حياة مالك بن نبي

بقلم: أ.د. عمار طالبي -

ولد مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي في أحضان أسرة كريمة متواضعة في فاتح جانفي سنة 1905 (5 في ذي القعدة 1323هـ) بمدينة قسنطينة العتيقة، وانتقلت أسرته لأسباب سياسية استعمارية إلى مدينة تبسة، وبها تلقى دراسته الابتدائية، وزاول دراسته الثانوية بمدرسة قسنطينة، تخرج منها سنة 1925 وبعدها سافر إلى باريس وانخرط في كلية الهندسة، وما لبث أن تخرج منها بدرجة مهندس كهربائي، تكونت شخصيته في فترة أخذت الجزائر تستيقظ فيها من غفوتها في اتجاهات متعددة من إصلاحية إلى سياسة استقلالية واندماجية، وكان أكثر ما يكون ميله إلى الاتجاه الإصلاحي في أوائل عهده، فشغل الإصلاح ذهنه واهتمامه ووجدانه منذ طفولته كما يحدثنا في كتابه "شاهد القرن"، كان يتابع منظر ابن باديس وهو يمر أمام مقهى "ابن تيمية" ذاهبا إلى مكتبه في "نهج الأربعين شريف".

وهو أول من أدخل العدد الأول من جريدة "الشهاب" إلى أفلو جنوب تيارت حيث يقوى نفوذ أهل الطرق، واتصل بالشيخ عبد الحميد بن باديس في مكتبه وبثه ما يجده في نفسه من أفكار تتصل بالمجتمع في قرية أفلو، وخاصة ما يتعلق بمشكلة الأرض بجبل لعمور، فهو شاعر منذ شبابه بالمشاكل الاجتماعية حتى أصبح مثقفا يحيا مأساة مجتمع وحضارة بطريقته الخاصة. وحين تأججت نار ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي تفاعل معها وعاش أحداثها وناضل من أجلها قال مالك عن نفسه: "الحادثة التي جعلتني في مطلع الشباب أقوم بتأييد ثورة الريف لم أكن فيها وحيدا بل كنا ثلة من الشباب أثارنا أن يستخدم الاستعمار مساجدنا وأمتنا لدعاية ضد الثورة الريفية فقمنا لصد هذه الدعاية بصورة صبيانية، وربما فيها كثير من المخاطر، بل لعلها لم تكن هي الطريقة المثلى التي كان علينا أن نتبعها، غير أنه مع ذلك فقد شعرنا بوجود مشكلة وأن هذا الشعور ليعبر من غير شك عن حالة نفسية جديدة وهو القيام بالواجب أعني الخروج من الركود أو الحيرة..".

قام الأستاذ مالك بن نبي برحلات كثيرة إلى عدة أنحاء من العالم: الصين وأندونيسيا وأمريكا والاتحاد السوفياتي، عاش في أوروبا في فرنسا وفي ألمانيا، وفي البلاد العربية، حج عدّة مرات، وأقام في مصر ابتداء من سنة 1956 أثناء الثورة الجزائرية وهناك في منزله كان يعقد مجالس أسبوعية (يوم الجمعة) يقصده الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي من جاكرتا إلى طنجة، وكان كاتب هذا المقال من بين هؤلاء الطلاب الذين يحضرون مجالسه فاستيقظ ذهنه على المشكلات الجوهرية واتجه اتجاها لم تكن توجهه إليه الجامعة التي كان يدرس فيها، فكانت تجري المناقشات الحية، والتحليلات الدقيقة، وتوضع المشكلات على أسس علمية، في رحاب واقعي وعقلي فاستيقظت عقول، وتنبهت الأذهان، وبرزت حقائق وانكشف من الضباب ما كان قد غشي الأبصار، وران على البصائر.

وفي سنة 1963 عاد إلى الجزائر وواصل الكفاح في جبهة الفكر وفي ميدان الكلمة، وما لبث منزله أن أصبح منتدى للتوجيه ومجالسا لإيقاظ العقل من مرقده، وبعث التفكير من ركوده، فأمَّ منتداه الشباب الجامعي من مختلف الكليات وخاصة كليات العلوم والطب والهندسة، فأحرى بمجالسه أن تُوسم "بمجالس التفكير" وأولي بمنزله أن يُدعى "ببيت الحكمة".

يعرف العربية ويكتب بها ويحسن الفرنسية ويملك زمامها في أسلوبه القوي الجذاب، وفي متانة تعبيره الأخاذ الموزون، وكان في فترة ما يتكلم الألمانية، ويعرف طرفا من الإنجليزية.

تولى منصب مدير التعليم العالي في الجزائر، واختاره مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عضوا بهيئته الموقرة، فألقى فيه عدة بحوث وشارك في كثير من المؤتمرات الإسلامية والثقافية، وحاضر في جامعة دمشق والقاهرة، ولبنان وليبيا أكثر من مرة.

اتسم مالك بن نبي بفكر حاد وذهن نافذ، يعاني ويفكر، ففكره فكر حي فعال، مركز، تغلب عليه الصور العقلية لا الصور اللفظية فيما يتكلم وفيما يكتب يشعر في أعماقه بأن له رسالة وبالرغم من الصعاب التي واجهته في حياته الشاقة فإنه لم يتزلزل في يوما، ولم يشعر بأن عليه أن يترك رسالته، ويُلقى بعبئها. وشخصيته شخصية أخلاقية ملتزمة بالأخلاق الإسلامية الصافية، ذو أصالة وهمة عالية، وأنفة شامخة، وعودا لا يلين في الحق وقلبه لا يخشى فيه لومة لائم، ولعل تكوينه الرياضي والعلمي وسمه بوضوح، لا لبس فيه، وذلك في يقيني ما أصل فيه فضائله العقلية ورسخ ميزاته الأخلاقية.

ضم صدره هم المسلمين جميعا، الأمر الذي جعله في توتر حين يهجم على المشكلات يحللها، وعلى المشاهدات يسجلها، ذا حيوية فائقة حين يشهد على أحداث عصره بقوة، فيستل منها عناصره الجوهرية بدقة رياضية عجيبة، إنه يأتي المشكلات من مفاصلها فإذا به يصب كبد حقائقها إلى أن التقى بالحق المتعال يوم الأربعاء في 4 شوال 1393هـ الموافق لـ31 أكتوبر 1973 على الساعة الحادية عشر وخمسة عشر دقيقة مساء بمنزله.

مؤلفاته:

يمكن أن نصنف آثاره تبعا لتاريخ نشرها نظرا لسهولة التصنيف على هذا الأساس، ولذلك اخترنا معيارا لتصنيفها على هذا النحو:

1. الظاهرة القرآنية، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1946.

2. لبيك الرواية الوحيدة، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1947.

3. شروط النهضة، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1948.

4. وجهة العالم الإسلامي، باريس، 1954.

5. فكرة الإفريقية-الآسيوية، القاهرة، 1956.

6. النجدة للجزائر، القاهرة 1957.

7. حديث في البناء الجديد، بيروت، 1959.

8. مشكلة الثقافة، دار العروبة، القاهرة، 1959.

9. الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، دار العروبة، القاهرة، 1960.

10. الصعوبات علامة النمو في المجتمع العربي، دار العروبة، القاهرة، 1960.

11. الاستعمار يلجأ إلى الاغتيال بوسائل العلم، دار الجهاد، القاهرة، 1960.

12. فكرة الكومنلوث الإسلامي، المكتب الفني للنشر، القاهرة 1960.

13. تأملات في المجتمع العربي، دار العروبة، القاهرة 1961.

14. ميلاد المجتمع، دار العروبة، القاهرة، 1962.

15. آفاق جزائرية، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر 1964.

16. مذكرات شاهد القرن، الشركة الوطنية للطبع والنشر والتوزيع، الجزائر، 1965.

17. إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، القاهرة، 1969.

18. مذكرات شاهد القرن (الجزء الثاني) الطالب، دار الفكر، بيروت، 1970.

19. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مكتبة عمار، القاهرة، 1971.

20. المسلم في عالم الاقتصاد، بيروت، 1972.

21. دور المسلم في الربع الأخير من القرن العشرين، الدار العلمية، بيروت، 1972.

22. مجالس دمشق

23. المسلم بين التيه والرشاد

24. مولد مجتمع إسلام

25. مجالس التفكير، سجل بعضها أثناء مجالسه أو ندواته التي كان يعقدها في منتداه أسبوعيا مع طلبة الجامعة وبعض أساتذتها.

26. العفن

27. وجهة العالم الإسلامي ج2 المسألة اليهودية.

وله مذكرات وتعليقات على مؤلفات قديمة كتاريخ الطبري، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ومقدمة ابن خلدون، وله مقالات في المجلات والصحف كصحيفة الجمهورية الجزائرية، والشاب المسلم والثورة الإفريقية.

ترجم بعض تصانيفه إلى اللغة الفارسية، الأوردية والتركية مثل "الظاهرة القرآنية" و"شروط النهضة" وأغلب مؤلفاته نشر بالعربية بعد ترجمتها من الفرنسية التي يؤلف بها أغلب الأحيان.

آخر التغريدات: