جمعية العلماء وحاجتها إلى جريدة

بقلم: فرحات بن الدراجي-

ما من أمة من الأمم التي على وجه البسيطة إلا وهي مدينة في نهضتها أو استقلالها لجمعية أو جمعيات خدمتها وأخلصت في خدمتها. فحاجة الأمم إلى الجمعيات ضرورة محاجتها إلى الغذاء الذي به قوام الحياة، وتعني بالجمعيات الجمعيات التي تقوم على أفراد مفكرين مثقفين لخدمة مبادئ سامية وغايات نبيلة فيها نهوض بالوطن وحياة للأمة وترقية للمجتمع.

والجمعيات التي من هذا الطراز يوجبها القرآن على المسلمين ويفرضها عليهم بصريح العبارة.

"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"

ذلك لأن الإنسان بمفرده مهما أوتي من وفرة العلم وسداد الرأي ومضاء العزيمة والإخلاص في العمل فلن يكون لعمله من التأثير لعمله من التأثير والنفوذ ما يكون له لو كان في جماعة، وفي اعتقادي أو وجود الجمعيات في أمة دليل على يقظتها ورقيها وعدمها في أمة دليل على انحطاطها وجمودها.

والأمة الجزائرية من أحوج الأمم إلى جمعية تكون مهمتها ترقية المجتمع وتهذيبه تهذيبا عليا دينيا.

ومنذ خمس سنوات تأسست جمعية العلماء لتضطلع بهذه المهمة، وقد قطعت في تأديتها شوطا بعيدا.

ولقيت من الأمة كل إقبال وتأييد.

ومن البديهي أن الجمعيات في مثل هذا العصر بطبيعة حالها في حاجة ماسة إلى جريدة أو جرائد لتعلن فيها ما ترسمه من الخطط وما ترمي إليه من الغايات ولتدحض عن نفسها ما من شأنه أن يحط من قيمتها ويزري بكرامتها.

لذلك رأت جمعية العلماء ورأى معها كل مفكر منصف أنها لا تستطيع أن تبلغ رسالتها كما يجب إلا بإنشاء جريدة تكون همزة وصل بينها وبين الأمة لتنثر فيها ما تسعى إليه من الغايات وما تراه ملائما لحال الأمة من التهذيب والتعليم وما قد تذيعه من النشريات التي قد تقتضيها الحاجة ولو كان لجمعية العلماء جريدة لاستغنت عن أكثر النشريات التي تذيعها من آن إلى آخر.

ولتدفع عن نفسها ما قد يلصقه بها المتقولون والمرجفون الذين لا يخلوا منهم زمان ولا مكان. وقد أنشأت جمعية العلماء – منذ أحست بالحاجة إلى جريدة – جرائد ثلاثة ولكن ويا للأسف أن تلك الجرائد استشهدت الواحدة تلو الأخرى ففي سبيل الله ما لقيت جرائد الجمعية من قتل واضطهاد.

واليوم وقد استقبلت جمعية العلماء عهدا جديدا بإبراز جريدة "البصائر" نرجو لها تقدما موفقا وحياة كلها إنتاج وكلها حركة وفي يقيننا أن البصائر سيطابق فيها الاسم المسمى وسيكون لها من الذيوع والانتشار ما لم يحصل لأي جريدة قبل لأنها طلعت على الأمة بعد شوق عظيم وعلى الأدباء والعلماء جمام طويل وكل ما نتمناه لها أن يفسح لها في الحياة وأن توفق في المسيرة حتى تستطيع أن تصل إلى الغاية المنشودة منها.

وأن الأمة التي عودتنا الإقبال والتضحية والإخلاص لرجالها العاملين المخلصين ستحل منها البصائر محل الإنسان من العين والروح من الجسد، فإلى رجال الجزائر من شباب وكهول وشيوخ نزف تهنئتنا ببروز جريدة البصائر التي ستنير بصائرهم وترشدهم إلى سواء السبيل.


* عن البصائر العدد 1  - 27 ديسمبر 1935 م

آخر التغريدات: