خالد مرزوق أحد تلامذتها: “دار الحديث” علمت أجيال الثورة والاستقلال

من الطبيعي أن تحظى تلمسان باهتمام جمعية العلماء المسلمين فهي المدينة التي اعتبرت أم العواصم الإسلامية في عصورها الزاهرة ومقصدا للعلماء والمفكرين، هذا الاهتمام الذي تجسد في مدرسة دار الحديث كانت الغاية منه بعث الحياة العلمية من جديد ومحاربة التغريب الذي انتهجه الاستعمار الفرنسي في بلادنا، وذلك من خلال تعليم النشء أصول لغته ودينه، عن هذه الرهانات كان هذا اللقاء.

- نعود بكم إلى يوم الاثنين 27 سبتمبر سنة 937  يوم  زيارة العلامة عبد الحميد بن باديس لتلمسان وافتتاح دار الحديث فما هي أجمل الصور التي تسترجعونها مع هذه الذكرى؟

كنت صغيرا حينها لكن عظمة الحدث جعلتني لا أنسى ما رأيته، من روعة استقبال أبهرتني، قدم ابن باديس إلى تلمسان سنة1937 على متن القطار  على الساعة العاشرة والنصف  صباحا،  لكن  مواطني المدينة تأهبوا لاستقباله منذ الساعات الأولى من الصباح بالزهور والأناشيد وكلمات الترحيب والفرحة تملأ القلوب، اتجه الموكب إلى دار الحديث مرورا بباب سيدي بومدين ثم حي بن خلدون فالمدرس، حتى إن السلطات الاستعمارية سعت إلى وضع شرطتها لحفظ الأمن لكن المنظمين الجزائريين قالوا  للفرنسيين  لنا  رجالنا  ولا  نحتاج إليكم، وفعلا قام حوالي 800 شاب بتنظيم العملية، حيث اصطفوا إلى صفين متقابلين واضعين شارات خضراء على أياديهم، فاسحين المجال للموكب حتى يمر.

- وكيف كان مشهد افتتاح دار الحديث بتلمسان؟

يوم الافتتاح  حضره الكثير من الشخصيات التي جاءت من داخل الوطن وحتى من المغرب وتونس بالإضافة إلى الصحافة الجزائرية وحتى الفرنسية وقدر العدد بحوالي 3000 شخض، وصل الإمام إلى دار الحديث فسلمه البشير الإبراهيمي المفتاح قائلا "لو علمت في القطر الجزائري بل في العالم الإسلامي رجلا له يد على العلم مثل يديكم، وفضل على الناشئة مثل فضلكم، لآثرته دونكم لفتح هذه المدرسة،  ولكني لم أجد،  فباسم  تلمسان،  وباسم الجمعية الدينية بالخصوص أناولكم المفتاح، فلهذه المدرسة  أن تتشرف بذلك"، ثم تناول ابن باديس المفتاح وقرأ قوله تعالى : "وقل جاء الحق وزهق الباطل إنَّ الباطل كان زَهُوقا"، إن الباطل كان زهوقًا''، كان عرسا  علميا  كما  وصفه الإبراهيمي، الحشود  صممت  على البقاء حول دار الحديث تهتف باسم ابن باديس حتى أرغمته على مخاطبتهم  ببعض الكلمات من على شرفة المدرسة أتذكر منها "يا أبناء تلمسان كانت عندكم أمانة من تاريخنا المجيد فأديتموها".

- متى التحقتم بمدرسة دار الحديث، وكيف كانت طريقة التعليم بها؟

عندما افتتحت دار الحديث التحقت بها مباشرة سنة 1937، وكان أول مدرس عرفته هو محمد بابا أحمد درسنا ثالثة أشهر ثم أغلق الاستعمار المدرسة بدعوى عدم وجود رخصة تخول لها التعليم، ونفي البشير الإبراهيمي إلى "أفلو" سنة 1940من قبل فرنسا التي حاولت دون جدوى إبعاده عن نشاطه الدعوي، ثم عاد سنة 1943 وافتتح الدار مباشرة وأتم الدرس الذي كان قد بدأه قبل منفاه، أما أنا فقد عدت بعد انقطاع إلى الدارسة بها سنة 1946 في إطار تعليم الكبار.

وكان التعليم  في  أقسام  تشمل  فئة الصغار وأخرى للكبار، ولما كان مستوى بعض التلاميذ متفوقا جدا قرر البشير الإبراهيمي تخصيص قسما لهم وكونهم بشكل مكثف لمدة معينة ثم وجههم إلى مهمة التعليم بعد  توسيع  أقسام المدرسة،  ومل  تكتف  دار الحديث  بالجانب العلمي واللغة العربية والقرآن فقط، بل كان بها قسم مخصص للنشاطات الثقافية المختلفة كالمسرح والتمثيل والأناشيد.

- لتحدثنا عن بناء دار الحديث حيث يروى بأن الأرضية التي بنيت عليها الدار اشتراها أعضاء جمعية العلماء من أحد اليهود بثمن غال؟

هذا صحيح، وبعدما باعها هذا اليهودي عوتب من قبل اليهود الآخرين، فقال لهم لا تقلقوا هذه الدار ستنهار بعد بنائها مباشرة فأنا أخفيت عنهم حقيقتها المتمثلة في أساسها المخدوع، لكن المهندس عبد الرحمان بوشامة وهو مصمم بارع في البناء وجد الخلل بعدما درس الأرضية فأصلحه، وصمم  هندسة  هذه الدار بلمسة أندلسية حتى أن الإمام ابن باديس لما حضر الافتتاح ولشدة إعجابه بهذه الهندسة اتجه  صوب  بوشامة فحضنه  وشكره على ذوقـه الرفيع، وها هي المدرسة قائمة إلى الآن لم تصب بأي أذى كما تمنى اليهودي.

- كانت هناك عالقة صداقة كبيرة بين عائلتكم وعائلة البشير الإبراهيمي، حدثنا قليلا عنها؟

ولدي محمد مرزوق كان من المثقفين المعروفين بتلمسان فهو من سلالة المرازقة، أهل العلم والفكر  والدين، كان دائم الزيارة للبشير الإبراهيمي وكنت أرفقه إلى بيته بحي أغادير، هذا البيت كان قد أهده له أحد سكان تلمسان اسمه بن عودة سنة 1936 لكن ولدي وبحكم اتصاله المستمر مع البشير الإبراهيمي أراد أن يقربه إليه أكثر فبحث له عن سكن قرب بيتنا بسيدي إبراهيم، كانت تجمعه صداقة  قوية مع البشير الإبراهيمي وكانت تجمعني صداقة كبيرة أيضا بأبنائه ولازلت أحتفظ بأجمل ذكريات هذه العائلة الكريمة.

 

آخر التغريدات: