صورة عن المعتقلات

بقلم: محمد الصالح بن عتيق-

ويجدر بي الآن أن ألحق الكلام على المعتقلات، بوضع صورة لما حوته من أنماط بشرية، مختلفة، تكوّن منها مجتمع تربطه فكرة واحدة، ويحدوه هدف موحد، وغاية مشتركة، رغم ما بينه من الفوارق الاجتماعية، والمناطق المتنائية، في شرق البلاد وغربه، وشماله وجنوبه، تسودهم الأخوة الصادقة، والرابطة الوطنية المتينة، فهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، لا فرق بين الصغير والكبير، ولا بين الغني والفقير، لا ميزة لأحدهم على الآخر، الجميع يقفون كالعمالقة أمام الطغاة يتحدون زبانية المحتشد، ويخيبون آماله في أحداث التفرقة بين الجماعة بما يبثه من إثارة النعرات الجهوية، والنزاعات المذهبية بواسطة عملائه الذين باعوا ضمائرهم، فأخذوا يذكرونهم بما كانوا عليه في الماضي من الخلاف والنزاع، ولكن سرعان ما تفطن الإخوان لهذه الدسائس، والمكائد، فازدادوا تضامنا وتعاونا تحت راية جبهة التحرير الوطني، ولم يتخلف عن الصف إلا الذين في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضا بما شاهدوا من اجتماع كلمة الإخوان وتآلفهم، وتعاطفهم، فكانوا كالجسد الواحد، إذا تألم أحدهم تألموا جميعا، وخسر هناك المبطلون. ولولا خوف الإطالة لأتيت ببعض المواقف المشرفة من طرف مَنْ أودعهم الاستعمار في المحتشدات.

حقا أن أبطال المحتشدات والسجون قد ضربوا المثل في الثبات على المبدأ، والصبر في مواطن الشدة والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله، وحرية الوطن، وبذلك سجلوا صفحة ذهبية في تاريخ المقاومة، والدفاع عن الوطن، والإخلاص للشعب، والعمل على جمع الكلمة.

نرجو من شبابنا أن يدرسوا حياة هؤلاء الأبطال، ويقتدوا بهم في إتحادهم وشجاعتهم وإخلاصهم في جهادهم.

وفي سنة 1962 أطلق سراحي من المعتقل قبل إيقاف القتال بمدة قليلة، ومنّ الله عليّ بالحرية والرجوع إلى الأبناء الذين كانوا ينتظرون رجوعي إليهم بلهفة وشوق، والحمد لله على نعمة الحرية، والخلاص من يد الطغيان.

بعض من اجتمعت بهم في المعتقلات:

وقد رأيت أن الحق الحديث عن المعتقلات، بذكر بعض الإخوان الذين اجتمعت بهم في المعتقلات وطالت عشرتنا، وتمكنت بيننا أواصل المحبة، وربطتنا آلام وآمال، وهم كثيرون، وأكتفي منهم بهؤلاء السادة:

1-الشيخ السعيد الصالحي من بني يعلى دائرة سطيف، وهو من الرعيل الأول في حركة الإصلاح، ومن دعاته المخلصين، وامتحن عدة مرات بالسجن والإبعاد من طرف الإدارة الاستعمارية، ولكنه كان ثابتا في مبدئه صابرا في ابتلائه.

2-الشيخ عبد القادر الياجوري، وهو من وادي سوف، ضحى بشبابه وكهولته وشيخوخته أيضا في سبيل الحركة الإصلاحية والوطنية. قضى معظم حياته في المعتقلات والسجون، عالم محقق، ومفكر مدقق، متواضع في عزة وفي كبرياء عاقلة، تخرج من جامع الزيتونة بتونس ويحمل الشهادة العالمية.

3-الأستاذ محمد الشبوكي من بلدة الشريعة دائرة تبسة أديب وخطيب، له ثقافة واسعة، وفيه طموح واعتزاز بالنفس، صلب لا تلين قناته، شجاع لا تخيب شباته أوتى فصاحة اللسان وقوة البيان، فهو بهذا يشبه أستاذه الشيخ العربي التبسي.

والأستاذ الشبوكي شاعر مطبوع، وله أناشيد يتغنى بها المجاهدون في قمم الجبال منها هذا النشيد الرائع:

جـزائرنـا يـا بــلاد الجـــدود

نهضنـا نحطم عنـك القيـود

ففيك برغم العدا سنسـود

ونعصف بالظلـم والظـالمين

وله أناشيد أخرى في أغراض مختلفة، وطنية وقومية وكلها تبعث الحماس، ويذكى الروح الوطنية في الشباب.

4-الشيخ أحمد سحنون الواعظ المرشد والخطيب البليغ، ولد ببلدية ليشانة من أعمال بسكرة وبها حفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم الإسلامية والعربية على شيوخها، ثم توسع في المعلومات بالزوايا بناحية الزيبان الغربية دائرة بسكرة، وهو شاعر إسلامي يمتاز بصدق اللهجة وسلامة المبنى، وسمو المعنى، وشعره أغنية المكلومين وتسبيح المضطهدين، ألقى عليه القبض سنة 1956. جزاء ما كان يقوم به في خطبة الجمعية بجامع ((سانت أجين)) بالعاصمة منددا بأعمال الإدارة الاستعمارية ضد الأحرار الوطنيين وسيق إلى المعتقلات وبقي فيها مدة طويلة.

5-الشيخ الجلالي الفارسي من بلدة الأصنام أحد رواد الحركة الإصلاحية في منطقة غرب البلاد، ومن العلماء الذين مارسوا التعليم الحر بمدارس جمعية العلماء تولى الطلبة بالجامع الأخضر إلى جانب الأستاذ الإمام ابن باديس، فأفاد الطلبة بعلمه، واستفاد من دراسة ومصاحبته للأستاذ الإمام القدرة على التعبير، وعمق الإدراك والتفكير، وهو متخرج من جامع الزيتونة بتونس.

6-حمزة بوكوشة من وادي سوف وهو من الجنود الأوائل لحركة الإصلاح، وممن مارسوا التعليم بمدارس جمعية العلماء، وفي معهد عبد الحميد ابن باديس، وإلى جانب هذا كان كاتبا اجتماعيا قديرا، وشاعرا وأديبا كبيرا، وناقدا بصيرا، خفيف الروح والحركة، سريع الجواب، بديع الخطاب، ولعله لا يوافقني على ما وصفته به فالرجل متواضع لا يهتز للمدح، ولا يطربه الثناء كما هو الشأن لبعض المتشاعرين، فقد عرفته متواضعا كما ذكرت، ومع هذا فإني مصر على رأي فيه رغم أنفه، وأنفي إن شاء.

هؤلاء هم من الأعضاء الإداريين لجمعية العلماء.

يضاف إليهم عدد كبير من الأساتذة والمعلمين ضمتهم المعتقلات يعدون بالعشرات بل بالمئات لا يسعني ذكرهم جميعا، وكلهم كان قائما بواجبه نحو إخوانه لم يدخروا جهدا في تأدية رسالتهم كمعلمين ومرشدين بحيث حولوا المعتقلات إلى مدارس ومعاهد تدرس فيها العلوم والفنون بأنواعها، لا فرق بين المثقفين باللغة الوطنية وبين المثقفين باللغة الأجنبية.

وهناك شخصيات بارزة ضمتهم المعتقلات أذكر منهم:

الدكتور عروة: وهو من بريكة دائرة باتنة استوطنت عائلته العاصمة، تعلم في مدارسها، وتحصل من جامعتها على الشهادة الطبية، ويجمع بين الثقافة العربية والثقافة الأجنبية، كان يلقي محاضرات باللغة العربية يرشد بها الإخوان المعتقلين إلى القواعد الصحية، ويتعهد المرضى منهم بعناية واهتمام، وله شعر جيد باللغة العربية يخاطب به الشباب، ويهيب بهم أن يعملوا على إعزاز دينهم وحماية وطنهم.

الدكتور رابح كربوش: من مدينة دلس، استوطن العاصمة، وتعلم بها، وتخرج من جامعة الجزائر بشهادة طبيب له أخلاق ممتازة يعتني بالمرضى ويتلطف معهم وكان عزيز النفس، صعب المراس، يواجه الإدارة العسكرية بعنف وشجاعة مما جعل الإدارة تحقد عليه وتعامله معاملة سيئة، و تطيل اعتقاله.

الدكتور بن خليل: من باتنة سياسي محنك ينتمي إلى حزب البيان وهو من رجاله المعدودين، وله جولات وصولات في الميدان السياسي، وهو شديد التواضع يتعهد المرضى ويعتني بصحتهم، وربما يجلس إلى أحدهم، ويلازمه طول الليل، اجتمعت به في معتقل (آفلو) سنة 1956.

الدكتور أبو عياد: طبيب العيون وهو من حاضرة تلمسان العريقة في الحضارة الإسلامية العربية، وهو لطيف خفيف الروح يمثل البيئة التي نشأ بها وهي حضارة تلمسان.

الدكتور جناس: من جيجل طبيب العيون يتمتع بشعبية واسعة، وروح وطنية صادقة، وأخلاق إسلامية كريمة، ويحمل من جبال بلاده جيجل الثبات والصمود.

الدكتور ماطي أو معطي: طبيب ماهر ووطني صميم، له ولع بغرس الورود والأزهار وتربيتها وكأنه اقتبس هذه الهواية من طبيعة البلاد التي ينتسب إليها والتي هي غنية بالأزهار والرياحين، وأكسبه ذلك رقة في أخلاقه، وهدوء في حياته.

الدكتور بن عربية: من العاصمة طبيب نابه، ومعروف بوطنيته وصدقه في معاملة إخوانه.

الدكتور ابن الوزداد: من عائلة شريفة بالعاصمة شارك دوما في الحركات الوطنية متواضع سمح لا يقصر في أداء واجبه نحو إخوانه، ونحو المرضى بالخصوص، وقد اكتسبه هدوؤه ولطفه تقديرا من الإخوان.

السيد محمود زرطال: من عائلة شهيرة بالميلية حاز على شهادة الحقوق من جامعة الجزائر، ومارس المحاماة بالعاصمة، يهتم بقضايا المتهمين من طرف الإدارة الاستعمارية، وينتسب إلى حزب البيان.

الأستاذ عمار بن التومي: من كبار المحامين، وأكثرهم نشاطا ودفاعا عن المتهمين الذين وقعوا في قبضة الإدارة الاستعمارية، وينسب إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية.

الأستاذ بن ملحة: من تيهرت، ويقيم بالعاصمة وفي جامعتها تحصل على شهادة الحقوق وله نشاط ملحوظ، في القضايا الموجهة ضد الأحرار الوطنيين وهو ينتمي إلى اليسار.

الأستاذ علاوة السعيد: من قلعة بني عباس ((بجاية)) ومن تلاميذ مدرستها الحرة، عمله عضو في المحاكم الشرعية، التحق بالنظام في الجبهة من أول يوم، وكان على اتصال مستمر بالعقيد عميروش يكتب له الرسائل ويبلغها عنه إلى الجهات المعنية، وقد كثرت تحركاته للقيام بهذه المهمة فانتبهت الإدارة العسكرية لهذه التحركات المريبة فألقت عليه القبض من طرف الجنود المظليين في جانفي سنة 1957 وأودع السجن في مراكز التعذيب بالعاصمة ولما يئسوا من محاولتهم للحصول على معلومات تتعلق بأعمال الثورة عاقبوه بالنفي إلى المعتقلات واستمر بها إلى وقف القتال سنة 1962.

والأستاذ علاوة السعيد ينتسب إلى حركة جمعية العلماء وإلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وكان عمله فيهما بصدق و إخلاص.

الشيخ أحمد خطاب: من البليدة من الشخصيات التي اجتمعت به في معتقلات، وهو حركة دائمة في حقل الثورة كان يعمل بالبلدية في الحالة المدنية بالبليدة وقد كان يساعد المناضلين في إعطاء أوراق التعريف مدلسة للتسهيل عليهم في أعمالهم الثورية، زيادة على ما كان يقوم به من الاتصالات برجال الثورة وقد تفطنت الإدارة إليه وأدركت مساعيه فعاقبته بالنفي إلى المعتقلات، له شخصية قوية وإرادة فولاذية لا يخضع لتعسف الإدارة وطغيانها وقد أمكنه أن يتسلل من معتقل (وسارة) ويلتحق بجيش التحرير أواخر سنة 1961.

ومن الشخصيات المحترمة السيد محمد بن تفتفة من عائلة شهيرة بالبليدة، وهو ممن مارسوا السياسة في نظام حزب الشعب الجزائري وقد انفصل هو وجماعة المثقفين عن الزعيم السابق للحزب لمعارضته بشدة رأي الجماعة في إعلان الثورة، ألقي عليه القبض في سنة 1956، ونفي إلى المعتقلات ومنها معتقل بوسوي، وهو ممن حاولوا الفرار من هذا المعتقل بواسطة نفق أحدثوه من إحدى الزنزانات، فتفطنت إدارة المعتقل لهذه المحاولة وعاقبت أصحابها أشد العقاب، وشردتهم إلى معتقلات أخرى، كان يقوم بمحاضرات قيمة في المعتقل في السياسة والاقتصاد، ويرشد الإخوان المرضى إلى بعض الأدوية بصفته صيدليا ماهرا.

ومن الشخصيات التي اجتمعنا بهم السيد عبد القادر عابد من رجال حزب البيان بالبليدة، جرئ وشجاع. لا يخضع لتهديد الإدارة العسكرية بل يواجهها بكل صرامة وخاصة أيام تكاليفها في 6-11 جوان سنة 1959.

ومن الشخصيات المقـاومة في ذكاء وحـزم السيد سعيد ماموش، وهو ضعيف في بدنه قوي في إرادته وعمله وله مواقف مشرفة ضد الإدارة، صريح معها في إبـداء رأيه.

ومن الشخصيات السيد علي يحياوي نشأ مند طفولته في أحضان الحركة الوطنية، خفيف الحركة نشيط في أعماله، يتطور مع الزمن ويتكيف حسب الظروف فقد يكون على فكرة في الصبـاح يتحمس لها فلا يأتي المسـاء إلا وقـد تنكر لها وغير رأيه.

ومن الشخصيات البارزة السيد عبد الرحمن يبرير الرياضي المشهور وهو من العاصمة، ذو أخلاق رياضية كريمة كان يدرب الإخوان بالمعتقل على لعب الكرة ويبذل قصارى جهده في تدريبهم وإفادتهم فنال بذلك إعجاب القوم ومحبتهم.

ومن الشخصيات الرياضية آيت يحي الوناس وهو من صلامبي بالعاصمة الذي كان لي نعم التلميذ النجيب والمؤانس اللطيف، وهو رياضي ممتاز، كان يدرب الشباب وحتى الكهول مثل السيد إبراهيم عواطفي – نظام المصارعة اليابانية- بجدارة واهتمام، وتخرج على يده جمع من الشباب، أصبحوا يتقنون هذا الفن.

ومن أصدقائنا بالمعتقل السيد أحمد بيطام طبيب الأسنان هادئ رصين أديب لطيف حاز رضا المعتقلين جميعا وهو من سكان العاصمة يمثل الشباب المخلص.

وهناك عدد كبير من الأساتذة المعلمين كانوا معنا في المعتقلات يعدون بالعشرات بل بالمئات لا يسعني أن أذكرهم جميعا، وإن أنس فلا أنس رجلين عظيمين هما:

الشيخ مصباح حويدق من بلدة وادي سوف ومن المعلمين الممتازين في المدارس الحرة، تعرض للعذاب الشديد في معتقل ((أركول)) ضاحية مدينة وهران على يد الكمندان ((السلك الحديدي)) و زبانيته فصبر صبر الأبطال.

الشخص الثاني السيد رولة العربي من جيجل كان معلما باللغة الفرنسية وعزل سنة 1956 لأفكاره السياسية قضى معظم حياته في المعتقلات والسجون، وانتهى به المطاف إلى معتقل بوسوي، في السنة التي تمرد فيها الجيش الفرنسي بالجزائر على حكومته تؤيدهم القوة الفاشية في فرنسا ويساندهم المعمرون في الجزائر وكادت الجمهورية الرابعة تسقط لولا تدخل الجنرال ((ديغول)) لوضع حد لهذا التمرد وواجه المتمردين بحزم و عزم، وفي نفس الوقت كان يستهين برجال الثورة ويرى أنهم أقلية أما الأغلبية من الشعب فإنها لا تريد الانفصـال عن فرنسا وسيجري استفتاء لمعرفة الحقيقة، وكان إلى جانبه الوالي العـام بالجزائر سوستال اليهودي يرى رأيه.

فبعث الأستاذ العربي بن غولة، أو ((رولة)) رسالتين سريتين إحداهما للجنرال ديغول، والأخرى لسوستال.

يقول فيهما أن الشعب الجزائري متمسك بأصالته وشخصيته لا يبغي بهما بديلا، وأقام على ذلك أدلة وبراهين، وأثبت حسب جدول مدقق ومضبوط لجميع من تجنس من الجزائريين من يوم الاحتلال إلى يومنا هذا بحيث يمثل نسبة ضئيلة جدا، ثم قال: ألا يكون هذا استفتاء؟.

وقد رد سوستال الجواب وشكر صاحب الرسالة على التحقيقات التي أوضحها.

-أما الجنرال دوقول- فإنه بعث لجنة من الخبراء المختصين لمعرفة هذا الشخص، وكان يظن أنه عمل جماعة لا عمل فرد، وحضرت اللجنة بمعتقل بوسوي سنة 1959 وطلبت السيد ((رولة)) فاجتمع بها وكانت تلقي عليه الأسئلة وهو يجيب عنها بصراحة ويشرح مضمون الرسالة التي بعث بها إلى الجنرال ويضيف نظريات سياسية وأخلاقية في أسلوب فلسفي، وعرض واقعي فأعجبت اللجنة بنظرة الرجل وسعة أفقه، ثم قال أحدهم مثل هذا ينبغي أن نستفيد من أفكاره فيطلق سراحه وهنا قام الأستاذ العربي وطلب الإذن بالخروج فقالوا له: ولم تستعجل الذهاب فقال: كنا نتحدث في أمر عام فشاركت في الحديث، أما والحديث أصبح خاص بي فإني لا أحب ذلك فزاد إعجاب اللجنة بهمة الرجل وإخلاصه.

آخر التغريدات: