مالك بن نبي.. ودور العناية بالطبيعة الإنسانية

بقلم: محمد عبد النور-

للفرد حاجات أساسية يتوجب عليه تلبيتها بغض النظر عن طبيعة أسلوب حياته، لذلك فإن على الفرد أن يبذل مما يجده في تركيبه الطبيعي من "طاقة حيوية" يعمل على تسخيرها لتلبية حاجاته، ولما كانت الطاقة الحيوية ذات طبيعة بهيمية وهمجية، فإن تعارضا ضروريا سينشأ بين سعي الفرد لتحقيق حاجاته الخاصة وبين ضرورة اندماجه في المجتمع العام الذي يقتضي حدّا أدنى من السلوك المنضبط، ذلك أن المجتمع أيضا يفرض قواعدا وأحكاما على أفراده لا تقل أهمية عن الجبلّة الغرائزية للفرد.

اندماج الفرد في المجتمع المترافق مع استجابته لحاجاته الطبيعية يقتضي أن يتحول الاندماج في مراحل متقدّمة إلى ما يشبه "عقد اجتماعي" بين الفرد وجماعته، وهو ما يعني أن الفرد يتنازل عن بعض طبيعته ويتخلى عنها لصالح المجتمع، فما يراه الفرد حقا من حقوقه الأساسية في الوجود وهو الحرية، قد يرى فيه المجتمع ضربا من الهمجية والانحراف عن اللياقة العامة لا بد من تكييفها.

وتكييف طاقة الفرد مع المجتمع تحصل بطريقتين: الأولى تتخذ وسيلة التربية بما هي تصويب لسلوك الفرد المنفلت بطبيعته من القواعد الاجتماعية فيما يمكن أن يسمى بالأخلاق أو العُرف، والثانية تتعلق باستعمال الردع كآخر وسيلة لتحقيق التكييف المطلوب لغرائز الفرد، والردع غالبا ما يكون بدايته سن القوانين، ومنتهاه ممارسة العنف الشرعي الذي يعتبر الحل الأخير بيد الجماعة لإعادة الفرد إلى بيت الطاعة.

إذن فالطاقة الحيوية المندفعة من داخل الفرد تتخذ لنفسها حدودا تتوقف عندها ولا تتجاوزها في الحالة السوية، فاسحة المجال للمجتمع لينظم نفسه ويمارس نشاطه بشكل سلس بالتفاعل وتبادل الأدوار وتحقيق المكانة، والمحصّلة هي أن الأمر قائم على ضرورة خلق توازن بين الفرد والجماعة، لأن القضاء على أحدهما يولد شللا وفسادا كاملا للنشاط الاجتماعي، فإلغاء أحد أشكال الطاقة الحيوية عند الفرد كالقضاء على الدافع الغذائي أو الجنسي، مثلا يتسبب في انهيار النظام الاجتماعي بأكمله، كما إذا حصل العكس وتم إطلاق أشكال الطاقة من كل قيد فإن الجماعة ستستحيل إلى حالة طبيعية شبه حيوانية تتغلب فيها الغرائز على الالتزام الأخلاقي للفرد نحو الجماعة، وستنقلب الموازين ويتغلب مبدأ القوة على مبدأ الحق، لذلك تساءل بن نبي عن المعيار/السلطة الضامن للتوازن واستمراره في مجتمع ما؟

بداية يفترض بن نبي أن المعيار المحدد للعلاقة يرتبط ارتباطا جوهريا بالتحولات والمراحل الانتقالية التي يصبح المجتمع إثرها حاملا لسمات وصفات جديدة لم يعرفها من قبل، مثل التحول من حالة التفكك إلى حالة تلاحم واندماج الأفراد، إذ يمكننا الملاحظة خلال فترة تحول مجموع الأفراد من جماعة مفككة إلى مجتمع متلاحم كيفية نشوء "ظاهرة التكيف" بعد أن كانت غير موجودة في حالة التفكك التي تجعل الأفراد مثل كائنات طبيعية لا رابط بينها، ذلك أن التكيف يفرضه تحد تمت الاستجابة إليه بفضل حوافز تاريخية ودينية غالبا.

وللتمثيل على ذلك يطبق بن نبي الفرضية المتقدّمة على المجتمع الجاهلي وعالمه الثقافي الذي لم يكن يتضمن أكثر من بعض قواعد الشرف والواجبات نحو الجماعة إضافة إلى معتقدات وظيفية هدفها تكريس مكة كمركز تجاري، فكان إذن عالما خاليا من أي إلزام اجتماعي حقيقي، لذلك لا يمكن الحديث ثقافة تكيف عند الجاهليين، إلا أن الحدث الوحيد الذي يفسر التغيّر من البدائية (التفكّك) إلى التحضّر (التلاحم) هو بروز "ظاهرة الوحي" بوصفها الظاهرة التي يتعذر على المؤرخ أو عالم الاجتماع ملاحظتها مباشرة إلا عن طريق آثارها الواقعية اللاحقة.
ذلك أن الأمر متعلّق بما أحدثته ظاهرة الوحي عن طريق الفكرة القرآنية من تأثير في الطاقة الحيوية وتحفيزها على التكيف، ويؤكد بن نبي أنه لا وجود لأي عنصر آخر يمكن افتراضه كبديل عن ظاهرة الوحي يمكن أن يكون السبب في تحريك الطاقة الحيوية نحو تحقيق التلاحم، فكان إذن للفكرة القرآنية الدور التاريخي الرئيس في توجيه الطاقة الحيوية لعرب الجزيرة ضمن سياق التكامل والانسجام.

ومع ذلك، فليس التحول يحصل على الشاكلة نفسها في جميع الحضارات. فهذا المجتمع المسيحي سعى لإلغاء الدافع الجنسي عوضا عن احتوائه، فواجه الليبيدو بالنزعة الرهبانية، والأدهى أنه في الوقت الذي ألغاها عن الرهبان أطلقها تماما عند بقية الشعب المسيحي؛ ولئن تجلت النتيجة الأولية لذلك في ميلاد نماذج راقية من القديسين، على ما في ذلك من المضار اللاحقة التي انعكست سلبا على سمعة الكنيسة، فإنه تم تسليم الغالبية الساحقة من الأوروبيين ليكونوا فريسة للهوس بالجنس، وهو ما تجلى في تردّي المجتمع إلى درك من الإباحية لا حد له، مثّل له بن نبي بما يقام من معارض جنسية في العواصم الأوروبية، فما بالك بتحولها إلى تغذية يومية للإنسان الغربي وغيره اخترقته روحيا واقتصاديا...

هذا الواقع يكشف بوضوح كيف أن القدرة على تحريك الطاقة ليس هو الغاية بحد ذاته، إنما جوهر الأمر متعلق بالمعيار المنطقي/وسلطة الضمير كعاملين أساسيين لتحقيق القدرة على تحقيق التوازن بين حلين متطرفين إلغاء الطاقة وإطلاقها، فما كان في الحضارة الإسلامية معيارا ذا مصدر إلهي (محفوظ وخاتم) قام على فلسفة احتواء الطاقة، استحال في الفكر المسيحي إلى خيارين ذو حدين متطرفين.

وواقع الحال أن إطلاق الطاقة الجنسية عند الشعب المسيحي في أوروبا انعكس سلبا على فكرة التحريم نفسها، فلم تعد نفسية الإنسان الغربي ذات قدرة على الاستجابة لأي منع مهما كان مصدره، ذلك أن استئصال فكرة التحريم أو المنع من الثقافة الغربية تجلى في ردود الفعل المَرَضية لدى الأمريكيين حيال قانون تحريم الخمر (1919) الأمر الذي اضطر الحكومة لإلغائه سنة (1933)، رغم أن الحكومة الأمريكية اتبعت نفس التدرّج الذي انتهجه القرآن في تحريم الخمر حيث استجاب المسلمون بكل سلاسة وانقياد، وهو لا يزال حاضرا إلى اليوم في مجتمعات المسلمين، ويكفي دليلا على ذلك أن معايير قبول الزوج عند الفتيات تقوم على اختيارهن أزواجا ملتزمين بالقواعد الفردية للشريعة، وهذا مستوى من مستويات التكيف التي ما تزال سارية إلى غاية اللحظة رغم التشوهات الحاصلة.

أخيرا، من المهم أن نتوقف مليا في استكشاف البعد الذي أراد بن نبي إبرازه في النهاية وهو أهمية دور الجماعة في صياغة الضمير الفردي باستقلال تام عن قوة القوانين وضغوطها، وأن سلطان الدولة لا يشكل إلا مُلحِماً ورادعا اجتماعيا ثانويا، مقابل قوة الإلحام والردع الذاتية التي يضمنها الضمير الديني والذي يحقق التوازن بين القطبين الفردي والاجتماعي للوجود البشري.

والمحصلة أن بن نبي يكشف عن الدور المركزي والأهمية الكبرى لعنصر الطاقة الحيوية في تفكك المجتمع وترابطه، والذي بدون الانتباه إليه والعناية به قد يستحيل أي تحرك اجتماعي نحو النهوض والتقدّم، وفي المجمل فإنه بتحليله لعنصر الطاقة الحيوية ومقتضياته وظروفه يحيلنا بن نبي بشكل ضمني إلى العناية بالتكوين الطبيعي للإنسان وتوجيهه، ذلك أن تحويل بوصلة الوعي الراهن من الأوهام الأيديولوجية وهيمنة الخطاب الأخلاقي إلى الاعتراف بدور الطبيعة ومكانتها في الحضارة كفيل بتهيئة إنسان سوي طبيعيا قادر على إنجاز كل ممكن.

آخر التغريدات: