الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

بقلم: هاني المبارك-

طاهر الجزائري ابن الشيخ صالح بن أحمد السمعوني الوغليسي الجزائري الدمشقي الحسني، أما نسبته على سمعون فهي قبيلة جزائرية كانت تقيم في منطقة القبائل قرب بجاية، وأما نسبته إلى وغليس فهو واد نسب إليه بنو وغليس، أو أن الوادي سمَي باسمهم، وأما نسبته إلى دمشق فلأنها كانت وطنه الثاني حيث ولد فيها وعاش وتوفي فيها، ودفن في سفح جبل قاسيون، وقبره هناك تكاد تضيع آثاره(1).‏

وتنسب أسرته إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ولهذا عرف بالحسني. أما والد الشيخ طاهر وهو الشيخ صالح فقد هاجر من الجزائر بعد نفي الأمير عبد القادر الجزائري إلى فرنسا على إثر توقف ثورته، وكانت هجرة الشيخ صالح مع مجموعة من شيوخ الجزائر وعلمائها إلى بلاد الشام، وعرفت هذه الهجرة بهجرة المشايخ وكانت سنة 1263هـ /1847م.‏

كان الشيخ صالح من علماء الجزائر فهو فقيه اشتهر بعلم الفلك وعلم الميقات وله رسالة في هذا العلم، كما أنه مال إلى علوم الطبيعة والرياضيات.‏

وقد عهد إليه بإفتاء المالكية في دمشق لأن معظم المهاجرين الجزائريين كانوا على المذهب المالكي. واشتهر بدمشق بعلمه وفضله وأخلاقه. واشتهر من أبناء أسرته ابنه الشيخ طاهر وابن شقيقه سليم الجزائري الذي كان من كبار ضباط الجيش العثماني والذي انتهت حياته شهيداً من شهداء السادس من أيار على يد جمال باشا السفاح عام/1916م/1334 هـ وهو من مؤسسي الجمعية القحطانية وجمعية العهد.‏

نشأته ودراسته وأخلاقه:‏

ولد الشيخ طاهر في دمشق سنة 1268 هـ/1851م وتعلم على يد والده أولاً ثم التحق بالمدرسة الجقمقية المجاورة للجامع الأموي في منطقة الكلاسة ثم لازم أستاذه الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني، وكان معجباً به، فأخذ عنه بعض عاداته وأخلاقه، كالولع بالمطالعة والبعد عن حب الظهور والبدع والتمسك بلباب الدين ومعرفة أسرار الشريعة وكراهية التعصب والجمود. فكان أثر هذا الأستاذ الفاضل كبيراً في تلميذه الشيخ طاهر كما أشار إلى ذلك الأستاذ محمد كرد علي عند حديثه عن الشيخ طاهر حيث قال:«إنه اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني وكان فقيهاً عارفاً بزمانه واسع النظر بعيداً عن التعصب والجمود على قدم السلف الصالح بتقواه وزهده».‏

أثره في تلامذته:‏

«وفي عام 1292هـ/1875م عين الشيخ طاهر معلماً فبرز بين أقرانه بذكائه وسعة مداركه وثقافته وفصاحة لسانه وقوة حجته وحضور بديهته، كما عرف بطبعه الجزائري المتميز بعصبية المزاج وكراهية النفاق والمحاباة»(2).‏

كان الشيخ طاهر يكره الغيبة والنفاق ويحارب البدع والخرافات ويكره القيود ولهذا عزف عن الزواج، كان يحب الشاي الأخضر والقهوة، كان موسوعة ومدرسة متنقلة وقد طبعت مدرسته تلامذتها بالفكر الواعي المستنير وبالجرأة في الحق وعفة النفس والعزة والإباء مستهدفاً إحياء المعاني العربية والروح الإسلامية داعياً إلى الاقتباس من الغرب ما فيه صلاح الأمة وتقدمها.‏

إن موقف الشيخ طاهر ومواقف تلامذته المتأثرين به تكشف عن كل ذلك وكثير من تلاميذه سجن أو نفي وشرد أو أعدم.‏

ومن أمثلة تأثير الشيخ طاهر على تلامذته تأثيره الكبير في تلميذه محمد كرد علي الذي كتب الكثير عن أستاذه الشيخ طاهر من ذلك أنه حرص على مرافقة أستاذه حتى آخر حياته، ومما قاله في هذا المجال: اتصلت بالأساتذة الشيخ طاهر الجزائري والسيد محمد المبارك والشيخ سليم البخاري وأخذت عنهم وعن غيرهم من مشايخ الطبقة الثانية كل ما وسعني قراءته من كتب اللغة والأدب والبيان والاجتماع والتاريخ والفقه والتفسير والفلسفة فكان العامل الأكبر في توجيه إرادتي نحو الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والإقدام على التأليف والنشر وإثراء محبة الأجداد والتناغي بآثارهم والحرص على تراث حضارتهم أستاذي الأكبر الشيخ طاهر الجزائري ، فما زلت ألزمه منذ اتصلت به إلى أن ذهب إلى ربه(3).‏

إن كل الذين كتبوا عن الأستاذ الرئيس محمد كرد علي أعادوا معظم عاداته وأخلاقه إلى أثر أساتذته فيه وفي مقدمتهم الشيخ طاهر الجزائري، ومن هؤلاء شفيق جبري وجمال الدين الألوسي وأنور الجندي وحسني سبح.‏

ومما قاله الأستاذ جبري في هذا المجال:«إن من يطالع ترجمة الأستاذ محمد كرد علي للشيخ طاهر يعلم مقدار اتصاله به فما كان يغفل عن ناحية من نواحيه فالشيخ طاهر يعلم مقدار اتصاله به فما كان يغفل عن ناحية من نواحيه فالشيخ طاهر هو الذي دلَه على ما يجب أن يطالعه من كتب المتقدمين في الأدب والتاريخ والاجتماع وغير ذلك. وهو الذي أحسن اختيار هذه الكتب فحسن ذوق كرد علي بحسن اختيار أستاذه. ولو لم يرزق كرد علي طبقة مثل الشيخ طاهر الجزائري لتغير وجهة ثقافته(4).‏

وقال حسني سبح عن محمد كرد علي:«وقيَض الله لهذا الشاب الموهوب من يهديه سواء السبيل في جميع نواحي الحياة، ذلكم هو الشيخ طاهر الجزائري الذي قال فيه الأستاذ الرئيس: إنه صدر الحكماء وإنه من أشرب قلبي حب العرب وهداني إلى البحث في كتبهم فسار كرد علي على هدى أستاذه واقتفى أثره فأكثر من المطالعة في كتب السلف... وقد تربى على أيدي ذلك الشيخ الجليل حفنة من المستنيرين والمثقفين الذين كانوا يتحلقون حوله ويغترفون من معين علمه»(5).‏

وقال الألوسي في معرض حديثه عن الأستاذ كرد علي:«كانت نزعة الإصلاح ذات جذور في أعماق نفسه بفضل فطرته وتربيته ولأساتذته الفضل الأكبر في إذكاء هذه الروح وعلى رأسهم الشيخ طاهر الجزائري»(6).‏

وقد شكل الشيخ طاهر الجزائري في بلاد الشام وفي دمشق بالذات حلقة أدبية وثقافية ضمت عدداً كبيراً من المفكرين والشباب كانت تدعو إلى تعليم العلوم العصرية، ودراسة تاريخ العرب وتراثهم العلمي وآداب اللغة العربية والتمسك بمبادىء الأخلاق الدينية والأخذ بالصالح من المدينة الغربية(7).‏

كانت حلقة الشيخ طاهر الجزائري تضم عدداً من الشيوخ والشباب النابهين وكان منهم الشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ سليم البخاري ورفيق العظم، ومحمد كرد علي، وشكري العسلي، وعبد الوهاب المليحي (الإنكليزي)، وعبد الحميد الزهراوي، وعبد الرحمن الشهبندر، وفارس الخوري، ومحب الدين الخطيب(8)، ومحمد سعيد الباني.‏

حامل لواء النهضة في بلاد الشام:‏

كان الشيخ طاهر الجزائري شعلة أضاءت بلاد الشام في وقت ساد فيه الظلام والجهل والجمود الفكري والتعصب والتخلف، وخير من وصف دمشق في القرن التاسع عشر للميلاد الأستاذ محمد كرد علي حيث يقول بأنه أدرك دمشق وليس فيها طبيب قانوني ولا صيدلي قانوني، ولا حقوقي قانوني واحد ممن درسوا هذه الفروع على الأصول.‏

فكان ظهور الشيخ طاهر في بلاد الشام الشعلة التي أنارت ظلمات الجهل والتخلف فتفتحت على يديه عقول عدد من الشباب الذين رفعوا لواء النهضة العربية والإسلامية في بلاد الشام.‏

لقد كانت المدارس في بلاد الشام على نوعين، فهي إما أنها مدارس تبشيرية وطائفية تهتم بتدريس العلوم العصرية واللغات الأجنبية وتعد تلامذتها لممارسة الحياة العامة في مختلف النواحي في المهن والتجارة ووظائف الدولة، أو أنها مدارس قديمة، الرسمية منها والخاصة، ذات طرق عفَّ عليها الزمن عتيقة وعقيمة تدرس اللغة العربية وقواعدها وآدابها باللغة التركية وحتى القرآن الكريم تحفَظ آياته دون معرفة معانيه، ولا يعرفون من اللغة إلا النصوص ، ولا يفرقون بين الصحيح من الحديث وبين الموضوع أو الضعيف ولا تستقيم لهم جملة، كما وصف حالهم هذه الأستاذ محمد كرد علي في مذكراته...‏

الشيخ طاهر ومدحت باشا:‏

وسط هذا الجو المظلم لمع نجم الشيخ طاهر وحدث أن تسلم ولاية دمشق الوالي العثماني مدحت باشا سنة 1296هـ /1878م، الذي عرف بحبه للإصلاح فاعتمد على الشيخ طاهر بالإشراف على حركة التعليم وفتح المدارس في بلاد الشام فشمر الشيخ عن ساعد الجد ووجد في ذلك فرصة سانحة لإشباع رغبته بما كان يملأ قلبه وفكره، فبدأ بتأسيس المدارس فأنشأ في دمشق أول ثانوية، وأسس أول مدرسة لتعليم البنات، كما اهتم بتأسيس المكتبات العامة، فأنشأ في دمشق المكتبة الظاهرية، واهتم أيضاً بتأسيس المكتبة الخالدية في القدس، فكانت خطواته هذه خطوات جبارة بالنسبة لذلك الوقت الذي خيم فيه التعصب والجمود والجهل.‏

وقد كان الأستاذ محمد كرد علي وفياً لأستاذه الشيخ طاهر، وكذلك كان من تلاميذه الأوفياء لأستاذهم محمد سعيد الباني الذي أصدر كتاباً على إثر وفاة الشيخ طاهر وفاء له سماه (تنوير البصائر في سيرة الشيخ طاهر) أتى فيه على ذكر أهم أعمال أستاذه من إنشاء المدارس وتصنيف الكتب النافعة للناشئة وبحثه عن المخطوطات وجمعها وسعيه في إحياء التراث العربي لغة وأدباً وتاريخاً، وعمله في ميدان التحرر من جميع مظاهر التخلف وقيوده والعودة إلى الإسلام بمفاهيمه السلفية النقية وتشجيعه للصحافة ونشرها بين الناس وسيلةً للتوعية.‏

وأتى الباني في كتابه أيضاً على ذكر سيرة الشيخ طاهر من مولده ونشأته وأخلاقه وعلمه وأساليبه في التعليم وآرائه وسياحاته حتى وفاته.‏

وقد تأثر الباني بآراء أستاذه الشيخ طاهر شأنه في ذلك شأن بقية تلاميذ الشيخ طاهر فكان يكتب المقالات في الصحف يطالب فيها بالإصلاح بكل جرأة منتقداً المساوئ التي عمت الدولة العثمانية، وقد تمَ نفيه إلى الأناضول بعد أن صدر الحكم عليه بذلك في المحكمة العسكرية في «عاليه» التي حكمت على إخوانه بالإعدام وسيق معظمهم إلى المشانق في بيروت ودمشق في 6 أيار 1916.‏

كان الشيخ طاهر الجزائري من الذين حملوا لواء النهضة العربية في أوائل القرن العشرين، ومن يقرأ سيرة تلامذته من أمثال محمد كرد علي ومحمد سعيد الباني وسليم البخاري وسليم الجزائري وعبد الحميد الزهراوي وشكري العسلي وعبد الوهاب الإنكليزي وفخري البارودي وعبد القادر المبارك يدرك مدى تأثير الشيخ طاهر بهم.‏

ومما يدل على بعد نظر الشيخ طاهر أنه حين حدث انقلاب في الدولة العثمانية عام 1327هـ/1909/ والذي قام به جماعة الاتحاد والترقي وقضوا به على عهد السلطان عبد الحميد الثاني وتسلموا حكم السلطنة فرح الناس وظنوا أنهم تخلصوا من حكم طاغية ومستبد وتبعهم في ذلك معظم رجالات العرب الذين أعلنوا عن فرحتهم بهذا الانقلاب.‏

جهود الشيخ طاهر في مصر:‏

خلال رحلة قام بها الشيخ طاهر إلى مدينة القدس علم أن رجال الأمن الأتراك قد فتشوا داره في دمشق فأخذ حذره وتوارى عن النظار فترة من الزمن كان خلالها يتنقل سراً مفكراً بالهجرة من بلاد الشام ، فوجد أخيراً أن خير بلد يهاجر إليه مصر، لبعدها عن قبضة الدولة العثمانية بعد أن كانت قد احتلتها بريطانيا منذ عام 1882م.‏

ونجح بالإفلات من قبضة مخابرات السلطة العثمانية عام 1325هـ/ 1907 م ووصل إلى القاهرة حاملاً معه ما استطاع حمله من كتب ومخطوطات نادرة، وأقام في بيت متواضع في حي عابدين، وكان يشتري بعض الكتب ويبيعها بربح بسيط ليعيش به.‏

وكانت تأبى عليه عزة نفسه أن يقبل أية معونة أو مساعدة، وكان يملك أنفس المخطوطات وربما كان بينها مخطوط وحيد في العالم، ومن ميزاته التي عرف بها أنه كان لا يبيع كتبه ومخطوطاته إلا لجهة يضمن فيها النفع العام، كالمكتبة التيمورية أو المكتبة الوطنية في القاهرة. وقد عاتب صاحب جريدة المؤيد لأنه بذل وساطة لدى الخديوي ليجري راتباً شهرياً للشيخ طاهر ليعيش منه. وقال له: «الأحسن يا أستاذ ألا تعرض نفسك لما قد يسود وجهك بسببي ولا حاجة بي إلى الرواتب ولا إلى الوظائف» .‏

كان الشيخ طاهر في مصر يقوم بتحرير بعض الصحف بأجر زهيد، وألف كتاباً في أصول الفقه ومصطلح الحديث، وعندما حدث الانقلاب الدستوري في الدولة العثمانية عام 1326 هـ/1908م وكان قد مضى حوالي سنتين على هجرته إلى مصر ثم أعقبه الانقلاب النهائي الثاني عام 1327هـ/ 1909م حيث أطاح الاتحاديون بالسلطان عبد الحميد الثاني وتسلموا الحكم، رفض العودة إلى دمشق فكان بعيد النظر حيث علم أن الحالة ستزداد سوءاً بوصول الاتحاديين إلى الحكم وباستبدادهم به حيث كانوا أشد سوءاً وأعظم خطراً من استبداد الفرد خاصة بما كانوا يحملونه من أفكار عنصرية وقومية طورانية ضيقة ومبادئ لا دينية لا تتفق مع ما كان يؤمن به الشيخ طاهر ويدعو إليه ولهذا استمر مقيماً في مصر، وربما لو أنه عاد إلى دمشق لكان في عداد الذين أعدموا في 6 أيار عام 1916 وكان معظمهم من تلاميذ الشيخ طاهر وحملة أفكاره.‏

أما عن أثر الشيخ طاهر الجزائري في مصر فيحدثنا عنه الأستاذ أنور الجندي فيقول: «والحق أن الشيخ طاهر الجزائري العملاق لم يكن قوي الأثر في هذه المجموعة من رجال الشام وحدها، ولكنه كان عميق الأثر في المجموعة التي عرفها وعاشرها في القاهرة خلال حوالي أربعة عشر عاماً أقامها في مصر. وقد ألهب وجدان من عاشره وخاصة الأحمدان، أحمد تيمور باشا، وأحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة، ليس بأسلوبه وحديثه فحسب لكنه بأسلوب عيشه ونظام حياته.‏

الخاتمة:‏

وكثيراً ما كان والدي الشيخ عبد القادر المبارك ـ رحمه الله ـ يحدثنا عن أستاذه الشيخ طاهر، ومما كان يذكره لنا حرص الشيخ طاهر على الوقت، ولهذا كان يغضب كثيراً ممن يخلف الموعد معه لأنه كان حريصاً على التوفيق بين حلقاته التي كان ينتقل بها بين بيت وجامع أو بين بيت وبيت، ولهذا كان لا يهتم بمظهره كثيراً فجبته كانت تحمل الكثير من بقع الطين في الشتاء ولا يريد من أحد ـ على كثرتهم ـ أن ينظف له جبته خشية التأخر بإعادته له عند عزمه على مغادرة الدار، وحتى الطعام فقد كان كثيراً ما يأكل مما يحمله في جيبه من الكعك أو الخبز وهو في طريقه بين حلقتين أو درسين. أما رفيقته الدائمة فهي مظلته التي كان يحملها صيفاً وشتاءً لتقيه وهج الشمس في الصيف ومياه الأمطار في الشتاء.‏

لقد كان الشيخ طاهر نموذجاً فريداً بين المعلمين والمربين والمفكرين والدعاة من رواد النهضة لدى شعوبهم، ويكفيه فخراً أن يقول فيه أحد كبار تلامذته وهو الأستاذ الرئيس محمد كرد علي أنه:«لولا ما قام به من التذرع بجميع ذرائع الإصلاح لتأخرت نهضة المسلمين في بلاد الشام أكثر من نصف قرن».‏

لقد غرس الشيخ طاهر الجزائري في تلامذته من الأخلاق ما نحن بأمس الحاجة إليه من الجرأة في الحق والبعد عن الرياء والمداهنة والنفاق، والحرص على التقيد بالمواعيد وعدم إضاعة الوقت، والتمسك بلباب الدين والبعد عن التعصب والجمود وحب الحرية والاعتماد على النفس والدعوة إلى الاقتباس من حضارة الغرب ما فيه فائدة للأمة والبعد عن اقتباس الفاسد من تلك الحضارة.‏

وأخيراً عاد الشيخ طاهر إلى دمشق فعين فيها مديراً للمكتبة الظاهرية التي كان قد أسسها، واختير عضواً في المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية اليوم) وذلك عام 1338هـ/1919م وتوفي في مطلع عام1339هـ/1920م بعد أربعة أشهر من عودته من مصر. ولم يتزوج في حياته قط لانشغاله بالعلم ومطالعة الكتب. ولقد نعاه تلميذه رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق الأستاذ محمد كرد علي بقوله:«فجمع مجمعنا العلمي لأول مرة منذ نشأته بعضو عظيم من أعضائه ومفخرة من مفاخر هذا الشرق وإمام نابغة بعلوم الدين والدنيا أستاذنا وحامل لواء المعارف في ديارنا الشيخ طاهر الجزائري» .‏

وحين أصدر الأستاذ كرد علي كتابه كنوز الأجداد بعد وفاة الشيخ طاهر بثلاثين عاماً أي عام 1950م لم ينس أن يهديه إليه فقال في الإهداء: إلى روح من أشرب قلبي حب العرب وهداني إلى البحث في كتبهم صدر الحكماء سيدي وأستاذي العلامة الشيخ طاهر الجزائري أهدي كنوز الأجداد.‏

بمثل هذا الأستاذ العظيم تفخر الأمم حيث أوجد جيلاً من رجال النهضة ما تزال آثارهم في مجال الثقافة والسياسة تملأ الصفحات فجزاه الله أحسن ما يجازي مصلحاً عن أمته، وأكثر الله من أمثاله في أمتنا ورحمة الله عليك يا شيخ الإصلاح والنهضة والتعليم في بلاد الشام.‏

 

مصادر البحث‏ :

*باحث سوري، وهذا البحث آخر ما صدر عنه قبل وفاته، رحمه الله تعالى.‏

 (1) وذلك بعد أن أخذت شاهدة القبر وكثر الاعتداء على القبور لغلاء ثمنها.‏

(2) من مقال الدكتور مازن المبارك في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية ـ العدد السابع 1993 م/1412هـ، ص189.‏

(3) محاضرات عن محمد كرد علي لشفيق جبري ص29.‏

(4) محاضرات محمد كرد علي لشفيق جبري ص29.‏

(5) مهرجان ذكرى مرور مائة عام على ولادة الأستاذ الرئيس، ص3.‏

(6) المصدر السابق، ص196.‏

(7) الشيخ طاهر الجزائري، للدكتور عدنان الخطيب، ص19.‏

(8) الشيخ طاهر الجزائري، للدكتور عدنان الخطيب، ص 24.‏

 

آخر التغريدات: