جمعية العلماء المسلمين الجزائريين… والثورة التحريرية الكبرى: حقائق تاريخية 2/2

بقلم: حسن خليفة-

وأما المؤرخ الجزائري الكبير العلامة أبو القاسم سعد الله -رحمة الله عليه- ففي كثير من كتاباته، وخاصة كتابه الموسوم بـ«في قلب المعركة« الذي طبعته دار الأمة وأعيدت طباعته، يقول مظهرا وتطاول بعض الحزبيين من الذين كانوا يشيعون ما أشرنا إليه في بداية هذه السطور بخصوص موقف الجمعية من الثورة، فيقول المؤرخ الكبير رحمه الله: »والواقع أن هؤلاء الحزبيين هم الذين ستفاجئهم الوثائق التي تضمنتها مجموعة الشيخ الإبراهيمي اليوم، لأنهم لم يكونوا منصفين عندما لم يقرؤوا تاريخ الثورة في كل منعطفاته، أو عندما حصروا الثورة في حزب أو جماعة، ولعلهم كانوا يظنون أن التاريخ لن يبوح بوثائق الإبراهيمي وأمثاله، ولن يكشف عن آراء ومواقف جزائريين آخرين لا يقلون إيمانا بالثورة (ولا نقول يتفوقون) عن الذين أصبحوا أنهم معروفون بأنهم صانعوها. ولعل من سلبيات الكتابة عن الثورة حتى الآن عدم تحديد معانيها ومدلولاتها: فهل الثورة هي حمل السلاح فقط؟ وإن كان أمر كذلك فإن هناك العديد من الثوريين الذين لم يحملوا السلاح وإنما كانوا اللسان الناطق باسم الذين حملوه، ولولاهم لبقي الثوار في حصار مادي وسياسي ومعنوي قاتل« (في قلب المعركة لسعد الله ص4)، ويضيف الدكتور سعد الله كلاما موثقا، يثبت أن الجمعية كان لها الدور الكبير في نصرة الثورة والدعوة إليها والدعاية لها، فيقول: »ويبدو لنا أن الشيخ الإبراهيمي كزعيم وطني كان الوحيد الذي لم ينحرف عن الخط الذي رسمته الجمعية... فقد واصل الإبراهيمي الدفاع عن الجمعية وعن حق الشعب الجزائري في التمتع بشخصيته السياسية والحضارية خارج البوتقة الاستعمارية الفرنسية. وقد وقف -الإبراهيمي- مع المبدأ سواء في الجزائر أو خارج الجزائر، وعندما أعلن الشعب ثورته كان الشيخ الإبراهيمي أول من احتضنها من الزعماء (نقصد بالخصوص مصالي وعباس) رغم أنه كان في المشرق بعيدا عن الوطن. (السابق ص 6) وتكشف الوثائق أن الإعلان عن ذلك الاحتضان والدعوة إلى الالتحام بالثورة كان منذ اليوم الأيام الأولى للثورة في شهر نوفمبر.

عندما اندلعت الثورة الجزائرية المباركة لم يتحدث أي حزب أو هيئة أو جمعية أو شخصية ينتسب إلى منظمة جزائرية، بل سكت الكل وبقي يراقب الأحداث، ما عدا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي بادرت في الحين وفي اللحظة التاريخية المناسبة تأييد الثورة ومساندتها ومطالبة الشعب الجزائري بنصرتها ودعمها للانضمام إليها. وإن من يستقرئ الوثائق والوقائع التاريخية يجد ذلك أن أول من بادر إلى ذلك هو مندوب جمعية العلماء في القاهرة الشيخ الفضيل الورتلاني، وذلك يوم 3 نوفمبر 1954؛ حيث صدر بيان في الصحف المصرية وغيرها بعنوان «إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر: اليوم حياة أو موت بقاء أو فناء»..جاء فيه: «حياكم الله أيها الثائرون الأبطال وبارك في جهادكم وأمدكم بنصره وتوفيقه. وكتب ميتكم في الشهداء الأبرار وحيكم في عباده الأحرار. لقد أثبتم بثورتكم المقدسة هذه عدة حقائق: الأولى أنكم سفهتم دعوى فرنسا المفترية التي تزعم أن الجزائر راضية مطمئنة فأريتموها أن الرضى بالاستعمار كفر، وأن الاطمئنان لحكمه ذل، وأن الثورة على ظلمها فرض. الثانية: أنكم شددتم عضد إخوانكم المجاهدين في تونس ومراكش، وقويتم آمالهم في النصر وثبتم عزائمهم في النضال (الجزائر الثائرة، للورتلاني، دار الهدى ص19)..

بيان الإبراهيمي والورتلاني

من الدلائل الساطعة والبراهين القطعية القاطعة في الانخراط الكلي في الثورة على المستعمر ذلك البيان ـ النداء ـ الذي جاء بعد 15 يوما فقط من انطلاق الثورة أي يوم 15 نوفمبر 1954؛ حيث أصدرت الجمعية بيانا بعنوان: «نداء للشعب الجزائري المجاهد» جاء فيه: «نعيذكم بالله أن تتراجعوا، حياكم الله وأحياكم وأحيا بكم الجزائر، وجعل منكم نورا يمشي بين ويديها ومن خلفها. هذا هو الصوت الذي يسمع الآذان الصم، وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة، وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة، وهذا هو المنطق الذي يقوم القلوب الغلف، وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب والأوهام».

ويمكن أن يتلمس فيه القارئ العذوبة والقوة في التركيب والأسلوب؛ فهو من أسلوب الإبراهيمي -رحمه الله- وجاء فيه أيضا: اذكروا غدر الاستعمار ومماطلته..إنكم مع فرنسا في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت، إنكم قد كتبتم البسملة بالدماء في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملؤوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ وهي ارث العروبة والإسلام فيكم. (كان هذا البيان صادرا عن مكتب الجمعية في القاهرة ممضيا من الإبراهيمي والورتلاني).

ومن الوثائق المهمة لكن لا يعرفها كثيرون، وهي ذات أهمية ل أنها وثيقة جماعية معبرة عن إرادة هيئة كبيرة في عددها وفي عملها وهي هيئة المعلمين والمعلمات الأحرار الذين واللائي يدرسون ويعلمون في مدارس الجمعية ومحاضنها التربوية المختلفة في العديد من مناطق الوطن. إن هذا البيان يكشف عن انخراط جماعي في مسار الثورة، وفي إطار إيماني أنهم بما يجعل عملهم هذا عملا مسؤولا؛ خاصة وأنهم كتبوا أسماءهم وأسماءهن في ختام البيان، كما أن هذا البيان نشر في صحيفة البصائر لسان حال الجمعية وفي صفحتها الأولى حول موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من ثورة نوفمبر 1954» (دار هومة للنشر1995..) إن تأييد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لثورة أول نوفمبر لم يكن في الخارج فقط، بل أيدت الجمعية الثورة ودعت الشعب الجزائري لتأييدها، بالضبط كان التأييد والدعم في مدينة قسنطينة وكان ذلك يوم 3 مارس 1955.

فالمعلون الأحرار التابعون للجمعية أصدروا بيانا من داخل الجزائر الثائرة على الاستعمار بعنوان نداء إلى الشعب الجزائري نشر في جريدة البصائر لسان حال الجمعية في صفحتها الأولى بتاريخ 11 مارس 1955 أي بعد اندلاع الثورة التحريرية الكبرى بأربعة أشهر وثلاثة أيام وكان ذلك في ظروف غاية في الصعوبة وقد أمضى على البيان عدد من المعلمين الأبطال ومما جاء فيه ـ النداء ـ ومن المهم أن نثبت مقاطع مهمة هنا تعريفا وتسجيلا، لعل الدارسين والباحثين يهتمون به على نحو يجعلهم يهتدون، بعد التحليل والمراجعة والمدارسة إلى بعض ما هو غائب في وقائع التاريخ الدالة على نفسية الجزائري إزاء الاستدمار الفرنسي الرهيب، فقد حمل النداء الكثير من المحمولات الهامة التي تحتاج إلى وقفات وتأمل. لقد جاء في البيان

البيان التاريخي لمعلمي ومعلمات الجمعية

نأتي الآن إلى البيان والذي أشرنا إلى أكثرية منا لا تعرفه ولم تطلع عليه، ونورده ـفي واقع الأمر- كوثيقة ذات أهمية، كما أشرنا، من حيث كونه ممضيا من أعداد كبيرة من الجزائريين وهم مجموع معلمي التعليم الحر (معلمي ومعلمات الجمعية). ويحمل الكثير من الدلالات ذات الأهمية الاستثنائية في تحديد المسؤوليات، وبيان ما كان عليه ذلك الرعيل من الوعي والمسؤولية والاهتمام بشأن الوطن. لقد جاء البيان في شكل نداء.. مخاطبا الشعب الجزائري، ومن المهم أن نثبته هنا:...

«أيها الشعب الجزائري: إن التاريخ قد برهن أن الاستعمار كارثة منيت بها الشعوب وعار تلطخت به جبهة الإنسانية، فمنذ عرفت الاستعمار الفرنسي أنفاسك، ببلادك عرفت الظلم والجبروت والخنق لأنفاسك، ولقيت الويلات والأهوال، فلقد انتزع منك أراضيك الخصبة بالقوة حينا، والحيلة حينا آخر، وغصب منك دينك فحول مساجدك التي هي بيوت الله إلى متاحف ومستشفيات وإدارات وكنائس. وحرمك من الاستفادة ّ والاعتزاز بلغتك في جميع الميادين، واعتبرها -اللغةـ أجنبية، رغم أنها لغة قرآنك ونبيك وأجدادك منذ قرون وقرون.

إنك منذ ابتليت بالاستعمار عرفته يعمل على إهانتك وتحطيم مقومات وجودك بكل ما أوتي من مكر وقوة.

أيها الشعب الجزائري

الاستعمار قد ظلمك وحرمك كما ظلم وحرم كل الأمم التي عانت منه وابتليت به . لقد حرمك حتى من حق الانتساب إلى وطنك، كما ينتسب سائر الناس إلى أوطانهم، فما معنى كلمة «فرنسي مسلم» التي تحملها بطاقة تعريفك. أيها الجزائري المظلوم؟ معناها في نظر الاستعمار أنك لست لنفسك ولا لبلادك وإنما أنت للمستعمر الفرنسي ينسبك لنفسه ليتصرف فيك كما يتصرف السيد في عبده. فلأجل ذلك نراه كلما همست بطلب حقوقك المشروعة التي يتمتع بها كل الأحرار في الدنيا، انقض عليك كما ينقض الحيوان المفترس الجائع على ضحيته، ولأجل هذا الاعتبار فتك بك بالأمس، ويفتك بك اليوم، من أوراس إلى جرجرة ومن مغنية إلى تبسه.

إنك منذ فاتح نوفمبر الماضي وأنت تعيش في مأتم رهيب، فالهيئات تحل، والجرائد تحجز وتعطل، والدماء البريئة تسفك، والحرمات تنتهك، وخدور الحرائر تستباح، والأطفال يتيتمون، والأموال تضيع وتبدد، والسجون غدت كجهنم كلما ألقي فيها فوج سألهم جلادوها هل من مزيد..؟. يفعل بك الاستعمار هذا كله بحجة أن عصابة خرجت عن القانون واعتصمت بالجبال للإجرام والاغتيال، وتعامى عن إدراك حقيقة الأزمة كما هي، وتعالى عن أن يسمي أولئك الثوار بأسمائهم فيقول في نفسه إنهم ضحايا ظلمي وعدواني وثمرات سلوكي الأثيم، ونتيجة تصامي (من الصمم) عن صوت الحق، فإن الضغط يولد الانفجار وإن اليأس ليدفع صاحبه إلى النحر والانتحار، يرتكب الاستعمار كل هذه الجرائر قصد أن يحول دون الأمة وحريتها وتقرير مصيرها بنفسها.

أيها الشعب الجزائري

إنك شعب كسائر الشعوب الكريمة لك من تاريخك وحضارتك بالأمس، ولك من وعيك ونضجك اليوم ما يخول لك أن تعمل على نيل حريتك وكرامتك، مثل ما تعمل الأمم والشعوب، وانك لست كما تذيع أبواق الاستعمار شعبا مندمجا في غيره...لا جنسية له ولا قومية. إنك لست فرنسا ولا تريد أن تكون فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أردت. ولا تريد أن تندمج في غيرك لما لديك من مقومات أساسية من لغة ودين وحضارة وثقافة. كما نشر ذلك أبو النهضة الجزائرية قائدنا المرحوم الإمام عبد الحميد بن باديس في مجلة الشهاب سنة .1937

أيها الشعب الجزائري

إن معلمي العربية الأحرار ليؤمنون بشرعية دفاعك على حقك، كما يؤمنون بالجزائر نفسها. وإن الجزائر كلها في ظلم وقهر وعسف، كما نشهد بذلك هذه الاحتجاجات الاستنكارية التي ترتفع كل يوم من نواحي الجزائر كلها. فعليكم أيها المسؤولون الجزائريون أن تتحدوا وتتعاونوا على معالجة هذه الحالة الخطيرة، دون التفات للحزازات الحزبية والاعتبارات الشخصية. ولقد دقت ساعة الذوبان في الجزائر الموحدة العاملة على نيل حريتها وكرامتها. ولنحذر كل الحذر من غلطات الماضي، ولينتبه المتكلمون باسم الأمة من نواب وهيئات وشخصيات إلى خطورة الحالة؛ حتى لا يستهينوا بها أو يتساهلوا في التعبير عن أماني الشعب الشرعية ورغباته الحقيقية الصادقة. إلى العمل الجدي الحاسم أيها المسؤولون في نظر الشعب..فإن الحق رائدكم، والضمائر الحرة مؤيدة لكم، والله ناصركم. إلى تنظيم اتحاد وطني يتألف من الشعب ويسانده الشعب ويعمل لخير الشعب (إمضاء المعلمون والمعلمات أحرار: نيابة عن أكثر من 300 معلم ومعلمة في سلك التعليم لحر بالقطر الجزائري). وكان من الذين أمضوا هذا النداء وسجلوا أسماءهم في صحائف التاريخ المجيد الأساتذة:

أحمد رضا حوحو ـ محمد العدوي ـ محمد الزاهي ـ أحمد بوشمال ـ صالح بوذراع ـ عبد المجيد عبد الحق ـ السعيد الزموشي ـ العباس بن الشيخ الحسين ـ عبد الرحمن شيبان ـ أحمد حسين ـ إبراهيم مزهودي ـ أحمد حماني ـ الصادق حماني ـ محمد ابراهيمي ـ محمد كحلوش ـ مصطفى بوغابة ـ الطاهر سعدي ـ على الساسي ـ نعيم النعيمي ـ أحمد زوزو ـ عبد العزيز قروف ـ محمد الحفناوي ـ صالح ميمش ـ الصادق عبد الوهاب ـ عبد اللطيف عشيى ـ محمد الغسيري ـ أحمد الغوالمي ـ محمد الطاهر مزيان ـ سليمان الصيد ـ عبد الحفيظ الجنان ـ احمد الجموعي ـ عربية حورية ـ.

ونختم بهذه الرسالة المعبرة التي أوردها المؤرخ الكاتب أحمد توفيق المدني (حياة كفاح ـ والكاتب الكبير الجزء الثالث).

فمن المواقف المهمة ما ذكره الشيخ المؤرخ توفيق المدني -رحمه الله - في رسالة له إلى الإبراهيمي جاء فيها: » أما وقد انضممنا نحن للثورة بقضنا وقضيضنا وسارت مواكب من شبابنا وشيوخنا تتصدر المعركة أو تتوسطها، فنرجوك أستاذي الجليل أن تفجر من الأمة ينبوع فكرك الصافي موردا عذبا يشفي غلة الأمة الصادية، وأن تنشر باسمك وصفتك رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منشورا عاما يبارك الثورة ويمجدها، ويدعو الأمة للمشاركة فيها روحا وبدنا ومالا، فالساعة حاسمة والمسؤولية جسيمة، ومن تأخر عن كفاح اليوم فلن يتقدم بعدها لكفاح إطلاقا».

هذا قليل من كثير أردنا تسليط بعض الضوء من خلاله على ملحمة الثورة التحريرية والتي كانت في الأصل دفاعا عن الدين والعرض والشرف والمبادئ القيم، كما أردنا أثبات انخراط حضاري ديني ـ إيماني كامل منذ البدايات بالإعداد الهادئ بالعلم ّ والقيم، والتثقيف والتوعية وصناعة أجيال مستقلة في فكرها وفي رؤيتها محافظة على هويتها وتميزها...وصولا إلى الجهاد الواعي ضد عدو جاء ليبقى ويستولي ويتسلط مستخدما كل الوسائل التي حرمتها الشرائع والقوانين، وقد خاب وخسر..وسيخيب ويخسر كل طامع من أعوانه ومن يرون رأيه ويعتنقون فكره ونمط عيشه.

من المفيد التأكيد على استفادتنا الكبيرة من مؤلف على صغر حجمه فهو مفيد وربما هو فريد في بابه وهو كتيب« رد شبهات حول موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من ثورة أول نوفمبر 1954.» للكاتب والمؤرخ والمحامي الشيخ سليمان الصيد -رحمه الله-.

ملاحظة: هناك الكثير من المراجع التي اهتمت بهذا الأمر يحسن مراجعتها للإطلاع على الإسهام الرائع للجمعية في الإعداد للثورة والمشاركة فيها تأطيرا وجهادا واستشهادا.

آخر التغريدات: