في ذكرى افتتاح مدرسة دار الحديث بتلمسان

في خريف سنة 1937م، تأسست دار الحديث بتلمسان، كمنارة من منارات العلم التي أشرف عليها واحد من خيرة علماء الجزائر، العلامة الرحّالة المجاهد المصلح المحدّث اللغوي المؤرّخ الأديب الشاعر محمد البشير الإبراهيمي.. واليوم الذي تأسّست فيه كان يوما مشهودا، والاحتفال به مشهورا، دعا الإبراهيمي علماء الجزائر من جميع أنحائها لحضور هذا الاحتفال وجعله على شرف ابن باديس، كأنما ليؤكد اختيار الأمة ابن باديس لزعامتها، "و جميع الهيآت العاملة في الجمعية من مدرسين وشعب، وحضرها نحو عشرون ألفا من أتباعها، ووفود من تونس والمغرب، ولكم اليوم أن تطلعوا عبر موقع الشيخ ابن باديس حيثيات ذلك اليوم التاريخي.

 دعوة إلى كلّ الجزائريين في المؤتمر السنوي العام لجمعية العلماءالمنعقد بنادي الترقي بالعاصمة

في 19 رجب 1356 هـ الموافق 24 سبتمبر 1937 م

أيّها الإخوة الكرام

لقد حملني إخوانكم التلمسانييون أمانةً يجب عليّ أن أبلّغها إليكم وهي أنّهم يسلّمون عليكم ويعاهدونكم على التفاني في خدمة الجمعية ونشر مبادئها ويبشرونكم بأنّهم شيّدوا للإسلام والعروبة معهداً لم يكن له نظير في تاريخ الجزائر الحديث  كما أنّهم يتشوّقون ويتشرّفون أن يكون فتحُ هذا المعهد أوّل مرّة بيد علاّمة الجزائر وزعيم نهضتها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس وهذا المعهد هو « دار الحديث » المسماة على « دار الحديث الأشرفية » التي أسّست منذ قرون في دمشق تلك المدرسة التاريخية التي تخرّج منها أئمّة العلوم وفحول في الأدب والتي كان مدرسيها الإمام الحافظ محيي الدين النووي والإمام النظار تقي الدين السبكي

محمد البشير الإبراهيميّ

دعوة حضور أهالي مدينة تلمسان لمهرجان افتتاح مدرسة دار الحديث

يوم الاثنين 27 سبتمبر 1937م

إن أكبر دعامة تقوم عليها النهضة العربية الإسلامية بالقطر الجزائري هي تشييد المدارس الحرّة بمال الأمّة، لأنذها فضلا على الواجب الذي تقوم به للدّين واللغة تحيي في الأمّة روح البذل في سبيل العلم، وتقوّي فيها خلق التعاون على الخير

وقد قامت تلمسان عاصمتكم التاريخية بقسطها من هذا الواجب كلّه

فجاءت رمزا لمجد تلمسان التاريخي وعنوانا على نهضة الجزائر الحديثة ومفخرة للقطر الجزائري كله وحصنا للعربية والإسلام

وستحتفل تلمسان بافتتاحها يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر سبتمبر 1937 احتفالا مشهودا يكون عرسا عالميا للقطر كله وتتجلّى فيه الأخُوّة الإسلامية بأكمل معانيها

والجمعية الدينية الإسلاميّة المشرفة على تشييدها تتشرّف بدعوتكم للحضور في هذا المهرجان المبارك وتسألكم بحقّ الأخوّة ألاّ تقصّروا في واجب الحضور الذي هو تأييد للعلم وإعانة للإسلام والعربيّة

الشيخ محمد البشير الإبراهيميّ

المشهد العظيم في صبيحة

يوم الاثنين 27 سبتمبر 1937م

تقاطرت وفود القطر الجزائري من كل ناحية لحضور افتتاح مدرسة دار الحديث بتلمسان.. خرجت في هذا اليوم أهالي تلمسان صغارا وكبارا، نساء ورجالا، للقاء الشيخ عبد الحميد بن باديس من محطة القطار إلى دار الحديث بالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير، ووصل الوفد وتجمع أمام دار الحديث ووقف الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بباب المدرسة يخاطب الرئيس ابن باديس وهو يناوله المفتاح بيده قائلا :

"لو علمت في القطر الجزائري، بل في العالم الإسلامي رجلا له يد على العلم مثل يدكم وفضل على الناشئة مثل فضلكم لآثرته دونكم بفتح هذه المدرسة، ولكني لم أجد، فباسم تلمسان وباسم الجمعية الدينية بالخصوص، أناولكم المفتاح. فلهذه المدرسة أن تتشرّف بذلك"

وتناول الشيخ عبد الحميد بن باديس المفتاح وقال :

بسم الله الرحمن الرحيم

ثمّ على اسم الإسلام والعروبة والعلم والفضيلة أفتح دار الحديث، ربّنا أنزلنا منزلا مباركا، وأنت خير المنزلين.. ربنا أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مخرج صدق واجعل لنا  من لدنك سلطانا نصيرا.. جاء الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا..

ثمّ فتح الباب ودخل.. ودخل خلفه العلماء والضيوف وبقيت جموع غفيرة من أهالي تلمسان لم تسعهم البناية وآثروا ضيوفهم عليهم، بقيت هذه الجموع تصيح خارج المدرسة: ابن باديس، ابن باديس، نريد أن نرى ونسمع ابن باديس

فأطلّ عليهم هو والإبراهيمي والعلماء من الشرفة « البالكون » في الطابق الأوّل، وخاطبهم قائلا :

يا أبناء تلمسان

يا أبناء الجزائر

إنّ العروبة من عهد تبّع إلى اليوم تحييكم

وإنّ الإسلام من يوم محمّد إلى اليوم يحييكم

وإنّ أجيال الجزائر من اليوم إلى يوم القيامة

تشكركم وتذكر صنيعكم الجميل

يا أبناء تلمسان

كانت عندكم أمانة من تاريخنا المجيد

فأدّيتموها

فنعم الأمناء أنتم

فجزاكم الله جزاء الأمناء

والسلام عليكم ورحمة الله

ثمّ عاد العلماء إلى المدرسة، وفي قاعة المحاضرات  اعتلى المنصّة ابن باديس وصحبه، وتكلّم الإبراهيمي وقال : "الفضل في إنشاء هذه المدرسة لا يرجع لأحد غير جمعية العلماء، فكل فضل لهذا العاجز الضعيف هو قطرة من بحر فضل جمعية العلماء".

ثمّ عرّف الإبراهيمي الحاضرين، بأن الرئيس ابن باديس سيفتتح الكلام بدار الحديث بدرس قيّم يلقيه في الحديث النبوي الشريف.

افتتح ابن باديس الدّرس بحمد الله والصلاة على نبيّه صلى الله عليه وسلم، ثمّ روى الحديث بالسند المتّصل بالبخاري ومسلم وهو قوله صلى الله عليه وسلم : "مثل ما بعثني الله به من الهُدى والعِلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير  وكانت منها أجادب « أو إخادات » أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا « أو ورعوا وأصاب منها طائفةً أخرى، إنما هي قيعان لا تُمسك ماءً ولا تُنبِتُ كَلَأً فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَهُ وَعَلَّمَهُ ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هُدَى الله الذي أُرسِلْتُ بِهِ" وأفاض الشيخ ابن باديس في شرحه بطريقتهL وأثناء كلامه على قوله صلى الله عليه وسلم  : من عَلِمَ وَعَلَّمَ أخرج من جيبه خمسمائة فرنك إعانةً رمزيّة منه للمدرسة..

وبعد انتهائه من الدرس تبارى الناس في البذل والتبرّع بما لديهم في سخاء وكرم نادرين

كما شارك النساء بعد ذلك بتقديم جواهرنّ وحُلّتِهِنّ

وفي الليل ألقى الشيخ مبارك الميلي درسًا قيّما في حديث،  إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى.

وألقى الشيخ العربي التبسي درساً كذلك في قوله تعالى : "وَلاَ تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخلُونَ بِمَا أُوتُوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا" .

وألقى الشاعر الغرّيد محمّد العيد آل خليفة قصيده الرائع الطويل النفس الذي يبدؤه بقوله :

أُحَيِّي بِالرِّضَى حَرَمًا يُزَارُ                 وَدَارًا تَسْـَظِلُّ بِهِ الدِّيَارُ

وَرَوْضًا مُسْتَجِدّ الغَرْسِ نَضَرًا              أَرِيضًا زَهْرُهُ الأَدَبُ النَّضَّارُ

وَمَيْدَانًا سَتَرْتَبِعُ المَهَارِي                 بِسَاحَتِهِ وَتَسْتَبِقُ المَهَارُ

وَعَيْنًا مَا لِمَنْبَعِهَا مَغَاضُ                  وَأُفقًا مَا لِأَنْجُمِهِ مَغَارُ

أُحَيِّي خَيْرَ مَدْرَسَةٍ بَنَاهَا                خِيَارٌ فِي مَعُونَتِهِمْ خِيَارُ

تِلِمْسَانَ احْتَفَتْ بِالعِلْمِ جَارًا            وَمَا كَالعِلْمِ لِلْبُلْدَانِ جَارُ

لَقَدْ لَبِسَتْ مِنَ الإِصْلاَحِ تَاجًا            يَحِقُّ بِهِ لِأَهْلِيهَا الفِخَارُ

فَكَانَ لَهُ بِهَا نَصْرٌ وَفَتْحٌ                    وَكَانَ لَهُ ذُيُوعٌ وَاشْتِهَارُ

* * *

في اليوم الثاني (يوم 28 سبتمبر 1937م)  ألقى الشيخ الفضيل الورتلاني خطابا تعرّض فيه إلى الحركة العلمية التي تقوم بها جمعية العلماء في الجزائر وفي فرنسا

وألقى الشاعر والصحفي الشيخ أبو اليقضان قصيدة عصماء هذا مطلعها :

تلمسان تيهي بهذا الفخار              وباهي العواصم بين البشر

ثم ألقى الشيخ  محمد العيد آل خليفة قصيدا آخر أثار إعجاب الحاضرين :

دَعَاكَ الأَمَل                      لِخَيْرِ العَمَلْ

فَخَلِّ الوَنَى                      وَقُمْ عَنْ عَجَلْ

أَضَعْنَا المُنَى                    بِفَرْطِ المَهَلْ

فَهَلْ نَفْحَةٌ                       تُزِيلُ الفَشَلْ

وَهَلْ صَرْخَةٌ                     تَهُزُّ القُلَلْ

* * *

في اليوم الثالث (يوم 29 سبتمبر 1937م)

كانت الدروس في أماكن حرّة مختلفة بالمدينة :

 - مدرسة دار الحديث

- نادي السعادة

- نادي الشبيبة

- النادي الإسلامي

وكان الشيوخ والأساتذة يتناوبون بهذه الأماكن زيادة على ما ذكر سابقا منهم، الأساتذة الضيوف :

- سعيد صالحي

- فرحاة بن الدراجي

- مصطفى بن حلوش

وكذلك الأساتذة من أهالي تلمسان السيد عبد السلام بن الطالب رئيس الجمعية الدينية وابن علي أبي عياد من تلاميذ الشيخ الإبراهيمي بتلمسان

فكانت ثلاثة أيام كأنها « عرس علمي » لا نظير له..

 

آخر التغريدات: