الشعر الديني عند محمد العيد آل خليفة

بقلم: د. الشارف لطروش-

يعد محمد العيد آل خليفة من رواد الشعر العربي الحديث، ومهما اجتهدنا في تبيان أهمية شعره فلن نقول أكثر مما شهد به رئيس العلماء وشيخ الأدباء البشير الإبراهيمي (ت 1965 م) الذي قال: "رافق شعره النهضة الجزائرية في جميع مراحلها, وله في كل نواحيها, وفي كل طور من أطوارها، وفي كل أثر من آثارها - القصائد الغر, والمقاطع الخالدة, شعره - لو جمع - سجل صادق لهذه النهضة وعرض رائع لأطوارها"(1).

وكان محمد العيد جديرا بكل ما نال من ألقاب تدل على رسوخ القدم في ميدان الشعر, فقيل عنه شاعر النهضة الجزائرية وشاعر الشمال الإفريقي. وخير دليل على صحة هذه الأوصاف تلك الحياة الصاخبة التي عاشها, وكانت نابضة بالشعر والجهاد الفكري, والتي ترجم معظمها تراثه الشعري المبثوث في ديوانه الذي حوى مائتي نص شعري أغلبه قصائد طوال, كان فيها محمد العيد من أقوى الشعراء الجزائريين "تمثيلا للشعر العربي الصميم في صياغته ونظمه"(2).

وقد جمع قصائد الديوان أول مرة تلميذه أحمد بوعدو سنة 1952 م, وتم طبعه سنة 1967 م, ولكن الأستاذ محمد بن سمينة كشف عن قصائد للشاعر لم تنشر، جمعها من الصحف الوطنية القديمة، ومن النسخة المخطوطة من ديوان الشاعر، ومن أسرته ومعارفه, وهي بذلك تكملة واستدراك على الديوان، ونشرها في كتاب وسمه بـ (العيديات المجهولة)(3).

وكان الشاعر محمد العيد ينطلق في شعره من أربع كليات هي: الوطن والعروبة والإسلام والإنسانية, فكان سجلا أمينا لأحداث الوطن الصغير والكبير على السواء, ومعبرا عن آمال الأمة وآلامها, ولا تكاد تخلو قصيدة من الطابع الديني حتى في القصائد الذاتية وقصائد الرثاء والوصف.
وإن الحديث عن شعر محمد العيد يقودنا إلى الحديث عن الشعر الديني الجزائري الحديث الذي امتاز بتنوع الموضوعات، وغزارة الإنتاج، وكان له دور كبير وخطير في الساحة الأدبية والروحية والسياسية الجزائرية, حيث إنه يمثل قسما كبيرا من الشعر الجزائري الحديث، ونميز فيه ثلاثة اتجاهات هي: الشعر الصوفي، والشعر الإصلاحي، والشعر الديني الملحون.

والملاحظ أن الشعر الصوفي كان في أغلبه مدائح نبوية وتوسلات بالرسول والصحابة والأولياء, وقد تجلى هذا الاتجاه بوضوح بعد تعرض الجزائر لحملات الدول الأجنبية, وبخاصة الحملات الإسبانية، وقد عمل الأتراك العثمانيون أثناء وجودهم في الجزائر على تشجيع هذا اللون من الشعر و"وجد من الشعراء من يكتب قصة الرسول كاملة منذ ولادته حتى وفاته, أو يتحدث عن معجزاته آو يصف جماله الظاهر والباطن, ويشيد بنبوته وأخلاقه, بل من الشعراء من أرخ لغزواته وتحدث عن صحابته وأهل بيته وآثاره وفضائله... بل وجدت كتب معظمها صلوات على النبي ليس فيها من الشعر قليل أو كثير"(4).

وقد دأب هؤلاء الشعراء على نظم قصائد المدائح كلما حل شهر ربيع الأول، وكان مدح الدايات في العهد التركي مختلطا بمدح الرسول والتوسل به, ومن المؤكد أن الاستعمار الفرنسي عمل على تشجيع هذا الشعر لأنه لم يشكل خطرا ولا تهديدا على وجوده.

وأما شعر الاتجاه الإصلاحي فقد ظهر بظهور الفكر الإصلاحي الذي بدأ يتبلور قبيل الحرب العالمية الأولى, وبرز بشكل واضح بظهور جريدة المنتقد عام 1925 م "وهي أول صحيفة رفعت شعار الفكر الإصلاحي... وأعلنت عن هويتها التي تتمثل في الرجوع إلى الماضي العريق فكرا وثقافة وتراثا"(5).

وكان شعراء الإصلاح يتأملون واقع المجتمع والأمراض التي شاعت فيه، واجتهدوا في علاجها عن طريق الدين وقيمه، وسلكوا أسلوب اللوم والتقريع أحيانا والسخرية والتهكم أحيانا أخرى, وأعلنوا رفضهم إهمال المرأة والأطفال ودعوا الناس إلى التوبة والرجوع إلى الله، كما دعوا إلى رفض الفكر الغيبي الذي لا سند له من الكتاب والسنة, وتكررت في أشعارهم كلمات النهضة والتقدم والإصلاح والعصر الجديد, وكان الجامع بينهم المبدأ الذي يقول: "الإصلاح يبدأ من الدين وينتهي به"، ولم يعد شعرهم مدحا فقط لصاحب الرسالة الإسلامية بل حمل الهم الاجتماعي للشعب إضافة إلى القيم الروحية والتربوية التي كان يدعو إليها.

وكان بين التيارين الشعريين الصوفي والإصلاحي معارضات ومجادلات شبيهة بشعر النقائض الذي شاع في العصر الأموي، ولكن الشاعر محمد العيد لم يشارك في تلك المجادلات قط. وأما أصحاب الشعر الديني الملحون فكان عددهم كبير، وكانت قصائدهم تقترب من الفصاحة، وكان فيها المديح والنصائح والحكم والنقد لأحوال المجتمع والتصرفات الغريبة عنه، ولكنه لم يراع الإعراب والقواعد في نظمه.

والشعر الديني عند محمد العيد يمثل أغلب شعره، وهو شعر إصلاحي، والإصلاح سمة غالبة على شخصيته، وهو في شعره لم يتناول قضايا فلسفية أو عقلية مجردة, كان يقتبس من القرآن الكريم والسنة النبوية, ويوظف التاريخ الإسلامي المشرق, وبعض مواقف أعلامه ورجاله في الرسالة التي يحملها والقضايا التي يدافع عنها، وفي شعره نجد التمجيد للشهادة والشهداء، وذلك في أكثر من قصيدة, ومنها قصيدة (وقفة على قبور الشهداء)(6)، والتي يقول فيها:

رحم الله معشر الشهدء *** وجزاهم عنا كريم الجزاء

وسقى بالنعيم منهم ترابا *** مستطابا مقطر الأرجاء

هذه في الثرى قبور حوتهم *** أم قصور تسمو على الجوزاء

والابتهال إلى الله: وله في هذا الموضوع عدة قصائد وكثير من الأبيات أهمها قصيدة (فاتحة ثناء وابتهال)(7)، وفيها يقول:

حمدتك باللسان والجنان *** وحمدك غرة النعم الحسان

وباسمك ابتدي وعليك أثني *** مما أثنيت في السبع الثاني

فأنت موفقي للخير فضلا *** وأنت معلمي قول البياني

والاحتفاء بالأعياد والمناسبات الدينية, كالمولد النبوي الشريف وشهر الصيام والحج وغيرهم, وفي هذا المقام يقول صالح خرفي: "يحلق محمد العيد في الأفاق البعيدة للرسالة السماوية والمواقف البطولية لظهور الإسلام, والتركيز في حياة محمد صلى الله عليه وسلم على جانب الجهاد, والوقوف مليا عند فتوحاته, وتلك هي مطامح الشعب الجزائري, وهو يعاني من التحكم الأجنبي"(8).
ومن تلك المناسبات التي احتفي بها محمد العيد وخلدها بشعره في عدة قصائد ذكرى المولد النبوي الشريف ومنها قصيدة (سلوا التاريخ)(9) التي تجاوز فيها الحديث عن الذكرى إلى الدعوة إلى الاستقلال والتحرر من نير الأجنبي.

وفي مباركة أعمال وفود الوعظ والإرشاد وتحية أهل العلم والعلماء نقرأ له عشرات القصائد والمقطوعات، ومنها (قصيدة تحية العلماء)(10) التي يقول فيها:

طلعتم علينا كالكواكب في الدجى *** وسرتم إلينا كالسحائب في الجدب

بسطنا لكم منا قلوبا حفية *** فدوسوا عليها لا تدوسوا على التراب

وقمنا وللآذان منا إصاخة *** إليكم فهاتوا من حديثكم العذب

وفي الرد على أعداء الدين له عدة قصائد منها قصيدة (هذيان آشيل)(11)، وأشيل أحد غلاة الاستعماريين في الجزائر, وقد كتب عدة مقالات في إحدى الجرائد المتعصبة تحامل فيها على الإسلام والمسلمين, فكان رد الشاعر قائلا في تلك القصيدة:

هيهات يعتري القرآن تبديل *** وإن تبدل توراة وإنجيل

قل للذين رموا هذا الكتاب بما *** لم يتفق معه شرح وتأويل

هل تشبهون ذوي الألباب في خلق *** إلا كما تشبه الناس التماثيل

وفي الحث على الإعلام الرسالي الهادف (الذي يحمل رسالة الدين والأمة) له قصيدة (تحية جريدة السنة)(12) التي يقول فيها:

تحر أساس العدل إن كنت شائدا *** فما كان طاغ قائم الركن سائد

تنفس فجر الحق حولك صادقا *** أغر فما غر العيون الرواقد؟

ويا أيها الداعي إلى الله لا تهن *** ولا يك في البأساء صبرك نافد

وكان لمحمد العيد حوليات شعرية اعتاد إلقاءها في المناسبات الخاصة بجمعية العلماء، وفيها تنويه بالقيم السامية للدين الإسلامي، وتغن بالعلم والعلماء. ويلتفت الشاعر إلى تاريخ السلف الصالح فيذكر بخصالهم، ومن ذلك انتهازه لمناسبة إسلام شاب فرنسي يدعى (نبوا) وتسمى بعد إسلامه (علي سليمان) فنظم قصيدة (تحية المسلم الجديد)(13). وراح يبين فيها مكانة سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي في الإسلام، وندد بموقف بعض الشباب الذين غرهم بريق الحضارة الغربية، وفيها يقول:

زفت إليك عرائس الإلهام *** فطرحت عنك بوالي الأوهام

وبحثت في الأديان بحثا منصفا *** فجنحت بعد البحث للإسلام

وفي شعره دعوة إلى التفاؤل والصبر حيث يقول في قصيدة (كن قويا)(14):

حثك المجد فاعتن *** واكسب المجد واقتن

لا تقل مشعلي خبا *** واحتوى الليل مسكني

لك في الأرض راحة *** من جنى الخلد تجتني

واجعل الصبر ديدنا *** إنه خير ديدن

وأما اليأس والكآبة فليس لهما مكان في قلبه، بل إنه حاربهما في عدة مناسبات منها قوله في قصيدة (أبا المنقوش)(15):

ما في الجو من غيم كثيف *** وإن طال المدى فإلى زوال

وقل لابن الجزائر كن صمودا *** فنصر الله للبأساء تالي

تحد الأقوياء بكل صبر *** ووال الاحتجاج ولا تبال

وكان للشاعر أمنيات جليلة، فهو يتمنى العيش حرا في بيئة خالية من الحقد والخطايا، وأداء فروض الحب والطاعة لله وحده حيث يقول(16):

ليتني كنت سائحا موطني البيد *** ولبسي المسوح والأهدام

وطعامي النبات من كل نوع *** ومبيتي الكهوف والأكام

وسميري النجوم والطير فيها *** وعشيري الوعول والآرام

وجهتي للذي هداني وقصدي *** وصلاتي لوجهه والصيام

وقد علق أبو القاسم سعد الله على الأمنية التي تضمنتها الأبيات السابقة فقال: "إنها أمنية تذكرنا بأساطير الفلاسفة المتصوفين، وتحضر إلينا صور العشاق العذريين الذين يجدون في الخلاء والمناجاة متعة الروح الظائمة حيث يسمعون همسات الأحبة تناجيهم عن قرب تارة وعن بعد تارة أخرى، وهم مع كل همسة ومع كل طيف يزدادون شوقا، ويتحرقون لإشراقة الوجه الحبيب"(17).
وقد طرق الشاعر موضوعات أخري دينية تتعلق بأمور العقيدة حارب فيها أمراض التردد والإلحاد وكشف أباطيل المستشرقين، وموضوعات تربوية. وفي موضوع المرأة الذي خاض فيه الكتاب والشعراء والمفكرون كان لشاعرنا رأي برز في كثير من الأبيات، وفيه دعوة إلى التعفف والتعلم في البيت والمدرسة، وفيه تشنيع صريح بالرذائل والانحرافات. ونقرأ في شعره نظرته للحياة والموت وهي نظرة لا تحيد عن تعاليم الدين، والتي يرى فيها أن الحياة ما هي إلا طريق شائك حيث يقول في قصيدة (في ظلال الخير)(18):

والعيش ما العيش سوق مالؤها سلع *** فاحسنوا التجر فيها واصطفوا السلع

والموت ما الموت عقبى العقبيات فمن *** أفضى إليه عداه السعي وانقطع

من مهد المهد شق اللحد في نظري *** للعقبيات ومن سمى الوليد نعى

ويقول أبو القاسم سعد الله عن هذه الأبيات: "وتذكرني هذه الأبيات بقصيدة المعري الخالدة التي أولها:

غير مجد في ملتي واعتقادي *** نوح باك ولا ترنم شاد
وشبيه صوت النعي إذا قيس *** بصوت البشير في كل ناد

ويبدو التجاوب واضحا بين الشاعر والمعري في أكثر نظراته الفلسفية التي نحن بصددها"(19).

للشاعر محمد العيد شعر صوفي مجرد يقول عنه أبو القاسم سعد الله: "في زهده تظهر بساطة أبي العتاهية وتسامي ابن الفارض وتحرر الغزالي وابن تيمية"(20).
وإذا وازنا بين شعره الديني وشعر الأمير عبد القادر نجد شعر الأول أغزر وأطول نفسا، طابعه إصلاحي اجتماعي في أغلبه بينما شعر الأمير أغلبه من الشعر الصوفي الخالص حيث المصطلحات والصور والرموز الصوفية تبدو بكل وضوح وجلاء. وفي المديح يختلف محمد العيد عن الشعراء الآخرين وله أسلوب يقول عنه عبد الله الركيبي: "هو أسلوب يتفق مع النظرة الجديدة لسيرة الرسول فيدخل الشاعر في الموضوع مباشرة بلا مقدمات غزلية أو دون ذكر للشوق لأن الغرض هو تبيان سموّ الرسالة وعظمتها"(21).


الهوامش:

1 - محمد العيد آل خليفة: الديوان، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر 1967، المقدمة، ص (ي).
2 - محمد مصايف: فصول في النقد الأدبي الجزائري الحديث، الشركة الوطنية للنشر، ط. 2، الجزائر 1981، ص 6.
3 - محمد بن سمينة: العيديات المجهولة، موفم للنشر، ط. 1، الجزائر 2003.
4 - عبد الله الركيبي: الشعر الديني الجزائري الحديث، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر 1981، ص 48.
5 - المرجع نفسه، ص 559.
6 - ديوان محمد العيد آل خليفة، ص 435.
7 / 14 – المصدر نفسه، ص 379.
15 - المصدر نفسه، ص 425.
16 - المصدر نفسه، ص 178.
17 - أبو القاسم سعد الله: شاعر الجزائر محمد العيد، ص 100.
18 - محمد العيد آل خليفة: الديوان، ص 255.
19 - أبو القاسم سعد الله: المرجع السابق، ص 104.
20 - نفسه.
21 - عبد الله الركيبي: الشعر الديني الجزائري الحديث، ص 89.

آخر التغريدات: