شاهد على ميلاد الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء في الأوراس محمد الصالح رمضان رابع شخصية أوراسية أنجبتها قرية القنطرة بوابة الصحراء

بقلم: سعدي بزيان-

شاءت الظروف أن أتعرف على أربع شخصيات من رجال الحركة الإصلاحية في الأوراس الذين أنجبتهم مدينة القنطرة بوابة الصحراء.

كان الشيخ عبد اللطيف سلطاني وأخوه الأمين سلطاني ثالث شخصية إصلاحية أدرس عليها في معهد بن باديس سنة 1950 وكما درست كذلك على الشيخ أحمد بن ذياب الأديب اللامع صاحب مسرحية: “إمرأة الأب” التي أذاعتها محطة الجزائر في العهد الاستعماري في حلقات كما تولت مجلة “هنا الجزائر إعادة نشرها” وقد تعرض المرحوم أحمد بن ذياب 1914-2009 لنقد من طرف جمعية العلماء التي لم تبد ارتياحها لتعاون أحد رجالاتها مع وسائل الإعلام الاستعمارية وخاصة والجزائر في قمة حربها التحريرية ضد فرنسا في حين كان يرى ذلك أمرا عاديا لأن ما ينشره هو مجرد إبداعات أدبية لا تمت بصلة إلى أفكار سياسية تمس بالثورة الجزائرية من قريب ولا من بعيد وبعد الاستقلال أبدى شيخنا نشاطا ملحوظا وظهرت له مقالات في الأدب والتراث في عدة صحف ومجلات وكان أبرز كتاب له رحمه الله: “صحائف من التراث” ومع الأسف الشديد لم يجمع مقالاته ودراساته التي تشكل مساهمة قيمة في الأدب الجزائري في كتاب يستفيد منه الدارسون للحياة الأدبية في الجزائر ولا أجني على أحد إذا قلت أن أحمد بن ذياب القنطري الأوراسي وهو من شخصيات جمعية العلماء ومن أنشط عناصرها لا يفوقه سوى ابن بلده الشيخ محمد الصالح رمضان 1914،

الذي درس على رائد النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس ومن ساعديه الأقربين يتصدرهم الشيخ محمد الغسيري والشيخ عمر دردور والفضيل الورتيلاني، وقد عينه بن باديس معلما في مدرسة التربية والتعليم إلى جانب زميله الشيخ محمد الغسيري 1915-1974 واصطفاه الشيخ البشير الإبراهيمي وعينه خلفا له مديرا لمدرسة دار الحديث بتلمسان وهي أم مدارس جمعية العلماء.

حقا إن الشيخ محمد الصالح رمضان الأوراسي القنطري لم يتول التدريس في مدارس الأوراس ولا في مدارس عاصمة الأوراس باتنة. ولكنه نفحة من نفحات الأوراس وواحد من أبرز الشخصيات الأوراسية في مجال الإصلاح ويتجلى ذلك في أعماله الأدبية والثقافية والتربوية التي تصب كلها في خدمة الإصلاح والمصلحين، فإن كان محمد الصالح رمضان لم يتول التدريس في مدارس جمعية العلماء في الأوراس ولا في عاصمة الأوراس إلا أنه أوراسي المنشأ وقد ساهم هو والشيخ عمر دردور في إنشاء المعاهد الإسلامية في الأوراس وأعد عدة كتب في التربية والتعليم كانت زادا معرفيا لطلبة الأوراس وطلبة الجزائريين عموما، وقد كان مسكونا بحب التربية والتعليم فأبدع في ذلك أيما إبداع وله السبق في إحياء التراث الباديسي وهو خير العارفين به وقد استطاع أن يحتفظ بكتاب العقيدة الإسلامية من إملاء الشيخ عبد الحميد بن باديس ونشره وحققه وبمقدمة للشيخ الإبراهيمي الذي اصطفاه من بين رجالات جمعية العلماء فعينه على رأس مدرسة دار الحديث بتلمسان أم مدارس جمعية العلماء بالإضافة إلى منصب مفتش مدارس منطقة تلمسان ومحمد الصالح المولود في القنطرة 1914، من الذين طالت أعمارهم، وحسنت أعمالهم درس المبادئ الأولى في التعليم في قريته  بمدرسة حرة كما درس في مدارسة فرنسية حرمه مديرها من المشاركة في امتحان الشهادة الابتدائية مما جعله يكره الفرنسية والفرنسيين ويبدع في اللسان العربي ويدرس على بن باديس الذي عينه في مدرسة التربية والتعليم الإسلامية التي أسسها بن باديس بقسنطينة وسبق أن عينه الإبراهيمي مديرا لمدرسة غيلزان بعد وفاة بن باديس، ويتضح جليا أن الشيخ محمد الصالح رمضان كان يحظى بتقدير خاص من الشيخين بن باديس، والإبراهيمي معا وذلك تقديرا لنشاطه، وحيويته باعتراف زملائه من مشايخ جمعية العلماء، رغم أنه لا يملك شهادات علمية لا من الزيتونة ولا من الأزهر ولا غرابة في ذلك إذن إذا عينه الإبراهيمي سنة 1946 مديرا لمدرسة دار الحديث كما ذكرت ذلك سابقا، وقد ظل وفيا لجمعية العلماء ومبادرئها ولم ينس محمد الصالح رمضان أن يشيد بأهل قريته القنطرة وهي كما يقول من أوائل المعتنقين لفكرة جمعية العلماء من يوم بروزها في 5مايو 1931 حتى التحقت بابن باديس ولازمته ست سنوات كاملة لا أكاد أفارقه إلا في بعض أسفاره، وصفه صديقه محمد الغسيري في وقته بقوله: “شاب متواضع يأنف كل الأنفة من مظاهر الأبهة والغرور ولا يلاحظ عليه إلا إسرافه في هذا المعنى حى يخال أنه شيخ معمر بلغ من الكبر عتيا .

من جهاده في تربية وتعليم أبناء الجزائر إلى الالتحاق بثورة نوفمبر 1954.

لم يتأخر عن واجبه الوطني فقد انخرط في قسمة  القبة حيث يسكن وقام بهجمات سرية كلف بها من طرف قادة الثورة وفي الاستقلال عين مديرا للتعليم الديني في وزارة الشؤون الدينية كما شغل منصب عضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير، أذكر أننا حضرنا معا مؤتمر الاتحاد الكتاب الجزائري في سطيف وفاجأني بأنه اشترى كل كتبي كما أنني قرأت كل كتبه تقريبا، رحم الله الشيخ محمد الصالح رمضان وعوض الله الجزائر كثيرا من أمثاله.

محمد الصالح رمضان وكيف استقبل الفرقة المصرية للمسرح بقيادة عميد المسرح العربي يوسف وهبي وذلك سنة 1950 وألقى خطابا قيما رحب فيه بضيف الجزائر يوسف وهبي كما قدم أمامه لمحة عن النهضة الأدبية واللغوية في الجزائر وقال “إن هذه النهضة هي من ثمار الشيخ عبد الحميد بن باديس قدس الله ثراه ومن ثمار خليفته أيضا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وقال إن جمعية العلماء هي الهيئة الوحيدة التي بعثت اللغة العربية من مرقدها، وأسست لها المعاقل والحصون لإحيائها وإثباتها، وخير دليل على ذلك هذه المدرسة التي نحن فيها ويعني “دار الحديث بتلمسان” كما ارتجل عميد المسرح العربي ورئيس الفرقة خطابا حيث تحدث عن الإصلاح ومحمد عبده في مصر وقال: إننا فقدنا عبده في الشرق ووجدنا الشيخ البشير الإبراهيمي هو محمد عبده في الجزائر ولم أصادف أبدا في جولاتي الكثيرة في بلاد العرب شخصية أثرت فـيَّّ وجعلتني أؤمن بالعروبة مثل هذا الرجل العظيم فهو رجل يصلح أن يعلم في مصر ويعلم كل من يعلم في مصر.

ويضيف يوسف وهبي ضيف “دار الحديث” في كلامه مشيدا بدور جمعية العلماء ورجلها الشيخ البشير الإبراهيمي قائلا: “إنني لسعيد عندما أذهب إلى بلدة وأجدها عامرة بدار من دورها، أي دور جمعية العلماء، ودور هذا الرجل العظيم الأستاذ المحترم الشيخ الإبراهيمي وإني لأرجو مخلصا أن ينقص الله من عمري ويمد في عمره، وفاض عميد المسرح العربي يوسف وهبى في التنويه بجمعية العلماء والشعب الجزائري قائلا: “إذا كنا نحن مصريين فأنتم مصريون قبلنا، وإذا كنتم انتم جزائريين فنحن جزائريون قبلكم، ولا توجد كلمة أخرى إلا كلمة العروبة وارتجل مدير دار الحديث قصيدة طويلة نقتبس منها بعض الأبيات:

تلمسان تاهت بالفخار وخلدت

على صفحات الجيل أعظم موسم

ألم يبصروا كيف ازدهرت بنضارتها

رباها وكيف استقبلت بالتبسم…إلخ

وعندما زار يوسف وهبي معهد بن باديس بقسنطينة ألقى كلمة جاء فيها باختصار: “إنني اعتبر زيارتي إلى ربوعكم الجميلة العالية حجا مفروضا مقدسا، لأنكم شعب كريم نبيل من جهة، ولأن العروبة لازالت جارية في عروقكم وعلى ألسنتكم، من جهة أخرى وإن هذه القرون التي مضت عليكم، لم تزد عروبتكم إلا قوة وصفاء، وسنعود إلى مصر قريبا فنخبر المصريين أن الأمة الجزائرية أمة متمسكة بتقاليدها وأن شعبها راق عظيم الإيمان بنفسه، شديد التمسك بدينه، وعروبته.

حضور محمد الصالح رمضان بقوة في التأليف والإبداع

يعتبر الشيخ محمد الصالح رمضان من أكثر رجال جمعية العلماء تأليفا وكتابة فله مساهمات في هذا المجال قيمة حيث نشر عشرات المقالات في الصحف والمجلات الجزائرية والعربية وله إسهام كبير في التأليف وهو أول من بادر بإحياء تراث الشيخ بن باديس رحمه الله، حيث بدأ بنشر كتاب: “العقائد الإسلامية” تحقيق وتعليق وشرح محمد الصالح رمضان والكتاب من إملاء بن باديس على تلامذته.

ومن إنتاجه مسرحية : “الناشئة المهاجرة”، ألحان الفتوة، شعر، صدر في عدة طبعات في كل من القاهرة وبيروت والجزائر.
“جغرافيا الجزائر والعالم العربي”، طبعتان في الجزائر، “النصوص الأدبية للمعاهد الإسلامية”، 4 أجزاء مع توفيق شاهين كان أستاذ في الجزائر. “شهيد الكلمة أحمد رضا حوحو، منشورات الثقافة، “الإمام الشيخ بن باديس بالاشتراك مع د-عبد القادر فضيل –دار الأمة 1998.
وصدر عنه شخصيا كتاب قيم بعنوان :”محمد الصالح رمضان” في نظر زمرة من أصدقائه ومعارفه، والدارسين لأعماله، والباحثين في إنتاجه،
محمد الصالح رمضان تلميذ بن باديس ومساعده، وكيف يرى جمعية العلماء ولماذا التحق بها وسار على دربها؟ الجواب: “كانت جمعية العلماء ملء السمع والبصر في قريتي التي نشأت فيها “القنطرة” بوابة الصحراء” وكانت عائلتي وعلى رأسها جدي لأبي، وهو رئيس: “جمعية الهدى ومدرستها” بالقنطرة من العائلات الإصلاحية المشهورة بالبلدة، وهكذا فتحت سمعي وبصري من الصغر على الحركة الإصلاحية السلفية التي تقودها “جمعية العلماء”1 وللحقيقة والتاريخ أذكر أن الشيخ أمين سلطاني شقيق عبد اللطيف سلطاني وهو خريج جامع الزيتونة، كان بيت العلم والإصلاح في القنطرة، ومن قبله أبوه سيدي على بن السلطاني خريج نفطه بالجريد التونسي ولذلك كان أهل القنطرة” من أوائل المعتنقين لفكرة جمعية العلماء من يوم بروزها في سنة 1931 حتى التحقت أنا بابن باديس كما أسلفت ولازمته ست سنوات كاملة لا أكاد أفارقه إلا في بعض أسفاره أو في العطل والراحات، فاصطبغت بفكره والتزمتها في حياتي، وقال في مكان آخر “إن تأثير ابن باديس هو كل شيء في تكوين الشخص الثقافي والسياسي عموما.
سئل المرحوم محمد الصالح رمضان عن أهم حدث في حياته الخاصة؟ أجاب من أهم ما أثر في حياتي الخاصة والعامة تأثيرا عميقا موقف معلم الفرنسية الذي منعني من نيل الشهادة الابتدائية وحقد علي وناصبني العداء، فهو الذي دفعني لتعلم اللغة العربية والاعتزاز بها، وترك اللغة الفرنسية وثقافتها وكراهة أهلها وقررت مصيري من ذلك الوقت في التعريب بمحض إرادتي كرد فعل لذلك المعلم وجنسه، مع أن والدي وجدي وأعمامي كانوا يرغبون في أن أواصل تعلم اللغة الفرنسية لأضمن مستقبلا أفضل في حياتي وأذكر بهذه المناسبة أنني زرته في منزله في آخر حياته صحبة الطالب نجيب عاشور وهو طالب من جامعة السوربون يُعد رسالة حول جمعية العلماء في الشرق الجزائري وبما أن الطالب لا يُتقن اللغة العربية توليتُ الترجمة بينهما، وبالمناسبة فالطالب نجيب عاشور المولود في فرنسا من أب من فرجيوة وأم من جيجل أصبح دكتورا وحقق نتائج باهرة في اللغة العربية بعد أن عاش سنتين في الغرب، ويرتدد على الجزائر باستمرار.
– ما هي الذكريات البالغة التي ارتسمت في ذاكرة المرحوم محمد الصالح رمضان طيلة حياته؟
يجيب: “من ذكرياتي الغالية المحببة التي لا أنساها أيامي في قسنطينة مهد النهضة الجزائرية وخاصة التي قضيتها في صحبة رائد النهضة الشيخ بن باديس وصحبه، وفي مدرسة التربية والتعليم مع مديرها سعيد بن حافظ ومعلميها، ابن العابد الجيلالي وعبد الحفيظ الجنان، وبوشمال الشهيد، ورفيقه في التدريس والدراسة على بن باديس الشيخ محمد الغسيري، والكشافة والإسلامية، وقادتها وأشبالها، ثم السنين التي قضيتها في تلمسان وعاصمتنا العلمية التاريخية مديرا لمدرسة الحديث بها ومفتشا جهويا لمدارس دائرتها، وما قمت به أو شاركت فيه من أعمال هنالك ثقافية وأدبية بالخصوص، عدا أيام الثورة والاستقلال التي قضيتها كلها في العاصمة فاستفدت منها جميعا، ولله الحمد والشكر.
محمد الصالح كيف تغلغل الفكر الباديسي في الجزائر؟ الجواب: بقيت فكرة ابن باديس راسخة في أذهان الشعب بسبب إخلاص ابن باديس وتفانيه في خدمة دينه، وشعبه، وبلاده متطوعا بلا مقابل طيلة حياته دون أن ينتظر جزاءا ولا شكورا، فأكرمه الله بالذكر الحسن بالدنيا ولجزاء الآخرة أوفى وأجل إن شاء الله.

 

(1) فسلفية بن باديس لا صلة لها بـ السلفية التي ظهرت في السنوات الأخيرة والتي لا يمكن اعتبار قادتها من رجال السلف الصالح.

آخر التغريدات: