دار الحديث منارة للعلم ومهد العلماء… ورمز تاريخي تحدّى الاستعمار وأعاد للجزائر مجدها الإسلامي

أحيت تلمسان هذه الأيام الذكرى الــ75 لافتتاح دار الحديث، حيث تحمل هذه الذكرى في طيّاتها رجلا وشخصية بارزة أقامت النهضة الجزائرية وقهرت الاستعمار الفرنسي، وجمعت شمل علماء الجزائر، إذ لازالت عاصمة الزيانيين تفتخر بأعـزّ معلم تاريخي ديني في أيام المحن أيام كانت الجزائر محتلة تحت ضغط استعمار غاشم لا تعرف من جنوده إلا الوحشية وطمس الشخصية، لكن سرعان ما وقف رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقاموا ببناء هذا الصرح العلمي الديني الذي تعاقب عليه أجيال هذه الجامعة الموحدة التي أسست مختلف علوم الدين من فقه وسيرة وسنن نبوية إلى جانب التاريخ الثوري الشامل والتربية فأدى مؤسسها إلى أن تكون مكانا واعدا للحديث والكلام على حسب ميولاته سواء عملية أو ثقافية، حيث لم يتمكن الاستعمار من زعزعة ما تركه الأولون من لب ثقافي وأثري.
<!--more-->

هذا الرمز التاريخي هو “دار الحديث” الواقعة وسط مدينة تلمسان والتي يمر على تاريخ بنائها وتأسيسها 75 سنة والتي أصبحت ذكرى تأسيسها في تنام، هذه المؤسسة العلمية الدينية التي توارثها التلمسانيون من علماء كان هدفهم الوحيد هو التشييد العلمي والإفصاح عن صورتها بشكل واسع وتعتبر ملكية دار الحديث من أعرق الوثائق التاريخية للمنطقة وهي مسجلة بمحافظة أملاك الدولة بتاريخ 27 فيفري 1936 بالسجل منها وعلى وجه التحديد بالمعسكر التابع لقوات الاحتلال الذي لم يتجرأ عن الدار قبل سنة 1831 وهي السنة التي كانت فيها تابعة لأملاك الأوربيين وذلك كتعويض لهم على ملكية خاصة بباب الحديد وهذا تعزيزا لمحميات الجيش الفرنسي خوفا من الانتفاضات الشعبية ومواصلة المقاومة داخل المدينة، ولهذا ركز مخططو ومشيدو دار الحديث أن تختار هذه الساعة ليسطع منها نور المعرفة والعلم وليس من أية نقطة أخرى تنعدم منها الفائدة لكونها تقع جنب حي سكني أوروبي. فوثيقة دار الحديث التي تشير إلى أهل عهدها، آية من آيات القانون الحديث القديم ورواية الإيمان والحزم والحفاظ على الثقافة الأصيلية إلى يوم الدين بتلمسان، حيث تم ذكر البائع تاجر الحبوب ابن أشنهو وهو المدير الذي يدير المخزن، بالإضافة إلى الجمعية الثقافية المسلمة لتلمسان بمشترى والتي تأسست بتاريخ الفاتح من سبتمبر 1931 وتم تسليم الإيصال في 05 من الشهر نفسه، كما أن العقد يتضمن قائمة بـ 171 مشتريا وهذا يترجم منه العزيمة الجماعية والأخوية التي لا جدال فيها وهذا بذكر كل من ساهم مهما كانت وضعيته المالية وقد يتم تجميع ما سجل بالعقد آنذاك 125000 فرنك فرنسي. وقد سهر التلمسانيون ومواطنون جزائريون من خارج تلمسان في عملية التشييد التي كان الشيخ البشير الإبراهيمي بصفته مديرا ومشرفا عليها، وجعلها مركز إشعاع فكري ومقصد القريب والبعيد وحتى من خارج الوطن

ولما حان وقت الافتتاح وذلك في أواخر شهر سبتمبر في 27 منه من سنة 1937 فكانت بالنسبة للجميع عزيمة إثبات الشخصية العربية المسلمة للشعب بأكمله بمدينة تلمسان والتي فقدت وقتها القسم الأكبر من سكانها الذين أصبحوا يشكلون أقلية ضمن مجموعة من الأجانب الذين اشتغلوا بثروات ضواحيها من مساكن وبساتين وحقول وهذا ما مكن رجال الحركة الإصلاحية وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي من تعليم الإسلام الصحيح وحببوا اللغة العربية للكثير من الجزائريين، حيث كانت على وشك الاندثار وبعدما سلط الاستعمار الفرنسي بكل ما يملك من محو الهوية والقضاء على الشخصية وآثار كيانها محاولا استبدال الإسلام بالمسيحية والعربية بالفرنسية بعدما ملك البلاد وأذل العباد وأحل في الأرض الفساد وفتح مجال الفقر والمرض والأمية وزرع الفرقة والفتنة والشقاق بين طوائف شعب واحد وهذا بعدما أصدر مجلس الدولة قرارا سنة 1935 أعلن فيه أن اللغة العربية لغة أجنبية مؤكدا بقرار شتوان في سنة 1938.

أثناء المؤتمر السنوي العام لجمعية العلماء المسلمين المنعقد بالعاصمة في سنة 1937 الموافق لـ 1356 هـ الذي حضره أكثر من خمسة آلاف من أعضاء الجمعية وأنصارها والذين خاطبهم البشير الإبراهيمي بحديث عذب وقيم قائلا فيه: “إن لي أمانة أود أن أقدمها إلى أهلها وهي أن إخوانكم التلمسانيين يسلمون عليكم ويتمنون أن يكون فتح هذا المعلم الديني على يد العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس زعيم النهضة ورئيس الجمعية”. 

للعلم فإن دار الحديث سميت على دار الحديث الأشرفية التي تأسست منذ قرون بدمشق وتخرج منها علماء وأئمة الذين خدموا الإسلام والبلاد وكان الشيخ البشير الإبراهيمي من خريجيها ولهذا أراد أن يكون بتلمسان منشأ بها بمشروعه ومن هذا المؤتمر تهيأ الجميع للسفر وهم يستعدون لتدشين دار الحديث الذي كان يوم الاثنين 22 رجب 1356 هـ الموافق لــ 27 سبتمبر 1937 م وحلّ على تلمسان وفود من كل الجزائر ومن الدول المغاربية ليكونوا على موعد تاريخي حالم لم تشهده من قبل، حيث في مثل هذا اليوم خرج أهالي تلمسان صغارا وكبارا نساء ورجالا للقاء الشيخ عبد الحميد بن باديس من محطة القطار إلى دار الحديث بالتهليل والتسبيح والتكبير والتحميد، حيث وصل الوفد وتجمع أمام دار الحديث، وحضر كل من الشيخين عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي، استقبله أهالي تلمسان بأبيات مؤثرة في العروبة
حينما جاء الوقت الحاسم للتدشين ردد الشيخان عـبارات تدمع لها العين ويخشع لها القلب فقد تقدم الشيخ البشير الإبراهيمي والأنظار كلها متجهة صوبه وهو يقف على عتبة الباب مخاطبا رئيس الجمعية: “أخي الأستاذ الرئيس لو علمت في القطر الجزائري بل في العالم الإسلامي رجلا له يد على العلم مثل يدكم وفضل على الناشئة على فضلكم لأثرته دونكم بفتح هذه المدرسة ولكن لم أجد باسم تلمسان والجمعية سواكم” وناوله المفتاح بعدها قال الشيخ عبد الحميد بن باديس: “بسم الله الرحمن الرحيم على اسم العروبة والعلم والفضيلة أفتح مدرسة دار الحديث ربنا أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ربنا أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مخرج صدق واجعل لنا من لدونك سلطانا نصيرا جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” ثم قام بفتح الباب ودخل وكان خلفه العلماء والضيوف والمدعوون وبقيت جموع غفيرة لم تتمكن من الدخول ولكن طالوا رؤية الشيخ وسماعه، إذ أطل عليهم من الشرفة رفقة العلماء قائلا: “يا أبناء تلمسان كانت عليكم أمانة من تاريخنا فأديتموها فنعم الأمناء وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم”. وبعدها دخل الحضور إلى قاعة المحاضرات، حيث قدمت هذه كلمات للعلماء الأجلاء إن الشهادات التي منحتها جمعية العلماء المسلمين لخريجي دار الحديث كدليل على قيمتها العلمية وما نلمسه من الميدان من خلال هؤلاء الذين درسوا بها.

وحسب إحصائيات جريدة “البصائر” في عددها 202 الصادرة في 10 محرم 1372 الموافق لـ 24 سبتمبر 1952، فإن الناجحين بكل مدارس 123 ناجحا، أما الناجحون بدار الحديث في نفس السنة 35 ناجحا وهذا ما يعني أنها مثلث ثلث المجموع العالم على مستوى الوطن.

...والــعــلاّمة الإمـام عـبـد الـحمـيـد بن باديـس يـزور مدينة مــغــنــيـة

لم تعرف مدينة مغنية ونواحيها ازدهارا ثقافيا بالمعنى المفهوم عن عبارة الحركة الثقافية، وذلك لصغرها وحداثة نشأتها والطابع الريفي الغالب عليها من جهة، ولقربها من تلمسان التي كانت تستقطب رجالات الفكر والثقافة، ولما يتوافر لهم بها من عوامل التشجيع، وروافد المعرفة من جهة ثانية، إلا أنه لم يمنع سكان المنطقة من الإسهام الوافر في مجال الحفاظ على تراثهم الإسلامي وحفظ شخصيتهم العربية من الضياع والتمزق، ويرجع ذلك أساسا إلى الكتاتيب القرآنية المنتشرة في المدينة ونواحيها، والتي كانت تعج بالصبيان الذين رفض أولياؤهم بكل قوة أن يعلموهم لغة المستعمر، رغم وسائل الضغط التي لجأ إليها لفرض لغته على سكان الناحية، وأهم هذه الكتاتيب والتي كان العامة يطلقون عليها اسم “الجوامع”، “جامع زوج بغال” في حدود الجزائرية المغربية...وجامع مغنية المدينة، حيث كان لهذين الجامعين أهمية خاصة، حيث إن الدراسة فيهما لم تقتصر على تحفيظ القرآن الكريم فقط، بل تجاوزته إلى فنون من المعارف الدينية واللغوية، وكان الطلبة يأتون إليها من القرى القريبة والنائية، رغبة في العلم والمعرفة، وكان نظام الدراسة في هذين الجامعين هو النظام التقليدي الذي يكاد يكون معروفا في كافة الأقطار العربية، فقد كان الطالب المبتدئ بعد حفظه للقرآن الكريم يبدأ دراسته بالآجرومية في النحو، ومتن ابن عاشر في العقائد والفرائض، فإذا ما استوعبهما انتقل إلى دراسة القطر لابن هشام، والرسالة لأبي زيد القيروان، ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة الألفية ولامية الأفعال لابن مالك، ومختصر خليل، وربما درس السيرة النبوية وشيئا من البلاغة والمنطق، وبذلك ينهي الطالب دراسته ويصبح الطالب مؤهلا لأن يطلق عليه اسم (العالم )، فمن الطلبة من يقف عند هذا الحد، ويعود إلى عشيرته فتتلقاه بالحفاوة والترحاب، وتقام له الحفلات، وينصب إماما لها وقاضيها ومفتيها، يلجأ إليه السكان في قضايا دينهم، وفي الخصومات بينهم، وعقد الزواج إلا في القليل النادر، ومن الطلبة من كان يواصل مسيرة البحث عن المعرفة، فينتقل إلى أقرب مورد لها، وهو بالنسبة لهذه المنطقة أمتعة القرويين بفاس، أو ينتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، ومنهم من كان يشد الرحال إلى المشرق إلى جامع الأزهر الشريف.
لقد كان ذلك نوعا من الصمود في وجه المحاولات الاستعمارية الرامية إلى فصل هذه الأمة عن تراثها وأصالتها وعروبتها، تمهيدا لدمجها في كيانه الدخيل الغريب.

وقد تخرج من الجامعين المذكورين عدد من الرجال واصلوا مسيرة الرفض والصمود في وجه محاولات المسخ والتشويه التي مارسها المستعمر منذ أن وطأت قدماه تراب هذه الأرض الطاهرة إلى أن طرد منها مذؤوما مدحورا.

وفي مطلع الثلاثينات من القرن الماضي زار مدينة مغنية المصلح الجزائري الكبير الشيخ عبد الحميد بن باديس وألقى بالمسجد الكبير خطابا شرح فيه دعوته الإصلاحية الرامية إلى تنقية الدين من الخرافات والبدع وتحريره من قبضة مشايخ الطرق وسيطرة الدراويش وذلك بالرجوع إلى المصدرين الأساسيين لهذا الدين الكتاب والسنة، ولم يتأتَ ذلك إلا بإنشاء مدارس لتعليم اللغة العربية على الطريقة الحديثة. واغتنم الشيخ فرصة وجوده بالمدينة ففتح اشتراكا في جريدة “الشهاب” تسابق إلى الإسهام فيه أعيان الناحية، وكان الاشتراك الشهري لكل تلميذ يتراوح بين دينار ونصف إلى ثلاثة دنانير، يعفى من أدائه الفقراء والمساجين السياسيين، بينما كانت أجرة الأستاذ تتراوح بين خمسة وعشرون دينار كحد أدنى إلى خمسين ومائتين كحد أقصى.

ومهما كان أثر هذه الزيارة، فإن ثمرتها المرجوة لم تبرز إلى الوجود إلا في نهاية العقد الرابع وبداية العقد الخامس من القرن الماضي، وفي هذه الفترة أسست مدرسة التربية والتعليم تحت إشراف جمعية العلماء من التبرعات التي ساهم بها أنصار الجمعية بالناحية وحضر تدشينها المرحوم الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1952، وقد اشتملت مدرسة التربية والتعليم على خمس (05) حجرات وبلغ عدد التلاميذ نحو ثلاثين ومائتي تلميذ (230) بين ملازم وغير ملازم، بينما مدرسة التقدم اشتملت على نحو خمسين وثلاثمائة تلميذ (350)، وكانت هذه المدارس تتولى إلى جانب التعليم مهمة الوعظ والإرشاد وبث الوعي القومي الوطني بين أوساط السكان، لذلك سرعان ما أقفلها المستعمر في بداية حرب التحرير وألقى بمعظم أساتذتها في غياهب السجون، لتتحول مدرسة التربية والتعليم بعد الاستقلال إلى مدرسة تابعة لوزارة التعليم الابتدائي والثانوي وأصبحت تحمل اسم عبد الحميد بن باديس وألحقت بها مدرسة التقدم إداريا.

للتذكير فإن المغاربة تأثروا بهذه القيمة الإبراهيمية وراحوا يؤسسون معهدا إسلاميا أطلقوا عليه دار الحديث الحسنية في مدينة الرباط ولما عج بعدد كبير من الطلبة ولم تعد تتسع الحجرات لهذا العدد الهائل من الطلبة تعززت دار الحديث بمدينة ثانية ملحقة لها سنة 1952. للعلم فإن عدد التلاميذ الذين سجلوا بها قبيل الثورة التحريرية 18 ألف طالبا مقسمين إلى أربعة أفواج بين النهار والمساء الذين يزاولون الدراسة بالمدارس الفرنسية، كما عرفت دار الحديث إشعاعا علميا لما كانت تابعة لوزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وقد توقفت عن هذا المهام سنة 1972. أما اليوم فقد أصبح عملها قائما على استقبال 400 تلميذ سنويا بالمدرسة التحفيظية وتدريس أحكام التلاوة للنساء وتقديم دروس لمحو الأمية لفائدة 100 امرأة إلى جانب شعائر تعبدية، لتبقى دار الحديث والى يومنا هذا شاهدة تنوّر الأجيال وتضع الرجال بكل فخر واعـتزاز.


* يومية الأحداث


آخر التغريدات: