قراءة في مسار الجهـاد السياسي لجمعية العلماء المسلمـين الجزائريين من خلال تجربة رئيسها الإمام ابن باديس في المؤتمر الإسلامي 1936 – 2/1

بقلم: أ.د. محمد بن سمينة

تحاول هذه الكلمة أن تنظر في بعض الصفحات من سجل مسار الجهاد السياسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، رائدة الحركة الوطنية الحضارية، وذلك من خلال تجربة الإمام  عبد الحميد ابن باديس (1889/1940) مؤسس هذه الحركة، في المؤتمر الإسلامي المنعقد 1936 في الجزائر العاصمة، ونلحظ أن إسهامات الإمام في العمل السياسي قد شملت هذا الميدان بجانبيه النظري والعملي..

ويمكن أن يتمركز النقاش لإجلاء ذلك في هذه المحاور:

1- في الحقل النظري : 

أولا : المدخل

ثانيا : البعد السياسي في المشروع الباديسي 

ثالثا: مفهوم ومنهج

رابعا : اختيار وتعليل 

2- في الحقل العملي : 

خامسا: معالم من مسار الجهاد السياسي للإمام ابن باديس

سادسا: تجربة الإمام ابن باديس في المؤتمر الإسلامي

سابعا: نضج وتطور 

ثامنا : الخاتمة

1- في الحقل النظري :

أولا :  المدخل 

كانت الجزائر في العصر الحديث من أسبق شقيقاتها في العالم العربي الإسلامي ابتلاء بالاحتلال الأوروبي، 1830 وذلك على أيدي الغزاة الفرنسيين دعاة (الحرية والمساواة والأخوة) هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم متطوعين من أجل نصرة الحقوق الإنسانية ونشر الحضارة والمدنية بين المستضعفين  - كما يزعمون - وذلك عن طريق احتلال بلاد هؤلاء المستضعفين ونهب خيرات أراضيهم والقضاء على مقومات شخصيتهم !

وقد كانت الجزائر من بين هذه البلدان التي أخذت بحظ وافر من هذه (الجهود الإنسانية المشهودة والمحمودة !) على أيدي الغزاة الفرنسيين الذين استهدفوا من خلال هذه الهجمة الصليبية التغريبية  القضاء على كيان الشعب الجزائري : أرضا وعمرانا، مقومات وقيما، ثقافة وحضارة. إلا أن الشعب الجزائري لم يرضخ لهذه الهجمة وهذا العدوان ، وإنما قاما يتحداهما بإيمان وشجاعة، وكان ذلك على امتدادا جبهات عديدة :

1- المقاومة المسلحة من ثورة الأمير عبد القادر 1830 إلى كبرى الثورات الجزائرية، ثورة نوفمبر1954.

2- الصراع الفكري من مبادرات الإصلاح الديني على يدي الشيخ صالح بن مهنا (1854/1910) في أواخر القرن التاسع عشر . ومن عاصره وجاء من بعده من شيوخ مطلع القرن العشرين، إلى الحركة الإصلاحية الحضارية للإمام ابن باديس في العشرينات من القرن الماضي .

3- الجهاد السياسي من جهود الأمير خالد (1875 / 1936) في أعقاب الحرب العالمية الأولى، إلى جهاد جبهة التحرير الوطني إبتداءا من نوفمبر  1954 .

ويمكن أن يميز الباحث في هذه المقاومة السياسية تيارات ثلاثة :

1- التيار الوطني الحضاري (الانطلاق من الاستقلال الشخصي كمقدمة للنضال من أجل الاستقلال السياسي) الحركة الإصلاحية  الحضارية في العشرينات من القرن الماضي واستمرارية نشاطها في مشروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ابتداء من عام 1931.

2- التيار الوطني السياسي (الاعتماد على النضال السياسي من أجل الاستقلال الوطني) حزب النجم 1926 ثم حزب الشعب الجزائري 1937 ثم حركة انتصار الحريات الديموقراطية في الأربعينات .

3- التيار الوطني الاندماجي ( المطالبة بالمساواة ) جماعة النخبة  ما بين الحربين.

وكان ابن باديس وهو يقود الحركة الوطنية الحضارية يزاوج في مشروعه النهضوي بين الدين والعلم، بين التربية والأخلاق، بين الاجتماع والسياسة، وكان البعد السياسي بذلك معلما بارزا في هذا المشروع، وذلك على أكثر من صعيد، وفي غير ما جبهة من جبهات الصراع الدائر بين أهل الحق الذائدين عن حقهم، وبين أهل الباطل المعتدين على غيرهم، فماذا عن ذلك ؟

ثانيا : البعد السياسي في المشروع الباديسي

يحسن قبل الاسترسال في معالجة هذا الجانب من نشاطات الإمام ابن باديس أن نتساءل عن الصلة بين ما نهض به من جهاد على امتداد وجوه الحياة العامة ، وبين العمل السياسي ؟ فهل يمكن اعتبار الإمام بذلك أحد رجال السياسة ؟ وكيف كانت استراتيجيته في معالجة قضاياها ؟

يمكن القول أن السياسة كانت حاضرة في مشروع ابن باديس منذ دخوله معترك الحياة الاجتماعية في مطلع شبابه في بداية العشرينات، بيد أنه لم يكن متفرغا لها بكليته ولم يركز عليها كامل جهده ولم تكن هاجسه الأول، لا لأنه لم يكن بجبلته رجل سياسة خبيرا بدروبها ودهاليزها وإنما كان أحد العلماء، وهؤلاء كما يرى أحد الدارسين(1) أبعد الناس عن السياسة، ولا لأنه كان لا يقدر خطرها في حياة الناس، لم يكن هذا ولا ذاك أحد الدوافع التي دفعته إلى اتخاذ هذا الموقف، وإنما سلك ذلك المسلك عن تبصرة وحكمة حفاظا على حركته وإدراكا منه - فيما أحسب- لأنجع السبل التي تمكنه من الوصول إلى ما يرمي إليه من مقاصد.

فقد كان سليل بيت ملك و سلطان ، ففي القديم كان أجداده ملوكا وساسة لعل من أشهرهم  (المعز بن باديس) مؤسس الدولة الصنهاجية (ت : 373/ 984) ، وفي العصر الحديث كان أبوه عضوا  في المجالس النيابية المختلفة(2)، كما كـان عمه (أحميدة بن باديس) كذلك(3)، ويستبعد أن يتربى رجل في هذا المحيط ويكون حظ أصوله من السياسة ما رأينا ولا يسري في عروقه شيء من الميراث السياسي قل أو كثر، كما كان من نحو آخر يملك بعض خصال الإنسان الزعيم في قومه بما توفرت لشخصيته من قيم الإخلاص والحكمة والشجاعة والحزم، فإن التاريخ يؤكد أن الاستدمار بالرغم من مختلف ما سلط على حركته من أساليب الإرهاب وصنوف الاضطهاد،  فإنه لم يستطع أن يلين قناته أو يثنيه عن مواصلة سيره فيما عزم على النهوض به، وقد زادت الفكرة الإسلامية هذا الميراث السياسي حكمة و رجاحة، كما زادته نضجا وترشيدا أحداث الصراع الدائر بين أمته و بين المحتلين، و وجوده في موقع الصدارة منه يذود عن الأمة قيما و مقومات وحقوقا ولكنه لم يكن يولي العمل السياسي بمفهومه الحزبي الضيق عناية كبيرة(4)لاعتقاده أن ما تعانيه الأمة من علل وأدواء لا تقوى السياسة وحدها على معالجته، ولم تكن بعبارة أدق من الوصفات الدقيقة له، وأن المنهج الذي ينهض بالأمة روحيا وعقليا وسلوكيا أجدى عليها من غيره وأن حاجتها إلى ذلك لمـداواة جراحاتها اكثر من حاجـاتها إلى سواه، وإن أية خطوة يخطوها الكاتب في عملية إعادة بنائها يحسن أن يسبقها التركيز على تصحيح الاعتقاد وتحرير العقل وتنوير الفكر وتقويم السلوك، كما كان الإمام قد وعى تجربة الأمير خالد وتأثر بما انتهت  إليه فرغب لذلك بعدم التظاهر بالاشتغال بالسياسة وذهب  ـ تقية ـ إلى حد إعلانه عن اجتناب حركته الدينية التهذيبية عن العمل بالسياسة(5) وهو بإلحاحه على هذا الجانب لا يعني أن الإسلام ليس من اهتماماته ذلك، أو أن السياسة ليست من الشريعة الإسلامية في شيء ،كما ذهب إلى ذلك أو إلى شيء منه الشيخ (علي عبد الرزاق) في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) وإنما كان قد فعل ذلك حتى يعمل على إبعاد السلطة عن شؤون الإسلام  فيضمن بذلك المحافظة على أبرز عنصر من عناصر الشخصية الجزائرية من نحو ، كما يعكس من نحو آخر حرصه على حماية حركته و هي في بداية عهدها، مما قد تتعرض إليه من جراء ذلك من مخاطر.

وما كان ذلك في النهاية إلا أسلوبا بارعا في التعامل مع المحتلين من زعيم مجرب حكيم(6)، ولذلك كان يشير إلى أنه لا يريد أن يدخل المجال السياسي، باسم الجمعية كما كان يعمد إلى توقيع بعض الأعمال التي يظهر فيها شيء من المواجهة والشدة باسمه الخاص حفاظا على الحركة(7) .

وقد أدت به هذه العوامل للاعتقاد بأن المبادرة بالعمل السياسي قبل أن ينضج عود الحركة وتنجح في تبليغ دعوتها إلى ضمير الشعب فيستيقظ من سباته ويشرع في تحسين واقعه ويلمس طريفه نحو العلم والعمل والتحرر من الجمود والتقليد ، إن المبادرة بالسياسة دون تحقيق هذه الخطوات قد يبوء بالحركة  إلى الإجهاض ، ذلك لأن العمل السياسي والأمة تغط في سبات عميق، و تسبح في بحر لجي من الأوهام والبدع لا يؤتي ثماره، ولا تؤمن عواقبه إذا لم يسبقه ويواكبه جهد بارز في حقل العمل الدعوي الفكري وإن هذه القراءة الداعية للواقع الوطني والملابسات التي تكتنف جوانب الصراع فيه وتتحكم في سير الأحداث به يومئذ، إن هذه القراءة جعلت ابن باديس لا يتفرغ للسياسة بكليته ولم يعتزلها نهائيا في نشاطاته ومواقفه المختلفة وإنما كان يزاوج بينها وبين منهجه الإصلاحي مراعيا في ذلك الظروف والملابسات والأحوال .

وماذا بعد عن مفهوم ابن باديس للسياسة؟ فهل كان يفهمها بمنطق الماديين النفعيين أن الغاية تبرر الوسيلة؟ أم كان يفهمها على نحو مغاير؟ وهل كانت عنده كما هي عند بعض السياسيين المحترفين، ركضا وراء المصالح الخاصة ومصدرا ثرا للارتزاق أم كان يفهمها سعيا وجهادا لخدمة المصلحة العليا للأمة، في نطاق ما تسمح به الأخلاق الإسلامية و المبادئ الإنسانية ؟

ثالثا : مفهوم ومنهج

لقد كان يفهم السياسة كما تنص عليها مصادر الشريعة الإسلامية مستمدة من القاعدة  الأصولية: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [(8) و في الحديث الشريف قوله (صلى الله عليه وسلم) : ) من رأى منكم منكرا فليغيره بيده  فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ( رواه أحمد و مسلم(9) ويقال في اللغة : ) سست الرعية سياسة : أمرتها ونهيتها ((10).

ويرى ابن خلدون أن "السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة لما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبناؤه "(11).

إن ابن باديس يستمد مفهومه للسياسة من هذه الأصول، فهو لا يفهمها في حدود تلك الأطر الحزبية الضيقة التي يقتصر فيها أصحابها على القشور دون اللباب، ويتهالكون من دونها على الكراسي والألقاب، وإنما ينظر إليها من معناها الحقيقي بصفتها خدمة الأمة بصدق وإخلاص في جميع مناحي حياتها، وتدبير شؤونها الدينية والدنيوية : إحياءا لمقوماتها، وتمسكا بقيمها، وذودا عن حقوقها   ونشرا للعلم والفضائل بين أبنائها، وحثا إياهم على الإقبال على الحياة و الأخذ بأسباب العزة و التقدم فيها .

وهذا ما يلمع إليه أو إلى بعضه الكاتب في معرض حديثه عن مبدأ حركته في العمل السياسي "مبدؤنا في الإصلاح السياسي هو المحافظة التامة على جميع مقوماتنا ومميزاتنا كأمة لها مقوماتها ومميزاتها والمطالبة بجميع حقوقها السياسية والاجتماعية لجميع طبقاتنا دون الرضى بأي تنقيص أو أي تمييز "(12).

وإن هذا الذي يقرره ابن باديس عن مفهومه للعمل السياسي يؤكده الإبراهيمي بأوضح بيان فالسياسة عنده "إحياء المقومات التي ماتت أو ضعفت أو تراخت من دين أو لغة وجنس وأخلاق وتاريخ وتقاليد وتصحيح قواعدها في النفوس، ثم المطالبة بالحقوق الضائعة في منطق وإيمان، ثم الإصرار على المطالبة في قوة وشدة ،ثم التصلب في الإصرار في استماتة وتضحية "(13).

ويمكن أن يتبين المرء من خلال هذه المواقف الثابتة أن جوهر السياسة عند المصلحين واحد في جميع المراحل التاريخية ، وإنما الذي كان يتغير بين زمن وآخر، إنما هو العرض أي اللبوس الذي كانت تلبسه هذه السياسة في فترة – تبعا  للظروف والمستجدات – ولا تلبسه في أخرى.

فهذه إلماعة عن مفهوم الإمام للسياسة، فماذا بعد عن منهجه الذي سلكه في عمله السياسي  ليصل به إلى ما رسم من مرام وغايات ؟

كانت الجزائر في الفترة التي عاصرها ابن باديس وتفاعل مع أحداثها ، تعيش في ظروف قاسية استمرارا لما كانت عليها منذ ابتلائها بنكبة الاحتلال الفرنسي : حقد حكام وجور إدارة وتعسف سلطة وتواطؤ الجميع على النيل من الشعب الجزائري : سيادة وشخصية وحضارة فانفعل ابن باديس وهو يضع خطواته الأولى على عتبة الجهاد الأكبر بهذه الحال ، فوطن نفسه على القيام بعمل يكون من شأنه التصدي لإحباط هذه الهجمة الصليبية الشرسة، والعمل على إفشال ما تستهدفه  من مكائد ضد الدين والوطن والأمة . ولاشك أن يكون ابن باديس وهو يقلب النظر في جوانب هذه الوضعية، بحثا عن أسلم السبل لعلاجها، قد تواردت على ذهنه بعض الأسئلة حول الأسباب التي أدت بالأمة إلى هذه النهاية المخزية : فهل كانت هذه الإنتكاسة من آثار نكبة الاحتلال الأجنبي أم كانت نتيجة عوامل أخرى، سبقت ظاهرة الاحتلال ومهدت لها ، ولم تكن  هذه الظاهرة - وإن زادت الأحوال ضغثا على إبالة - إلا مسببة عنها، وليست سببا فيها ؟ يمكن القول أن ما انتهت إليه الأمة من ذل واستخذاء وتخلف ، إنما نجم عما أصابها في قواها الفاعلة : روحها وعقلها و نفسها من اعتلال واختلال في إطار التدهور العام الذي أصاب الحضارة العربية الإسلامية في عصر الضعف، وإذا كان الأمر كذلك ، فما هي أنجع السبل لإخراج الأمة من هذه الوضعية ؟

وأي الدروب يجب أن يسلك من رام إبراءها من هذه العلل ؟ وهل باب الجهاد الدعوي الفكري ينتهج أم عباب السياسة يبحر، أم أنه يزاوج بين هذا وذاك مبتدئا بالأهم فالمهم مراعيا في ترتيب أولويات العمل ، ملابسات الواقع ومجريات الأحداث من حوله ، فيرمي بذلك رميته في عمل جامع شامل يكون من شأنه إبراء الأمة من أدوائها ؟

وإن الذي يستقرئ حيثيات الموضوع و ينعم النظر في معطيات الواقع يتبين أن أنجع المناهج في إنقاذ الأمة مما تلقى من عنت وإرهاق وإخراجها مما تتخبط فيه من احتلال واستغلال ، إنما هو ذلك المنهج الذي يتمثل في البناء الحضاري الذي لا يقتصر العمل فيه على نشاط أحادي ينحصر في معالجة بعض الأدواء دون بعضها الآخر وإنما يقوم على ضبط أسس العمل في منهجية محكمة تهدف إلى النهوض الشامل ببنية الأمة في جميع مقوماتها ومظاهر حياتها، فكانت بذلك الخطة الدينية التي تقوم على البناء الروحي والعقلي والنفسي من أبرز ما أقام عليه ابن باديس مشروعه في عملية النهضة ، وكان هذا التوجه صادرا عن قناعة وروية، فماذا عن ذلك ؟

رابعا : اختيار وتعليل

ويمكن للباحث أن يعلل لهذا الاختيار بما يقوم عليه الدين الإسلامي من وضوح اعتقاد وكرم أخلاق وسماحة شريعة، مما يجعله معين السياسة الرشيدة الذي لا ينضب ومنهلها العذب الذي لا يغور، وهو بذلك أجدى  وأنجع من غيره في معالجة مشكلات الإنسان فردا وجماعة، والسير به نحو  أعلى المراتب وأكملها  بمنهج لا يدنو إلى مرقاه سواه، وبهذا كان المسلم غنيا بتعاليم دينه عن سائر المناهج الوضعية في تسيير جميع وجوه الحياة ولا تعوزه الحاجة إلى أي منها في أي شيء من ذلك ، ويمكن أن يستنتج من هذا أن العمل السياسي في المنظور الإسلامي إذا لم يستنر صاحبه فيما يخطط وفيما يعمل بالعامل الديني ضل في سيره وخاب في مسعاه، ولذلك فقد اختار الشيخ ما اختاره عن وعي وتبصر ولو كان يرى أن المنهج السياسي يفيده   في مشروعه أكثر من غيره لكان قد استهل به جهاده، وما كـان يثنيه عن ذلك خوف أو يقعده عنه ضعف  ولكنه ترك العمل السياسي في صورته الحزبية الضيقة لأصحابه معتقدا بعدم جدواه و بخطورته بآن  على حركته وهي في بدايتها و ليمهد من نحو آخر الطريق أمام جماعته نحو المستقبل من خلال تعبيد الأرضية الروحية و الفكرية والنفسية لأفراد الأمة حتى يتسنى للشعب من أن يغرس في حقولها بذور نضاله السياسي وأسس ثورته الجهادية، ويمضي يتعهد ذلك بما يرعاه و ينميه إلى أن يخرج الزرع شطأه  ويستوي على سوقه ويحين آوان حصاده ثمرا جنيا، عزة و أصالة، حرية و استقلالا(14).

وللسائل أن يسأل :  لماذا لم يتحرك ابن باديس  في عملية  النهضة على أكثر من صعيد  ويجمع  فيها  بين أكثر من أسلوب ؟

يمكن القول أن فكرة المزاوجة بين أكثر من منهج كانت من أبرز ما يميز خصائص العمل الباديسي في النظر إلى الأمور والتعامل مع الأحداث والمواقف. فقد رأينا أنه زاوج في بناء أسس مشروعه بين الروح والمادة ،بين العقل والقلب بين التربية والعلم، بين الدين والسياسة. ومن هذا المنطلق جمع الكاتب في نشاطاته ما بين الخطة الدينية والخطة السياسية في مرحلة مبكرة من حياته ، وذلك من خلال جمعه في آن، بين عكوفه على مشروعه الدعوي، وبين متابعاته وتعليقاته على خطب الحكام وتصريحاتهم وكاد الإمام  أن يعلن عن اشتغاله  وصحبه بالسياسة في معرض تعليقه عن اتهامات المحتلين لهم بذلك  "ثم ما هذا العيب الذي يعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة ؟ فهل خلت المجالس النيابية الكبرى والصغرى من رجال الديانات الأخرى "(15).     

ولم يثبت عن الكاتب - على أية حال - أنه نفى عن حركته الاشتغال بالسياسة كأسلوب للتوجيه والتعبئة وضبط المصالح، وإنما كان يحاول أن يبعد عنها ذلك - بوصفها حركة دعوية تهذيبية - تهمة الاحتراف بالسياسة بمفهومها الحزبي المحدود "والجمعية لا تنتمي لحزب ولا تعادي حزبا إلا من حارب الإسلام والعروبة(...) والجمعية ما تدخلت في سياسة الكراسي والنيابات و المكاتب والممرات... وإنما وقفت الجمعية في مؤتمر الأمة تضع مطالب الدين واللغة وشروط المحافظة على الجنسية والشخصية  ومثلت  ذلك كله بلسانها وهيئتها أصدق تمثيل "(16).

وبماذا يمكن أن يوصف به عمل من يبعث في الأمة روح النهضة ويسهر على توعيتها بواقعها ويحثها على النهوض به ويرسم الطريق أمامها لبلوغ غاياتها في الحياة الحرة الكريمة ؟ وفي أي إطار يمكن أن يدرج عمله هذا ؟ أو ليس ذلك هو عينه جوهر العمل السياسي الرشيد الذي يهز مضاجع المحتليين ويهدد وجودهم وينذرهم بقرب رحيلهم ؟ وإذا لم يكن ذلك العمل كذلك ، فلم يفزع المحتلون من الحركة الباديسية ويسارعون إلى البطش برجالاتها  وملاحقتهم وتضييق الخناق عليهم وتغريمهم وسجنهم ! (17)

ونخلص بعد هذا الذي تقدم عن التوجه النظري للإمام ابن باديس في الميدان السياسي إلى التساؤل عن جهوده العملية  في هذا الحقل ؟


هوامش

(1) ينظر ابن خلدون : المقدمة 4 : 1361 تحقيق د/ علي عبد الواحد وافي ط2 القاهرة 1964.

(2) ابن باديس حياته وآثاره 1 : 72 ، تقديم د/عمار طالبي  ط1 دار اليقظة العربية دمشق 1968.

(3) م . س 4 : 22

(4) آثار الإمام ابن باديس 5 : 333 وزارة الشؤون الدينية الجزائر  دار البعث - قسنطينة- 1982 .

(5) ابن باديس حياته وآثاره 3 : 308.

(6) ينظر د/ فهمي جدعان : أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ص 346. ط 2 بيروت 1981 .

(7) ينظر ابن باديس حياته وآثاره 4 : 192 وينظر حمزة بوكوشة (المعرفة) ع10 (ذوالحجة 1383/  أفريل 1964) ص 17.

(8)  سورة آل عمران، الآية : 110. ينظر السيوطي : صحيح الجامع الصغير برقم 6126 . تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ط2 المكتب الإسلامي بيروت 1979.

(9)  ينظر  الجوهري : الصحاح 3 : 938 مادة (سوس) ط 3 تحقيق أحمد عبد الغفور عطار دار العلم للملايين بيروت 1984.

(10)  المقدمة 1 : 414.

(11)  ينظر آثار الإمام 5 : 579 .

(12)  عيون البصائر ص 39 . ط2 الشركة الوطنية الجزائر د – ت.

(13)  ينظر آثار الإمام 6 : 158.

(14)  ينظر آثار الإمام 5 : 286.

(15)  ينظر م . س  6 : 173.

(16)  م . ن 5 : 532 وما بعدها .

(17)  ينظر آثار الإمام 3 : 105.

آخر التغريدات: