عَظَمة باديسية تنجب ثورة جزائرية عظيمة

بقلم: علي بن حراث-

لا زال مجال البحث في تاريخ الجزائر المعاصر مجالا بكرا خصبا رغم وجود عدة دراسات وأبحاث وهي التي وإن أماطت اللثام عن بعض الجوانب منه، فإنها لم تولي أهمية ودراسة مفردة وشاملة لعدة مواضيع، وذلك ما يبرز غزارة و ثراء تاريخ الجزائر وحركية المجتمع الجزائري عبر التاريخ، ومن بين المواضيع التي لم تشملها الدراسة نجد الفكر التحرري عند رائد الحركة الإصلاحية في الجزائر الشيخ "عبد الحميد بن باديس". فبالرغم من أهمية هذا الموضوع كونه يتعلق بأحد ركائز الحركة الوطنية في شقها الإصلاحي فإننا لا نجد دراسة مركزة عليه، لتأتي الفرصة والمناسبة للكتابة عن الرجل والتأريخ عن فكره التحرري الثوري.

لقد كان ابن باديس مقتنعا بأن تحرير الجزائر لا يمكن أن يتحقق ما دامت بَصيرة الشعب الجزائري مُخدّرة وهُوّيته مأسورة ولغته مَقهورة وشريعته مُشَوّهة مَبتورة وحضارته مُغيّبة مقبورة، فلقّن الأجيال الثورة على الاستبداد وعلى الجهل والخمول، الثورة على الأخلاق الهابطة، وعلى الانسلاخ من الحضارة العربية الإسلامية، ثورة للتخلي عن تقديس الأضرحة وعبادة الأولياء، وبعدها اقتنع الجزائريون أن لا دين لهم إلا الإسلام، وأن لا لغة لهم إلا العربية، وأن لا وطن لهم إلا الجزائر.

فمن هو عبد الحميد بن باديس؟ وما هي معالم الفكر الثوري والتحرّري عنده؟ وكيف كانت الثورة عند ابن باديس ضمن نطاق أهدافه الجوهرية لنشاطه الإصلاحي؟

1-من هو ابن باديس:

لقد تعددت الدراسات التي تناولت شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس إلا أن مجمل تلك الدراسات ركزت على التأريخ لحياته واستعراض آرائه كما أوردها في مقالاته وكتاباته دون اتخاذ مواقف نقدية واضحة،1 وهنا لا أريد التوسع في تعريف الإمام عبد الحميد بن باديس وإنما أريد تعريف موجز وملم لأركز على جوهر الموضوع: فهو- بحق- "أبا اليقضة الوطنية في الجزائر"، ورائد الحركة الإصلاحية فيها في أظلم فترة تاريخية عرفتها البلاد، وهو الرجل الأول في خير جمعية أخرجت للناس، "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"،2 وهو محرك الثورة الجزائرية، المحرك الذي لا تصدأ مادة صنعه ولا تذوب ولا تنكسر أبد الدهر لأن مادته القرآن والإسلام والعربية والوطنية.

إحقاقا للحق والتزاما بالأمانة العلمية في الكتابة التاريخية واحتراما للعلماء العاملين وإنصافا للرجال المخلصين، نقول أن ابن باديس كان رجلا عظيما بجلائل أعماله، ولاسيما عنايته برجاء الأمة (نشؤها) وتفانيه في تربيته وتكوينه، ليكون ذخيرة لأمته، وذخرا لها، وفي دعوته للوحدة الوطنية أمام أمواج الضربات القاصمة التي كانت تكيلها السلطات الفرنسية لها، كما اجتهد الرجل في دحر الأعداء بأقوى وأدوم الأسلحة "سلاح العلم والتنوير لا سلاح الحديد والنار والمال"، حيث سخر إمكانياته الخاصة لخدمة الجزائر عبر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين "لنشر العلم والفضيلة ومحاربة الجهل والرذيلة. وفي هذا السياق يقول إمامنا: "القرآن إمامنا والسنة سبيلنا والسلف الصالح قدوتنا وخدمة الإسلام والمسلمين وإيصال الخير لجميع سكان الجزائر غايتنا، فالْنَسِرْ موحدين متحدين على الصراط المستقيم لخير الجميع"،3 رجل عظيم لم تكن وسائل الإعلام ورجاله مَن صنع عظمته، رجل عظيم كان همه واهتمامه عظمة أمته، ورفعة قومه واستعادة مجد أجداده وإحياء تراثه ليرتوي من حياضه كل أبناء وطنه، في ظل احترام كل الأجناس، كان همه تربية النشء ولم الشمل في القطر الجزائري، وإعادة ربطه بسائر الأقطار العربية والإسلامية، مرورا بوحدة المغرب العربي، بل والأبعد من ذلك خدمة الوطن الأكبر "الإنسانية" إيه نعم.. تلكم هي العظمة لعمري ما تهفوا إليها النفوس السليمةَ السوية، البعيدة النظر، المتجافية عن كل انحراف وزيغ، رجل عظيم لم يكن يصبوا إلى أن يكون عظيما فريدا في عصره، ولا حتى كان يصبوا ليكون عظيما بين العظماء، فاجتنب الذيوع واستنكف الشهرة وسخر إمكانياته الخاصة4 في خدمة قضية وطنه، فأصبح بذلك عظيما، كان صارما في الدين، فلا يداهن هذا ولا ذاك حتى لا يسقط في شراك ومتاهات السياسيين وألاعيبهم، فكان بهذا كله أمره أشبه بذلك الرجل الشريف البريء الذي فر من السجن ضانا أنه يتجه إلى باب الخروج والحرية ليجد نفسه أمام باب الدخول إلى نفس السجن دون أن يعلم، فكانت عظمته عظمة فريدة لم يسعى إليها بل هي التي من إليه سعت بعدما أن "راودته عن نفسه" "فاستعصم"، فأضحى معنى العظمة بهذا أوسع وأعظم مما كان ومما هو متعارف عليه بفعل انتسابها إلى ابن باديس، وبذلك كانت العظمة باديسية مثلما كان ابن باديس عظيما، كما كان للعظمة شرفا أن انتسب ابن باديس إليها من حيث لم يكن يسعى إليها.

من العوامل المؤثرة في شخصية الإمام عبد الحميد بن باديس نجد نخبة العلماء الذين أثروا على شخصيته ومن هؤلاء نذكر الشيخ صالح بن مْهنّا إذ أنه يعد من "العلماء الذين حاربوا البدع، وحاولوا تحريك المجتمع وبذروا الحركة الإصلاحية، فإن مناجاته للضمير كادت توقظ أهل قسنطينة كلها حوالي سنة 1898م فعملت الحكومة الفرنسية على إبعاده، وصادرت مكتبته التي لا تقدر بثمن..."،5 إلى جانب شيخه حمدان لونيسي بقسنطينة، وشيوخه بالزيتونة ولعل من أشهرهم الإمام محمد النخلي، والشيخ الطاهر بن عاشور، ويذكر بن باديس أن الأول أوصاه بألا يقرب الوظيفة ولا يرضاها وألا يتخذ عمله مطية لها، في حين أوصاه الثاني بأن يجعل ذهنه مصفاة للأساليب المعقدة وللأقوال المختلفة وللآراء المضطربة ...،6 كما يقول عن الثالث: وإن أنس فلا أنسى دروسا قرأتها من ديوان الحماسة على الأستاذ ابن عاشور... فقد حببتني في الأدب والتفقه بكلام العرب وأحسست من الشعور بعز العروبة والاعتزاز بها كما أعتز بالإسلام.7

2-ابن باديس والسياسة:

"كانت شخصية الشيخ تجمع بين النهضة الثقافية الاجتماعية والنهضة السياسية والتربية الإسلامية والصحافة، ومما يؤكد هذه الحقيقة قوله: (لا بد لنا من الجمع بين السياسة والعلم ولا ينهض العلم والدين حق النهوض إلا ّإذا نهضت السياسة بحق...)، والواقع أننا لا نستطيع أن نفصل بين نشاطه العلمي والسياسي فهما متداخلان متكاملان في نظره وعمله".8

إنه من المنطقي إن قلنا بأن ابن باديس هو ذلك الرجل المصلح الذي سخر كل جهده للنشاط التربوي والدعوي (الإصلاحي بشكل عام)، وإنه من غير المنطقي إن قلنا بأن ذات الرجل لم يطرق باب السياسة مثلما طرقها محترفي السياسة، ذلك أن ابن باديس هو أيضا "المجاهد السياسي الذي شهد له أصدقاؤه وأعداؤه جميعا، "ولعل من القول الفصل أن أنقل فقرات مما قالته عنه إحدى الصحف الفرنسية التي كانت تصدر بتونس حين سافر ابن باديس إليها من أجل حضور حفل ذكرى وفاة البشير صفر حيث قالت Le Petit Matain » »: ... والشيخ ابن باديس يمثل حقا الزعيم الخطيب، فهو قد ملك تقاليد الكلام، وبصوته الناري يستفز الجماهير فيثير الحروب أو ينزل في القلوب سكينة السلام ... وإنّ عملا يقوم به ابن باديس لا يمكنه أن يتضاءل ولا أن يقف، إنه لعمل لا يسير إلا إلى الأمام، ولا بد له من أن يتضخم وأن ينتشر وأن يكتسح كالسيل العرم المدن والبادية فيحيي الموات، ويتلف المعارضة. وعليه فهذا الاعتراف هو استشهاد بالزعامة السياسية لابن باديس وبإتقانه للسياسة وفنونها ووسائلها".9

إذا كان ابن باديس شخصية دينية فإن عزيمته القوية لم تردّه عن أن يخوض غمار السياسة من أجل بلاده وقد كان على رأس الوفد الذي ذهب إلى فرنسا ليطالب حكومتها بإصلاحات رأى الجزائر في حاجة إليها لتستعد إلى طفرة الاستقلال. وكم ساءه ما حُرمت منه الجزائر من حرّيات الشعوب فكان يتغنى دائما بالحرية ويستحث الهمم إلى السعي وراءها.10

يوجد شبه كبير بين عبد الحميد بن باديس وبين رجل إسلامي عظيم بعث أكبر دولة إسلامية، وهو محمد إقبال باعث دولة باكستان. وعبد الحميد بن باديس بمساعدة رجل الجزائر "مصالي الحاج" كان بصدد إيجاد دولة ستمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وسيتعانق مغرب العروبة ومشرقها.11

لم يهتم ابن باديس بنفسه فينجوا بمفرده، ولم تنس ذات النفس هول ما رأت من عظمة كيد فرنسا وخطرها، إنذار بني جنسه إذ كان يدرك بفطرته أن لا حياة له بدونهم ولا نجاة له إذا لم ينج معهم فأنذرهم في أشد مراحل الخطر المحيق بالجزائر أبلغ الإنذار. وهو بهذه الحال الخَطِرْ خائفا على بني جنسه من الاستعمار أشبه بحال النملة وخوفها من سليمان وجنده (في القصة المعروفة في القرآن الكريم) على بني جنسها. "وهذا يعلمنا أن لا حياة للشخص إلا بحياة قومه ولا نجاة له إلا بنجاتهم، وأن لا خير لهم فيه إلا إذا شعر بأنه جزء منهم ومظهر هذا الشعور أن يحرص على نفسه وأن لا يكون اهتمامه بهم دون اهتمامه بها"،12 وفي قصة النملة عبرة لمن يعتبر، ذلك ما أدركه الشيخ ابن باديس حق الإدراك، وذلك ما أملاه عليه واجبه تجاه دينه وقومه ووطنه.

3-الفكر التحرري عند ابن باديس:

لقد كان ابن باديس يدرك بأن الحرية هي الحالة التي يستطيع فيها الأفراد أن يختاروا ويقرروا ويفعلوا بوحي من إرادتهم، ودونما أية ضغوط من أي نوع عليهم، ومن ثم ركز في فكره التحرري على جانب هام وهو المتمثل في الإنسان، ليتلازم معه آليا - فيما بعد - الأرض والتنظيم (المقصود الهيئة الحاكمة ونظامها).

"والإمام ابن باديس يرى أن المسلمين لن ينهضوا بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إلا إذا كانت لهم قوة، ولن تكون لهم قوة إلا إذا كانت لهم جماعة منظمة تدبر وتخطط وتنظم وتحدد معالم الطريق الذي ينبغي أن يسيروا فيه لإعادة العزة والكرامة لدينهم وأوطانهم، فالفوضى والارتجال يبددان قوتهم ويشتتانها فيما لا يجدي ولا يفيد...فشرط حدوث النهضة عند ابن باديس هو وجود هذه الجماعة القائدة أو الجيل القائد المفكر المنظم..."12

أثبت النشاط الإصلاحي الذي قام به ابن باديس ورفقائه بأن الكفاح المسلح والتحرر من الاستعمار يرتكز أساسا على أبناء الوطن المستعمَر قبل أن يكون على السلاح المستورد مهما كان حجمه وتطوره، فاستهدفت بذلك جهود الإصلاح كل ما له علاقة بالإنسان وكأني بلسان حاله يقول: الفكر الثوري لا يستورد ولا يهدى، وإنما ينشأ مع الإنسان في ظل الظروف التي يعيشها فيتبلور ويتمخض ليحدث بعدها زلزالا يهدم عرش المستعمرين والظالمين.

ركز الإمام عبد الحميد بن باديس في فكره التحرري على جانبين هامين:

التحرر الديني من المتريبطين.

التحرر السياسي من المتسيسين.

من خلال دعوته للتحرر من هذين القيدين فهو إذا ينادي إلى فكر تحرري عميق وواسع في نفس الوقت، تحرر من الاستعمار بكل أشكاله وأوجهه، تحرر من الجهل والأمية، تحرر من التخلف والضعف، تحرر من الظلم والاستبداد، تحرر من القهر ومن رديء الأخلاق ومن الدخيل السلبي من العادات، تحرر من التحجر والتصوف الذي يحصر الدين بين جدران المساجد وفي أركان الزوايا، وخلال المواسم والأعياد، ولن يكون كل هذا إلا بعد تحرير العقول من الجهل والتغرّب، وتحرير النفوس من الرّهب، ليتيسر بعدها تحرير الأوطان بجغرافيتها واقتصادها، ومن بعد كل هذا يكون قد تم تحرير المستقبل ما إن واصلت الأجيال السير على خطى أجدادها.

لقد رضع ابن باديس الآراء الجريئة في الإصلاح والنهضة الإسلامية من شيخه ابن الموهوب والتي دعا المسلمين إلى اليقضة واكتساب المعارف بقوله: "زينوا أفكاركم بالمعارف واتركوا النوم، يا قوم، فإنه ليس أمس كاليوم... فمن ترك التعلم فهو الجلمود لأن الزمان زمان سباق، وكل شيء له المعرفة صداق".13

4- الفكر الثوري عند ابن باديس:

"قرأ الناس وسمعوا عن الإمام عبد الحميد بن باديس بأنه كان عالما ضليعا، ومصلحا كبيرا ومربيا خبيرا، وصحافيا قديرا، ولكنهم لم يسمعوا ـ إلا قليل منهم ـ أنه كان ثوريا. ولهذا قد يستغربون أن يوصف بهذا الوصف. وإن سبب هذا الاستغراب هو عدم إلمام أكثرهم بأفكار هذا الإمام، ولأنهم تعودوا على أن هذا الوصف لا يطلق إلا على من حمل السلاح وأكثر الصياح"،14 بل وقد يكون قبلة للانتهازيين والسماسرة من السياسيين في أوطانهم وعلى حساب مصلحة ومستقبل الوطن وبني جلدتهم وما أخطره من أمر، أو بابا مشرّعا للتدخل الأجنبي وما أشده من شر.

إن هذا الفهم لكلمة ثورة هو فهم قاصر وخاطئ، لأن الثورة المسلّحة هي ترجمة لفكر ثوري، وأثر لتحرر نفساني، وإلا صارت هيجانا يستبشعه الناس وينفرون منه ومن القائمين به.15

فكان بهذا فكر ابن باديس الإصلاحي مرحلة هامة لا بد منها لكل ثورة تحريرية مسلّحة، حيث لا تُنْجَزُ الثورة المسلّحة إلا بتدبير من عقول تحررت من الجهل ومن سواعد كسّرت الأغلال وأيادٍ مَزَّقَتْ قيود الاستبداد ومن قلوب تخلصت من الخوف من العدو مهما كانت قوته ومهما كان نوعه، ومن نفوس أُعِدّتْ للجهاد والتضحية بالنفس والنفيس من أجل ما هو أَنْفَسْ، وعليه يمكننا القول بأن "ما لا تتم الثورة إلا به فهو ثورة، بل يعتبر كل ذي عقل سليم وفكر قويم مُثَوِّرا".16

هكذا كان ابن باديس رصينا في عمله واع بدوره في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر، فلا هو انساق وراء سراب المطالب السياسية في تلك المرحلة المتقدمة (الاستقلال) أو الاستسلام والانصياع إلى حين (الإدماج) بالنظر إلى أوضاع الجزائريين، بل كان مؤمنا أشد الإيمان "بأن العمل يسبقه العلم ومن بدأ بالعمل دون علم لا يأْمن على نفسه من الضلال".17

وبقراءة عميقة لبعض المصطلحات لدى الشيخ عبد الحميد ابن باديس والتي كررها في عدة مناسبات في خطاباته وكتاباته، شِعرا ونثرا نجدها مصطلحات وكلمات ذات معنى ومدلول ثوري وتحرري، ومن ذلك نورد البيتين الشعريين الواردين في قصيدة "شعب الجزائر مسلم" وهي القصيدة التي أعتبرها الجوهرة الأبدية في الشعر الوطني بالجزائر منذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا:

يا نشء أنت رجاؤنا * وبك الصبـاح قد اقترب

خذ للحياة سلاحها * وخض الخطوب ولا تهب

وهو هنا يخاطب النشء الذي سيحمل لواء الثورة وتحرير الجزائر من الاستعمار ومن ثم تبديد الظلام الدامس الذي لازم الجزائر منذ احتلالها سنة 1830.

كما نورد كلمة أخرى تعبر عن الفكر الثوري لدى ابن باديس وهو رده على تهديد رئيس الحكومة الفرنسية "دلادييه" عند زيارة وفد المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي تزعمه الشيخ سنة 1936 باريس وذلك بعد تمسك الوفد بما تم الاتفاق عليه من مطالب، حيث قال دلادييه: "لدى فرنسا مدافع طويلة". فرد الشيخ برباطة جأش: "يوجد لدينا مدافع أطول... إنها مدافع الله". فأي فكر ثوري أبعد وأصلب من هذا الفكر الباديسي؟ ورغم عدم تحقيق وفد المؤتمر لهدفه إلا أنه كان خطوة هامة من خطوات الثورة والتحرر، وبهذا كان فكر الشيخ ابن باديس أن انطلق بنداء للأمة الجزائرية بحي على الفلاح، ليكون بعدها - إن تطلّب الأمر - نداء حي على الجهاد بحمل السلاح، فِكر يحرر العقول والنفوس لتتحرر بعدها بشكل آلي الأراضي والقصور، فِكر باديسي يصنع الثورة في العقول بالإصلاح قبل ثورة السلاح.

لقد جعل الشيخ عبد الحميد بن باديس من التربية محور اهتمامه في مشروعه الحضاري الواسع وقد جعل للتربية بدورها مجموعة من الأهداف،19 ومن هذا يمكن القول أن عمل الشيخ في ميدان التربية والتعليم كان هدفه هو: استقلال الجزائر وحريتها ...20

5- أبعاد الفكر التحرري عند ابن باديس:

من خلال دراسة دقيقة لشخصية ابن باديس وأفكاره يلاحظ على فكره الطابع التحرري العميق والشامل بأبعاده المختلفة، فكانت كل كلماته وأحرفه تعالج موضوع الحرية والتحرر بداية بالتحرر المعنوي (الفكري والثقافي والديني) وانتهاء بالتحرر المادي (الاقتصادي والجغرافي)، وبالنظر إلى أبعاد نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نجدها تمثل عمق السياسة، "فبفضل مجهودات أعضاء هذه الجمعية عرفت الجزائر نشاطا وحيوية بالغين في الميدانين الثقافي والسياسي في النصف الأول من القرن العشرين، وهي الفترة التي يعتبرها كثير من الباحثين من أكثر فترات التاريخ الجزائري خصبا وحيوية بسبب ما حفلت به من مواقف ومعارك فكرية كانت لها أبعادها الخطيرة والمؤثرة في حياة الجزائر بمختلف وجوهها".21

البعد الوطني:

إذا كان الأتراك يفتخرون بتسمية مصطفى كمال (أتاتورك) أي أبو تركيا لأنه أنقذ البلاد من براثن العدو والمحتل، فإن الأمة الجزائرية عموما والطلبة الجزائريين خصوصا ليفتخرون ويهتفون مرددين اسم ابن باديس في كل لحظة وفي كل مكان ومطلقين عليه اسما ثانيا ألا وهو (أبو الجزائر)، وكيف لا يكون أبا الجزائر وهو نفسه كان يقول فيما يقول: لم أنجب أطفالا ومع ذلك فأنا أب لأن كل الجزائريين أبنائي...22 ولا عجب بعدها إن قلنا بأن الأبناء البررة سوف لن يخالفوا أباهم في تنفيذ ما أعدهم له ووجههم نحوه. كما تعد الجزائر بالنسبة لابن باديس وطنه الخاص الذي تربطه بأهله روابط ووشائج عديدة، روابط من الماضي والحاضر والمستقبل،23 بل "كان عبد الحميد هو الجزائر. والآن على الجزائر أن تكون هي عبد الحميد".24

" إن الشعب الجزائري ليس فرنسيا، ولا يمكن أن يكون فرنسيا، وحتى ولو أراد، فلا يستطيع أن يكون فرنسيا لأنه بعيد كل البعد عن فرنسا، بلغته وعاداته وأصوله وديانته. وعن التجنيس الذي هو في الحقيقة اختيار جنسية غير إسلامية للمسلمين، ينطوي على التنكر للشرائع الإسلامية المقدسة التي تنظم شؤون حياة المسلمين، وتضع لهم قوانين دنيوية وبشرية".25 من هذه الفقرة يبرز لنا الفكر الثوري القوي والرافض للتفرنس والتغرّب لدى الشيخ عبد الحميد بن باديس بل ويصرح الشيخ بأن الأمر يتجاوز قبول أو رفض الجزائري التخلي عن جزائريته ذلك أن هناك مقومات قوية عميقة الجذور تبقيه جزائري عربيا مسلما، يستحيل بها التغرّب، وهو ذات الفكر الذي يكرره ويؤكده عدة مرات ولعل أهم ما نستشهد به هنا هو قصيدته "شعب الجزائر مسلم" والتي مطلعها:

شعب الجزائر مسلم * وإلى العروبـــــــة ينتسب

من قال حاد عن أصله * أو قال مات فقد كــــــذب

أو رام إدمــاجـــا لـــه *رام المحــال مـن الطــلــب

حملت فرنسا ضد الجزائريين سلاحا قويا أقوى من الأسلحة التي صنعتها في مصانعها ومصانع حلفائها في أوربا وفي خارجها وهو السلاح الذي يعتمد على سياسة التفرقة وزرع الفتنة بين الجزائريين من خلال "إثارة النزعة البربرية وإبرازها إلى الوجود، وبث روح التشرذم، ليعلنها ابن باديس صرخة داوية مجلجلة، مدعمة بالحجج التي لا تقبل الشك والتأويل، وفضح مكائد المستعمرين الذين لا غرض لهم إلا القضاء على الوحدة العربية التي وحّدت هذا الشعب منذ دخول الإسلام إليه ومحاولة سلخ البربر من عروبتهم، وقد وحدهم القرآن، وربط أواصرهم التاريخ، وجمعت صفوفهم العربية منذ قرون.26

ويرد ابن باديس عن هذه المؤامرة: ... وما من نكير، أن الأمة الجزائرية كانت (أمازيغية) من قديم عهدها وأن أمة من الأمم التي اتصلت بها ما استطاعت أن تقلبها عن كيانها، ولا أن تخرج بها عن (مازيغيتها) أو تدمجها في عنصرها، بل كانت هي تبتلع الفاتحين فينقلبون عليها، ويصبحون كسائر أبنائها.

فلما جاء العرب، وفتحوا الجزائر فتحا إسلاميا لنشر الهداية، لا لبسط السيادة، وإقامة ميزان العدل الحقيقي بين جميع الناس، لا فرق بين العرب الفاتحين، والأمازيغ أبناء الوطن الأصليين.

فدخل بهذا الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام، وتعلّموا لغة الإسلام العربية طائعين... فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة... فأصبحوا شعبا واحدا عربيا متحدا غاية الاتحاد، ممتزجا غاية الامتزاج، وأي افتراق يبقى بعد ان اتحد الفؤاد، واتحد اللسان؟27

وبهذا فقد انتزع الإمام عبد الحميد بن باديس من أيدي الاستعمار الفرنسي سلاحا فعالا وهو أخطر سلاح، إنه سلاح التفرقة.

البعد المغاربي:

يقول ابن باديس في إطار إجابته عن سؤاله: لمن أعيش؟ مجيبا ومحددا علاقته بالمغرب العربي بعد تناول علاقته بوطنه الجزائر: "نعم إن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطانا أخرى عزيزة علينا هي دائما منا على بال، ونحن فيما نعمل لوطننا الخاص نعتقد انه لا بد أن نكون قد خدمناها، وأوصلنا إليها النفع والخير من طريق خدمتنا لوطننا الخاص،28 وبتحليل لهذه الفقرة نجد أن الشيخ عبد الحميد بن باديس يرى أن خدمتنا للجزائر هو خدمة للمغرب العربي، كما أننا نستنتج إيمان الشيخ بألا رقي وتقدم لهذا المغرب إلا برقي كل دولة من دوله، ومن هذا يتضح لنا فكره الثوري على الصعيد المغاربي والذي يمثل ثورة عارمة في كل دول المغرب العربي لدحر الاستعمار.

البعد العربي الإسلامي:

لم يقتصر ابن باديس في نضاله على الجزائر فقط بل دافع بقلمه عن تونس الشقيقة وفلسطين الشهيدة وعلى سائر الأقطار العربية والإسلامية وعلى الإنسانية المعذّبة، فقد كان إنسانيا لوطنه ... إنسانيا لجميع الشعوب.29

لم تكن الظروف القاسية التي كانت تعيشها الجزائر قادرة على صرف ابن باديس عن رؤية الصراع وشمولية المعركة الحاصلين، فالحرب ضد المسلمين هي حرب واحدة، سواء كان مسرحها بالجزائر، أو كان مسرحها فلسطين، أو ابتعدت حتى أقاصي المشرق الأسيوي.30 كما أنه يرى أن صلاح المسلمين لن يكون إلا بصلاح علمائهم، واعتبر الأخيرين بمثابة القلب من الجسد إذا صلحوا صلح الجسد كله وإذا فسدوا فسد الجسد كله. فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم،31 فضلا عن هذه الأبعاد للفكر التحرري الباديسي فإن له بعدا إنسانيا.

كان يخيّل للكثيرين من الرجالات والدول أن الشعب الجزائري شعب ميؤوس منه لا رجاء فيه ولا أمل، وحينها ارتفع صوت ابن باديس بأنشودة الإسلام والعروبة الخالدة ليفتح على نغماتها الشجية القلوب القُفَّل، والآذان الصم، حتى يستطيعوا أن يروا من خلال ضوئها جلال الحق المنتهك، وحرمة الكرامة المداسة. ومضى ابن باديس في دعوته يطرق كل باب، ويدخل كل سبيل. ورأى فيما رأى بنظره الثاقب أن هذه الشعوب المستعبدة لا تستطيع أن تضمن مستقبلها إلا إذا هي جعلت بينها حلفا يعقد بين متفرق القلوب، ويجمع بين شتيت الأفئدة، ومن هنا كانت دعوته للوحدة العربية فقد رأى اتحاد هذه الشعوب في الميول والعواطف والاتجاهات، وما تريده المطامع الاستعمارية من تفريق بينها عملا بمبدئها وثأرا من الشرق غشي كل ما لهم من ملك وغطى كل ما لهم من نفوذ.32

كما كان للإمام عبد الحميد بن باديس موقفا حضاريا تجاه حادثة اعتداء اليهودي خليفة الياهو "حادثة قسنطين 1934" حيث اعتبر الحادثة اعتداء لا أخلاقي ورد فعل سكان مدينة قسنطينة دفاع عن النفس، كما أرجع الإمام الأسباب والتصرفات اليهودية ناتجة عن غرور اليهود باستيلائهم على النسبة الكبيرة من وظائف الدولة من جهة وأن العمل مبادرة فردية ليهودي حاقد وهو ما يبين بعد النظر لدى الإمام من أجل حقن الدماء بين سكان المدينة.

يبرز من خلال هذه الحادثة دور الجامع الأخضر وإمامه الشيخ بن باديس في نشر الوعي وإبراز الأخطار التي تتهدد العالم الإسلامي على أيدي الاستعمار والصهيونية، فكانت الحادثة تعبيرا عن نقمة اليهود واختبارا لمعرفة ما وصل إليه التنظيم الإسلامي من القدرة في مدينة قسنطينة.33

لقد اتسم عبد الحميد بعدم عدائه لأي كان وذلك ما بينه في حوار له مع مجموعة من الشباب الذين تزاحموا عليه في نادي للشباب بمدينة بجاية حيث سأله أحدهم: يقال أنك عدو لفرنسا؟ فكان رده عليه: كلا أحرار فرنسا لا يقولون هذا، ولا يعتقدونه، أنا لست عدوا لفرد من الأفراد، ولا لحزب من الأحزاب، ولا لجنس من الأجناس ولا لدولة من الدول... أنا مسلم، فإسلامي يمنعني أن أكون عدوا لجنس من الأجناس وإنما أنا عدو الجهل والجمود، من أي فرد ومن أي جنس، أقاوم الظالم ولو كان قريبا مسلما، وأنصر المظلوم ولو كان بعيدا غير مسلم.34 وأي إنسانية مثالية مثل هذه الإنسانية الباديسية.

"إن الاتحاد الإسلامي، والوحدة العربية بالمعنى الروحي، والمعنى الأدبي، والمعنى الأخوي، هما موجودان، تزول الجبال ولا يزولان، بل هما في ازدياد دائم، بقدر ما يشاهد الناس من عمل في الغرب ضد العروبة والإسلام".35

6- أثر ابن باديس في الفكر التحرري والثوري بالجزائر:

ورد في إحدى تقارير الشرطة الفرنسية في شهر أفريل 1940 في الجزائر: " كان ابن باديس رجل الوطن الوحيد وهو الجزائر، وصاحب فكرة واحدة وهي الإسلام، وكان يتطلع إلى أن يبذل الرجال في الجزائر جميع جهودهم كي يتفقوا، ويتضامنوا، ويتوحدوا، وكان قد بارك هذه الوحدة في الحركة الشعبية سنة 1936، ولكن بعض الرجال وبعض الأحزاب خيّبوا آماله فيما كان يطمح إليه"،36 إن هذا المقال يعبر بصدق على الدور الهام الذي مثّله ابن باديس في الحركة الوطنية خلال الثلاثينات، وعما كان مُخَطَّطًا في آرائه السياسية حول مستقبل الجزائر.37

من هذه الحقائق التاريخية المدونة والتي يشهد بها من عاصره من رفقائه في النشاط الإصلاحي ومن تلامذته فابن باديس سعت إليه العظمة بعدما تجرّد من كل نية تؤدي إلى مخدعها، محترما نفسه وغيره، مبجلا قومه ذائدا عنهم، مسخرا كل ما يملك من علم ومال ووقت وصحة ومكانة لخدمتهم والدفاع عنهم، جاعلا اللغة العربية لسانا له، حاثا على تعلم اللغات الأجنبية وإتقانها، وجاعلا من الإسلام دينا له بكل جوارحه وأقواله وأفعاله، فلم يخش في الله لومة لائم ولا تحالف أعداء عليه، مؤمنا بالجزائر وطنا لا وطن له سواه وإن كثرت الأوطان في الدين والقومية والإنسانية، فكان شعاره في كل ذلك هو الشعار الذي رفعته "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا، وذلك ردا على سياسة الاستعمار الفرنسي والأهداف التي كان يعمل لتحقيقها "- زيادة على الاستغلال الاقتصادي والاستحواذ السياسي - إلى جعل الجزائر قطعة لا تتجزأ من التراب الفرنسي أرضا ولغة وثقافة ودينا".38

لقد كان لابن باديس الدور الكبير الممهد لظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما أحدثه من ثورة تعليمية وتربوية في قسنطينة منذ العام 1913 وأسلوبه في التلقين الذي خرج به من أسلوب التقليد إلى التجديد، فكانت دروسه الحية وتربيته الصحيحة تفعل فعلها في نفوس تلامذته، فتخرجت على يديه أفواج من الطلبة مستكملة الأدوات.39

هذه الخصال وأخرى أبت لأجلها العظمة إلا أن تنتسب لابن باديس، فكانت بذلك العظمة باديسية، من ذلك بداية تشكل نخبة وطنية مثقفة بالثقافة العربية الإسلامية، مؤمنة بقضيتها الوطنية لتحرير بلادها الجزائر من الضيم والاستبداد، ومؤمنة بقضاياها العربية والإسلامية، وكانت بعدها تلك النخبة كأرض خصبة لزرع بذور الثورة، حيث انضوت في صفوفها عند اندلاعها، وهي النخبة التي كانت على أهبة الاستعداد، حيث شاركت في الثورة التحريرية الجزائرية، كما انضمت إلى صفوف وأفواج المنخرطين والمتطوعين والذهاب إلى فلسطين لدعم الشعب الفلسطيني بعد النكبة وإعلان قيام إسرائيل على الأراضي العربية الفلسطينية سنة 1948.

لقد أعطى ابن باديس الفكر التحرري والثوري في الجزائر مفهوما جديدا لا يقتصر على العمل المسلح فقط بل هناك وسائل أخرى أشد وقعا وإيلاما على الاستعمار، وأكثر وأوسع تأثيرا وهي الوسائل التي تحرر العقول والصدور قبل الأوطان والقصور، ومن ثم فقد أثر الفكر التحرري الباديسي على الجزائر والثورة إذ أنه قطع الطريق على الاستعمار الفرنسي، وأفشل سياسة التفرقة بين أبناء الجزائر الوطن الواحد الموحد من خلال مخاطبته للشباب الجزائري في كلمة له بمدرسة الإصلاح ببجاية: أيها الإخوان الكرام، ويا أيها الأبناء البررة الأعزاء، إنني لمسرور جدا حينما أرى الشباب لافتا نظره إلى دينه ولغته ، وأمته ووطنه... يسرني كثيرا - وأيم الله- شباب الجزائر بنظرة عامة، وأعلّق عليه آمالا وطيدة في مستقبله، وأخص بالذكر شباب "تلمسان" وشباب "بجاية" هاتان العاصمتان - أيها الإخوة - أنجبتا أبناء بررة، جدير بالمستقبل أن يعتمد عليهم، لأن أخلاقهم لازالت أخلاقا إسلامية كما وُرِثت عن سلفهم الصالح، لم تشبها شائبة.40

ظلت إدارة الاحتلال تتخوف من قوة وتأثير رجال الإصلاح في الأوساط الشعبية رغم اختفاء أبرز تلك الشخصيات، لأنها كانت ترى أن العلماء هم القوة الحقيقية في المحافظة على مسار الحركة الوطنية واتجاهها الانفصالي عن فرنسا سيما وأن السلطات كانت تعلم أن ابن باديس قد ترك وراءه في خضم المعركة شخصيات ورثت الكلمة والمنهج السليم لقيادة الحركة،41 وفي هذا السياق نذكر نشاط التوعية الذي كان يقوم به رجال جمعية العلماء ومن ذلك تلقين وتحفيظ الأطفال في مدارس الجمعية وفي أفواج الكشافة الأناشيد الوطنية، وتدريبهم على فنون الحرب إعدادا لهم للثورة التي ستكون يوما، بمثل ذلك كان يقوم الشيخ الربيع بوشامة في مدينة خراطة أثناء تنصيبه في مدرسة المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، حتى برع التلاميذ في تمثيل أدوارهم وكأنهم في معارك حقيقية.42

كما نذكر هنا دور الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الإصلاحي الكبير باعتباره نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والرئيس الثاني للجمعية بعد وفاة ابن باديس من خلال نشاطاته المتنوعة والكثيرة منها النشاط الصحفي "واختياره لأصعب عمالة وهي عمالة وهران حيث كان التخلف الفكري سائدا نتيجة انتشار الزوايا الطرقية، فهي المعقل الحصين للمرابطين والطرقيين المتعاونين تعاونا مكشوفا مع الإدارة الاستعمارية"، فضلا عن دوره في الثورة بعدما ارتاب في بدايتها من إعلانه مساندته لها ليكون بعدها ممثلا لجبهة التحرير الوطني في بعض مناطق الشرق.43

كما لا ننسى دور ابن باديس في تشجيع تلاميذه على طلب العلم وتحصيله وذلك بالهجرة إلى جامع الزيتونة بتونس فتشكلت هناك نخبة طلابية جزائرية واسعة تكونت علميا ونقابيا وسياسيا مشكلة بذلك رافدا هاما من الروافد التي كانت تصب في محيط الثورة الجزائرية عند اندلاعها، خاصة أمام الجرأة التي اكتسبها هؤلاء الطلبة بتونس والتي طبعت شخصيتهم بعد السنوات التي قضوها هناك في ظل نظام الحماية الذي يختلف في طبيعته عن الاستعمار المباشر الذي وقعت تحت نيره الجزائر كما كان شأن الكثير من الطلبة الجزائريين الذين درسوا في غير تونس فعادوا إلى الجزائر بزاد علمي تُتَوجه الشهادات العلمية المحصل عليها وبزاد في التكوين الميداني من خلال النشاط النقابي الطلابي في الجامع أو في بقية البلدان العربية، فكانوا حملة للسلاح والقيادة في الثورة المسلحة بعدما كانوا حملة للواء العلم والإصلاح الذي وجههم نحوه الإمام عبد الحميد بن باديس ورفقائه في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال " عبد الحميد مهري، أحمد بوخروبة (هواري بومدين)، مفدي زكريا، عميمور محي الدين، موساوي عمر، مومن مصطفى، عنتر محمد، ولد عوالي عبد الحميد، بن فريحة عبد القادر، عباس الطاهر، شهدة محمد، بولسنان زيتوني، زعروري عبد المجيد، عمران بلقاسم، عشوري عمار، بوخاتم الطاهر، شعباني محمد، هشماوي مصطفى وغيرهم...44 كل هؤلاء منهم من حمل السلاح في ميادين القتال وارتقى في قيادة جيش التحرير الوطني، ومن هؤلاء من اهتم بشؤون جلب السلاح على غرار هواري بومدين،45 ومنهم من حمل قضية الثورة الجزائرية إلى المنتديات الدولية والإقليمية ومنهم من شكّلت مقالاته قنابل قوية جعلت من فرنسا أشلاء في ساحة الرأي العام العالمي، ومنهم من كانت كلماته نشيدا حماسيا يُلهب مشاعر الوطنية في النفوس كشعر مفدي زكريا ومحمد العيد آل خليفة أو عبر أثير الإذاعـة بتـونس والقاهرة، فضلا عن دورهم في جمع التبرعـات بتـونس وبغيرها من البــلاد العـربيــة ...وختاما دورهم في مواصلة معركة البناء، بناء الدولة الجزائرية المستقلة.

الخـــاتمة:

لكل زمان ومصر عظماءه وإننا لا نغالي إذا قلنا بأن ابن باديس كان أعظم رجال القرن الماضي (ق 20م) في الجزائر بل وكان واحد من الرجال العظماء الذين عرفتهم المعمورة في ذات الزمان، ذلك لأنه عرف الداء الذي أصاب جسد المجتمع الجزائري بعدما فحصه وتراءت له وصفته، فدخل بعدها مخبره وبدأ في إعداد الدواء رفقة أقرانه في صيدلية الإصلاح، فكان الدواء لا هو تميمة محشوة بالطلاسم، ولا عشبة برية جبلية قد تكون مُخَدِّرة مضرة، ولا هو شرابا مسكرا ولا حبوبا مهلوِسة، ولا هو كبسولات ولا حُقَنًا، إذن لم يكن دواء ماديا كيماويا، إنما هو دواء معنويا روحيا اسمه 'جمعية العلماء المسلمين الجزائريين'، مكوناته ثلاث عناصر روحية خالصة: "الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا"، مصنوع في جزائر التحدي تحت جنج ظلمات وظلم الاستعمار، لكن ما كان يراه بعض الناس الذين يستعجلون النتائج بقولهم: إنه دواء بطيء الفعّالية وبالتالي فهو غير مجد، كيف لا والمريض يتلوّى تحت أمواج الآلام العاتية المتوالية ؟ فكان الرد بـ: " إنه دواء فعّال ونتيجته الإيجابية مضمونة اليوم أو غدا أو بعد غد46 لا محالة آتية. فكان بهذا ذلك الكل نِعْم الطبيب ونِعْم الصيدلية، نِعْم الدواء ونِعْم المكونات، إنه طبيب نفساني جالس المريض بل عايش حالته وعرف علّته بدقة فحدد له الدواء الذي أراد فيسر وعجل الله به الشفاء.

وفي الأخير نتساءل على درب الدكتور أبو القاسم سعد الله بتساؤلاته التي قرعت العقول بعد أن قرعت الآذان، عند إلقائه لمحاضرة بعنوان: "التاريخ في حياتنا"، بالمركز الوطني للدراسات التاريخية في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م الكائن مقره بالأبيار - الجزائر العاصمة - وذلك يوم 13 أفريل 2008: "ما الفائدة من دراسة شخصية الأمير عبد القادر والحديث عن كفاحه وعن دولته ولا نعمل بمناقبه ولا نتبنى مشروعه الحضاري؟ ما الفائدة من الاحتفال بذكرى وفاة العلامة ابن باديس قائد النهضة الفكرية الثقافية والإصلاحية في الجزائر في أعسر فترات تاريخها المعاصر ولا نلتزم بمنهجه وأفكاره في العمل والإصلاح؟ لماذا نحيي ذكرى وفاته؟ ولماذا تحوّل يوم وفاته إلى يوم العلم؟ ما هو العلم الذي ندعوا إليه في هذه المناسبة؟ ثم من هو ابن باديس؟ أليس هو رمزا لحركة إصلاح ديني واجتماعي شامل؟ أليس هو صاحب مشروع حضاري لإحياء هوية القطر التي تآمر عليها المحتل؟ أين كل ذلك في أدبياتنا وفي حياتنا اليومية وفي مواقف وثقافة قادتنا؟ إن ابن باديس أصبح عند هؤلاء مجرد اسم كبقية الأسماء..."، وإنه ليس من المبالغة إن كنا على ما قاله الأستاذ عبد الحميد عبدوس بأن:" ابن باديس شكّل نموذجا ناجحا للمفكر الجامع بين الأصالة والمعاصرة".

لقد كان الفكر الثوري الباديسي ثورة ضد فرنسا الاستعمار، وضد الجهل وضد الصوفية المنحرفة عن المقاصد السامية للدين الإسلامي التي سنّها الله لخدمة الأوطان والشعوب لا للاستسلام والانحراف، ثورة ضد من عادى اللغات الأجنبية وتطوُّر التقنية، ثورة ضد من احتقر المرأة وأراد حرمانها من نور العلم ومن دورها الطبيعي في مشاركة الرجل بناء الوطن وتربية أبنائه، ثورة ضد المتعصبين والعنصريين، فكان بهذا ابن باديس رمزا للفكر الثوري والتحرري الحقيقي، ولا غرابة في هذا الدور الباديسي الهام والمؤثر في تاريخ الجزائر، فهو ابن سنة 1889 السنة التي عرفت ولادة مجموعة من العظماء تركوا بصماتهم في سجل التاريخ بشتى الأشكال والأوجه.

رحم الله فقيد الإسلام، فقيد العروبة، فقيد الإصلاح في الجزائر، فقيد الوطنية الخالصة الناصعة، فقيد الوحدة بكل أبعادها، فقيد الإنسانية الصادقة.


 

الهوامش:

[1] - حسن عبد الرحمن سلوادي، عبد الحميد ابن باديس مفسرا، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1988، ص 8.

2 - للإطلاع على تفاصيل دقيقة وواسعة حول حياة الشيخ عبد الحميد بن باديس أحيل القارئ على المصادر التالية: - أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985. - عمار الطالبي، ابن باديس: حياته وآثاره، ج2، دار الغرب الإسلامي، ط2، لبنان، 1983. - رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس فلسفته وجهوده في التربية والتعليم 1900- 1940، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، بدون تاريخ.

3 - ابن باديس، التقرير الأدبي، انظر سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المطبعة الجزائرية الإسلامية، قسنطينة- لجزائر، دون تاريخ، ص76.

4 - من المعروف أن أسرة الإمام عبد الحميد بن باديس كانت لها مكانة وسمعة كبيرتين في مدينة قسنطينة، كما كان هو نفسه "عبد الحميد" يمتلك مطبعة (المطبعة الجزائرية الإسلامية)، وجريدتي المنتقد والشهاب.

5 - عمار الطالبي، ابن باديس ...، ص19.

6 - أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985، ص123.

7 - "الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور والصلات العلمية بين تونس والجزائر" ملتقى حول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، تونس 1985. أنظر أيضا: "اقتبال المجلة الزيتونية للشيخ عبد الحميد بن باديس" المجلة الزيتونية، المجلد 01، الجزء 05، ص 262. عن محمد العزيز بن عاشور، جامع الزيتونة: المعلم ورجاله، المطابع الموحدة، تونس، 1991، ص 133.

8- عمار الطالبي، نفس المصدر، ص88.

9- محمد بهي الدين سالم، ابن باديس فارس الإصلاح والتنوير، دار الشروق، مصر، 1999، ص 59.

10 - علي جغاب، انظر: ابن باديس، نشرية جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين بمناسبة الذكرى الخامسة عشر لوفاة الشيخ، تونس، 1955،ص 12.

11 - علي البلهوان، نشرية جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، مصدر سابق، ص 46.

12- عمار الطالبي، ابن باديس ...، مصدر سابق، ص28.

13 - رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس ...، مصدر سابق، ص 261.

14- أبو القاسم سعد الله، منطلقات فكرية، المطبعة العربية بن عروس، تونس، 1982، ص80.

15- محمد الهادي الحسني، انظر: محمد دراجي، ابن باديس في عيون معاصريه، مؤسسة عالم الأفكار للنشر والتوزيع، ط1، الجزائر، 2008، ص149.

16- محمد الهادي الحسني: نفسه المرجع، ص149.

17- نفسه، ص 150.

18- الشهاب، ديسمبر 1932، انظر: محمد دراجي، مصدر سابق، ص 151.

19- رابح تركي، مصدرسابق، ص - ص 250- 281.

20 - نفس المصدر، ص 231.

21- حسن عبد الرحمن سلوادي، نفس المرجع، ص 24.

22- علي جغاب، نشرية جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، مصدر سابق، ص 7.

23- محمد الميلي، ابن باديس وعروبة الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط 2، الجزائر،1980، ص172.

24- عبد الله شريّط،الشيخ باديس والتضحية النفسية، نشرية جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، مصدر سابق، ص 42.

25- جوان غيلسبي، الجزائر الثائرة، تعريب خيري حماد، انظر: بسام العسلي، عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية، دار النفائس، لبنان، 2010، ص12، 13.

26- محمد الحسن فضلاء، الشذرات من مواقف الإمام عبد الحميد بن باديس، دار هومة، الجزائر، 2010، ص102.

27- الشهاب، الجزء 12، المجلد 13، فبراير 1938 عن محمد الحسن فضلاء، الشذرات من مواقف الإمام، نفس المرجع، ص 102، 103.

28 - محمد الميلي، نفس المرجع، ص172 .

29- علي جغاب، ابن باديس، نشرية جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، ص 13.

30 - بسام العسلي، ابن باديس...، مرجع سابق، ص 101.

31- الشهاب، 10 أكتوبر 1934، عن أحمد الخطيب، مصدر سابق.

32- محمد ابراهيمي، ابن باديس ووحدة الشعوب العربية، انظر: جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين، الثمرة الثانية "نشرة سنوية للجمعية 1937 - 1938، مطبعة التليلي، تونس، دون تاريخ، ص 75، 76.

33- بسام العسلي، نفس المرجع، ص 100.

34- جريدة البصائر، العدد 120، 01 يوليو 1838، عن محمد الحسن فضلاء: الشذرات....، مرجع سابق، ص86.

35- صالح خرفي، الجزائر والأصالة الثورية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر،1977، ص 139.

36- عبد الكريم بوالصفصاف: صدى وفاة ابن باديس في التقارير الفرنسية والصحافة الأهلية عام 1940، مجلة الأصالة، العدد: 68/69، شهرية تصدرها وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1979، ص 51.

37- نفس المرجع.

38- أحمد بن نعمان، الحصانة الدينية للشخصية الجزائرية، مجلة الأصالة، العدد: 85 / 86، شهرية تصدرها وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1980، ص74.

39- أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين...، مصدر سابق، ص 93.

40- البصائر، العدد120، (22 أفريل 1938)، انظر محمد الحسن فضلاء، الشذرات...، مصدر سابق، ص 91.

41- عبد الكريم بو الصفصاف، مرجع سابق، ص 54.

42- لقاء شخصي مع السيد حسين بن نبي وهو أحد تلامذة الربيع بوشامة بمدينة خراطة، إذ يذكر كيف كان معلمهم يأخذهم في نزهة إلى خارج المدينة وبعيدا عن أعين السلطات الفرنسية أين يقوم بتقسيم التلاميذ إلى فوجين ويطلب منهم الاختفاء بين الأشجار والدخول في معركة سلاحهم فيها بنادق ( أغصان الأشجار)، ويذكر أن زميله البشير بومعزة كان ذكيا وسريعا وحماسيا وكثيرا ما كان هو من يقود فوجه إلى النصر في تلك المعارك الافتراضية.

43- أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين...، مصدر سابق، ص ص 151، 156.

44- مصطفى هشماوي، "مشاركة طلبة التعليم الحر في الثورة التحريرية : معهد عبد الحميد بن باديس نموذجا"، محاضرة ألقيت بالمجلس الإسلامي الأعلى بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسين ليوم الطالب من تنظيم المجلس بالجزائر العاصمة بتاريخ 27 ماي 2007، القائمة طويلة تضم أكثر من 120 طالبا فقط ممن تَذَكّرَهم المحاضر.

45- يذكر السيد مصطفى هشماوي في هذا الصدد بأن يخت الملكة دينا الذي كان محملا بالذخيرة والذي انطلق من ميناء الإسكندرية بمصر يوم 24 مارس 1955 نحو شواطئ الناظور بالمغرب الأقصى وعلى ظهره الطلبة: هواري بومدين، عبد العزيز مشري، مجاري علي، محمد الصالح عرفاوي، عبد الرحمان محمد وأحمد شنوت.

46- المقصود باليوم الثلاثينيات وبالغد الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي (20)، وببعد الغد ما بعد الاستقلال.

آخر التغريدات: