين، دار الفكر، ط2، 1969م، سوريا.

(4)  مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن بني، ترجمة: د. بسام بركة، د. أحمد شعبو، دار الفكر، ط:1، 1988م، سوريا.

(5) وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ترجمة: د. عبد الصبور شاهين، دار الفكر، 1986م، سوريا.

(6)  تأملات، مالك بن نبي، إصدار ندوة مالك بن نبي، دار الفكر، 1979م، سوريا.

(7)  القضايا الكبرى، مالك بن نبي، دار الفكر-دار الفكر المعاصر، 2000م، لبنان.

(8)  بين الرشاد والتيه، إصدار ندوة مالك بن نبي، طبع دار الفكر، 1986م، سوريا.

(9)  ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ترجمة: د. عبد الصبور شاهين، دار العروبة، ط:1، 1962م، القاهرة.

(10)  ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، ط2، 2006م، القاهرة.

(11)  ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2011م، القاهرة.

(13)  ترانيم روح وأشجان قلب، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، 2006م، القاهرة.

(14)  التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، 2006م، القاهرة.

(15)  القلوب الضارعة، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، 2009م، القاهرة.

(12)  تجديد التفكير الديني في الإسلام، محمد إقبال، ترجمة: عباس محمود، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1986م.


المصدر: نسمات، الإصدارة الأولى، نوفمبر 2016

(1) تعليق

  1. جمال بن السايح أبو انفال

    بسم الله الرحمن الرحيم اشكر الباحث الأستاذ مدكور على مقاله المطول..خاصة عندما تكلم عن إمام الفكر و منظر الحضارة الأستاذ الكبير مالك بن نبي هذا الذي تبنت افكاره و تشربتها دول اسلامية كبيرة كماليزيا و اندونيسيا و حتى تركيا اليوم ..و لقد بلغني أن جامعات دولة الكيان الصهيون شرعت في تدريس افكاره ..هذا لعمري دليل على ان مالك رحمه الله قد اسدى لأمته حيا و ميتا خيرا كبيرا جزاه الله عنا و عن الأمة خيرا..ورغم الحيف الذي لقيه في وطنه الأم و الوطن العربي الا انه و هو يعرف الغرب بقي وفيا لدينه و وطنه و لم يخن ،انسجاما مع افكاره و مبادئه....أما الثاني و هو عبد غولن فانا هنا اربا بنفسي ان اسميه عظيما من عظماء الفكر التركي لأن هذا غير صحيح و لم يسهم باي نهضة بل كان و لا زال عميلا لأعداء أمته الاسلامية و لو كان عظيما لقال قولة ابن باديس في فرنساو الله لو قالت لي امريكا قل لا إله الا الله لما قلتها). ثم شتان بين المفكر الكبير مالك و غولن و لا يجوز بتاتا المقارنة بينهما.و قد بين لنا قرىن الفرق بين القول و العمل لنقس الرجال بالحق لا الحق بالرجال في قوله تعلى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } (سورة الصف 2 - 3).. فمالك رحمه الله عرف الاستدمار ووصفه بما فيه و تحاشاه في الحرب و بعدها و قبِل بانفه و إن كان اجدعا. اما غولن فلا. و السلام لكي لا اطيل. جمال بن السايح أبو انفال الأغواط في:29/جمادى الأولى/1439الموافق لـ: 15/02/2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: