الأمير عبد القادر الجزائري من خلال كتاب «الرحلة الحجازية»

بقلم: عبد القادر خليفي-

الأمير عبد القادر هو زعيم المقاومة المسلحة ضد الغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830. حارب الاستعمارَ طيلة سبعة عشر عاماً (1832 ـ 1847). تولى القيادة بعد والده محيي الدين الذي كان قد قاد المقاومة قبله لمدة سنتين (1830 ـ 1832). دوَّخ الأمير فيها القواتَ الفرنسية الغازية المدربة والمسلحة أحسن تسليح. وهزمها في عدة معارك، وفرض على قادتها الاعتراف بسلطته وعقد الاتفاقيات معه، كمعاهدة دي ميشال سنة 1834 ومعاهدة التافنة سنة 1837.

وبعد صراع طويل بين قوى غير متكافئة اضطر الأمير أمام الظروف الصعبة التي لقيته داخلياً وخارجياً إلى التوقف عن المقاومة ووضع السلاح أمام الجنرال لامويسيار والدوق دومال Duc d'Aumale ابن الملك الفرنسي آنذاك في شهر ديسمبر من سنة 1847. وحملته الباخرة الفرنسية إلى فرنسا بدل السماح له بالاتجاه إلى المشرق حسب طلبه الذي وافق عليه ممثلو السلطات الاستعمارية. وأطلق سراحَه نابليون الثالث سنة 1852، فاتجه إلى بروسة بتركيا ومنها إلى دمشق حيث بقي هناك إلى أن وافته المنية سنة 1883.

أما كتاب «الرحلة الحجازية» لمحمد السنوسي الذي نحن بصدد تصفح بعض محتوياته، والذي سنعتمده في هذه المقالة، فيشتمل على ثلاثة أجزاء، تعرض مؤلفه في الجزء الثالث منه لترجمة الأمير عبد القادر، وذلك في ستة وثلاثين صفحة، من صفحة 178 إلى 224 من الكتاب المحقق من قبل علي الشنوفي والصادر سنة 1978 عن الشركة التونسية للتوزيع. استهله المؤلف بصورة مكبرة للأمير عبد القادر وهي الصورة المعروفة عنه؛ حيث يظهر وهو واقف (ببرنوسه) الأبيض وصدره مزين بنياشين متعددة على الشق الأيمن من صدره.

وتشتمل المفردات المخصصة للأمير في هذه الرحلة على ما يلي:

ـ ترجمة الأمير عبد القادر الحسَني.

ـ بيعة العروش والقبائل للأمير عبد القادر الحسني.

ـ حروب الأمير عبد القادر ضد الجيش الفرنساوي.

ـ عود إلى ترجمة الأمير عبد القادر الحسني.

ـ حماية الأمير عبد القادر الحسني لنصارى سكان جبل لبنان عام 1860.

ـ مؤلفات الأمير عبد القادر.

ـ كتاب من محمد بيرم الخامس إلى الأمير عبد القادر للتعريف بالمؤلف.

ـ منزلة الأمير عبد القادر الحسني لدى أهل دمشق.

ـ اجتماع المؤلف بالأمير عبد القادر الحسني.

ـ عود إلى ترجمة الأمير عبد القادر الحسني.

ـ مرثية المؤلف للأمير عبد القادر الحصني.

ففيما يخص العنصر الأول استهله محمد السنوسي بذكر سلسلة نسب الأمير قائلاً: «هو الشيخ محمد عبد القادر بن محيي الدين بن مصطفى... إلخ»، ذاكراً اتصال نسبه بالقطب الجيلي، ثم بسيد الكونين عليه الصلاة والسلام([1]). مبيناً شرف هذا النسب العريق، وعلى خِصيِّصيّة هذا البيت بمشيخة الطريقة القادرية بمدينة معسكر ببلاد الجزائر، وتميّز أفراده بالعلم والصلاح والجهاد في سبيل الله.

وفي العنصر الثاني تحدث عن البيعة فبين الظروف المحيطة بها والأسباب الداعية إليها وبيان ما اتفق عليه من قبل أهل الحل والعقد([2]).

وفي العنصر الثالث تحدث المؤلف عن حروب الأمير عبد القادر في مواجهة الجيش الفرنسي فبدأ بمعركة مضيق سيدي مبارك التي حدثت في شهر ديسمبر من سنة 1835 والتي كان يقودها عن الجانب الفرنسي الجنرال كلوزيل، ثم استيلاء الفرنسيين على مدينة معسكر. وتحدث عن معركة تلمسان واستيلاء الأمير عليها رغم وقوف جماعة الكراغلة ضده، والذين مالوا إلى جانب غريمه المزاري من قبيلة الدواير، الذي كان انضم بقبيلته إلى الفرنسيين؛ ثم اضطرار الأمير إلى ترك تلمسان أمام قوة الفرنسيين ومن والاهم (الكراغلة والدواير). ثم مهاجمة الأمير لمدينة وهران وانتصاره على القوات الفرنسية التي كان يقودها الجنرال تريزيل، ومسيرته نحو الشرق مروراً بالمدية التي استولى عليها. وعند عودته اعترض طريقه تريزيل وجرت معركة المقطع سنة 1836، التي كانت نصراً مؤزراً للأمير وكان من نتائجها استعادة مدينة معسكر. ثم تعرض لعقد معاهدة تافنا في ماي من سنة 1837، بعد أن فشل بيجو في الانتصار على الأمير عبد القادر، مما جعل هذا الأخير يمتلك ثلاثة أرباع الأراضي الجزائرية.

وتحدث عن سيادة ابن في البلاد مما جعل الأمير يتجه إلى عين ماضي سنة 1838 ويستولي عليها بعد انسحاب شيخها محمد الحبيب بن الشيخ التيجاني.

كما ذكر المؤلف ما قام به الفرنسيون من نقض لمعاهدة تافنا سنة 1839 وعودة الفريقين الجزائري والفرنسي إلى التقاتل والحرب، ووصول الأمير إلى مشارف العاصمة، ثم تقهقره أمام قوة الفرنسيين، وانضمام مصطفى بن إسماعيل ابن أخ المزاري السابق الذكر للفرنسيين، وهو أحد زعماء قبائل الدواير، مما أضعف من قوة الأمير وشد من أزر أعدائه.

ثم تحدث عن تحركات الأمير الكثيرة وتنقلاته العجيبة من مكان لآخر وغزوه للقبائل التي انضمت للفرنسيين، وفشل القوات الفرنسية وأعوانه في ملاحقته.

ويذكر المؤلف أن الأمير اضطر إلى الالتجاء إلى المغرب الأقصى سنة 1843 لشدة محاربة الفرنسيين له ورفض السلطان المغربي مساعدته، بل إنه عمل على محاربته. وتعرض المؤلف لإحدى رسائل الأمير الموجهة إلى علماء مصر يستفتيهم فيها عن مسألة تدعيم سلطان المغرب للعدو الفرنسي، ثم خروجه من الأراضي المغربية مما أدى به إلى إلقاء السلاح والعودة إلى الجزائر في 22/12/1847 الموافق لسنة 1264هـ.

وفي العنصر التالي تحدث عن كيفية نقل الأمير إلى فرنسا بدلاً من تحقيق طلبه بالتوجه إلى المشرق،  وبقائه فيها إلى سنة 1852، حين أذن له الإمبراطور نابليون الثالث بالذهاب نحو بروسة بتركيا ومنها إلى دمشق حيث حظي باستقبال يليق بمقامه في كل من تركيا وسوريا.

ويذكر المؤلف الدور الذي قام به الأمير بحمايته للنصارى حين وقعت الفتنة بينهم وبين المسلمين في جويلية من سنة 1860، وآوى إلى بيته وفي القصبة الآلاف منهم، ووقف هو وأتباعه على حراستهم.

أما عن مؤلفات الأمير فيتحدث عن رسائله الكثيرة في أحكام الجهاد والهجرة وأجوبته الارتجالية في أذواق الصوفية ـ ويقصد به كتاب «المواقف في التصوف والوعظ والإرشاد» ـ، ويأتي بإحدى قصائد الأمير حول معركة خنق النطاح، وهي تتكون من أربعة وأربعين بيتاً، كما يأتي بقصيدة أخرى حماسية في مدح البادية وهي في ست وثلاثين بيتاً وأخرى في الفخر، كما تحدث عن ابنيه: الكبير محمد باشا الذي ألف كتاب جياد الخيل تحت اسم «عقد الأجياد في الصافِنات الجياد»، وولده الثاني محيي الدين باشا الأديب الشاعر الذي قرظ كتاب شقيقه هذا.

كما بسط لنا المؤلف رسالة حملها إلى الأمير وهي من قبل بيرم الخامس([3]) من تونس يتشوق فيها إليه ويوصيه بمحمد السنوسي حامل الرسالة خيراً، على أنه من أفاضل جامع الزيتونة.

وذكر أن أهل دمشق يقدرون الأمير أحسن تقدير ويسمونه بـ«السيد الأمير». كما ذكر أن هذا الأخير قد خصه ببيت كبير يستعمله للاجتماع مع الناس وببيت آخر بالعلو للنوم.

كما تحدث عن لقائه بالأمير في دمشق التي دخلها في صفر من سنة 1300هـ الموافق للتاسع من شهر سنة 1883، وأن الأمير رحب به وببعض العلماء ترحيباً كبيراً وخصه ببعض الأسئلة عن أهله وبلده تونس وعن راحته في نزوله.

ويصف المؤلف الأمير بصفات حميدة من «سعة العلم والأدب والصلاح والخيرية وسعة الفضل وكرم النفس والشجاعة ورغد العيش وطول اليد ونفوذ الكلمة وبرور الأبناء مع حسن الأخلاق العذب المذاق»([4]).

وفي الأخير يُظهر تدهور صحة الأمير وهرمه إلى أن أدركته المنية في الثامن عشر من شهر رجل سنة 1300هـ الموافق للسادس والعشرين من شهر ماي سنة 1883م.

ويختم كل ذلك بمرثية له في الأمير عبد القادر أرسلها إلى أبنائه بعد أن بلغه خبر وفاة والدهم، والقصيدة تتكون من تسعة وعشرين بيتاً مطلعها:

نبأ بأسهُمِه أصابَ حناجِري

 

وأفاضَ سيلاً من دموعِ محاجِري

واندكّ طودُ الصبرِ منه وقد عفا

 

رَسْمُ الحُلوم فلم نجِدْ مِن جابِر

والناسُ في هَرْجٍ طَغى ثيارُهم

 

من روعِ فقدِ الغرمِ عبدِ القادر([5])

نقد وتعليق

الكتاب هذا عبارة عن تقاييد رحلة قام بها صاحبها في نهاية القرن التاسع عشر، وبالتالي فالمؤلف يتحدث عن أشياء عايشها ورآها في أغلب الأحوال، وهو يتتبع الأحداث بحسب معايشته لها.

وهو يشتمل على مباحث متعددة، كل عنوان يدل على حدث محدد أو قصيدة شعرية أو تعريف بشخصية أو غير ذلك. أي أنه ليس كتاباً أكاديمياً يشتمل على أبواب وفصول ومباحث ومطالب... إلخ، لأنه كتب في القرن التاسع عشر فلا مجال إذن لأن يُخضِع المؤلف كتابه لمثل هذه المنهجية الحديثة.

أما عن اللغة التي قُدِّم بها الكتاب فهي لغة سليمة؛ وإن كان يغلب عليها أسلوب القرن التاسع عشر لما فيه من استطراد حيناً ومدح مبالغ فيه حيناً آخر، واستعماله لكلمات ومصطلحات ذلك العصر مثل: «المحلة» ويقصد بها القطعة من الجيش، و«الفرنسوية» و«الفرنساوي» بدل المصطلح المعاصر: الفرنسية والفرنسي، واستعمال كلمة «المراحل» لتحديد المسافات بدل الكيلومترات، وكلمة «النصارى» بدل المسيحيين أو الأوربيين، واستعماله التاريخ الهجري في أكثر فقرات الرحلة. يذكر عبد الله العروي عن مصطلحات القرن التاسع عشر أنه عندما شرع في قراءة وثائق القرن التاسع عشر كان لا يرى «فرقاً بين الجهاد والوطنية، فلما صادف الكلمة فهم منها تلقائياً الدفاع عن حوزة الوطن».

ويواصل في السياق نفسه: «بدأت بفهم المخزن في ضوء مفهوم الدولة المعاصرة، والعامة في ضوء الجماهير، والخاصة في ضوء النخبة، والشرف في ضوء النبل، والحرفة في ضوء النقابة، والزاوية في ضوء الحزب السياسي»([6]).

أي أن لكل عصر مميزاته ومصطلحاته؛ والمعروف أن اللغة في حركة دائمة، وهي في اندفاع لا أحد يمكنه إيقافها ووضع القيود والمعايير في طريقها، كما أنه لا قدرة لأحد على مخالفتها أو الخروج عن مقتضى التوافق معها، ولا يمكن اعتبار هذا التغير إلى الأحسن أو إلى الأسوأ، لكن المهم أن اللغة تؤدي دورها الاجتماعي بين الناطقين بها([7]).

أما فيما يخص الحديث عن الأمير عبد القادر فقد حاول المؤلف أن يرتب حديثه بتتبع ترجمته تاريخياً، بالتعريف بنسبه وببيعته فحروبه ثم نقله إلى فرنسا ومنها إلى المشرق، وأخيراً اجتماع المؤلف به في دمشق. إلا أنه أدخل بعض الأحداث داخل سيرة الأمير لا علاقة لها بها، منها مثلاً: «ثورة محمد بن الطاهر الكبلوتي»، ومنها « نظرية المؤلف في اختيار الأمراء والوزراء»، ومنها «سفر المؤلف من دمشق إلى بيروت»؛ فكان حرياً بالمؤلف أن يخصص لهذه الأحداث مباحث أخرى غير هذه.

وعن ترجمة الأمير تحدث المؤلف عن نسبه وعمن اشتهر من أسلافه القريبين، وانتقل مباشرة إلى بيعته وحروبه... إلخ. ولكنه أغفل الحديث عن الفترة التي سبقت مبايعته وهي النشأة والدراسة والعوامل المؤثرة فيه... إلخ. وبذلك جاءت ترجمة المؤلف للأمير ناقصة غير كاملة، وكان بإمكانه الحصول على ذلك من الأمير نفسه أو من أبنائه خلال مكوثه بدمشق.

وعن المصادر والمراجع التي اعتمدها المؤلف في تحرير كتابه ليست هناك دلالات واضحة ما عدا بعض الإشارات، من ذلك قوله:

«وعندما أخذت بالإياب قراري، تعاطيت جمع ما وعته أسفاري...»([8]) وبعد أن يذكر ظروف احتجاز تقاييده ثم استعادَتِها فيما بعد، يضيف: «فما كان مني إلا أني راجعت ما إليه رجعت، وتعاطيت ما بذل من الهمة ما استعطت في جمع ما انتثر من تقاييد هذا الأنموذج المعتبر، وصيرتها إلى تأليف نستحسن موقعه في هذه العصور، وإن لم يخل باع جامعه من القصور، جمعت فيه ما شاهدته من الآثار مشروحة الأصول بما يفيد الاعتبار»([9]). أي أنه اعتمد على ما جمع في رحلته ولم يبين لنا إن كان قد اعتمد على كتب ومؤلفات أخرى ساعدته على مؤلفه هذا.

وفيما يخص نصوص البيعة يذكر مراجعه في قوله: «نورد هنا منها (بيعة العروش والقبائل) ما أمكنني الوقوف عليه من نصوص البيعة بخطوط أيدي أصحابها وهذا نصها...»([10]) ويقدم مجموعة من النصوص التي أمضى عليها مختلف أعيان القبائل آنذاك.

أما من الجانب الشكلي فيستعمل المؤلف لقب الحسَني ـ بدل الجزائري مثلما هو متداول في العصر الحاضر ـ كلما ذكر اسم الأمير عبد القادر، وذلك في نهاية الاسم، وهي نسبة الأمير إلى جده الأعلى الحسن بن علي بن أبي طالب دون شك. وهو تشريف للأمير بهذه النسبة التي تربطه بأحد سبطي النبي صلى الله عليه وسلم (الحسن والحسين). وقد اطلعنا على بعض رسائل الأمير فوجدناه يذيل رسائله بهذا اللقب أحياناً (المخلص عبد القادر الحسني)، منها رسالتاه إلى كل من الوزير التونسي خزندار وخير الدين المؤرختين بسنة 1872 يستوصي فيهما خيراً بالمقرانيين([11]).

ومن الأمور الشكلية تسمية مدينة معسكر عاصمة الأمير بتسميتين أوردهما المؤلف ضمن كتابه، أولهما أم العساكر التي وردت في الصفحة 188، وأم عسكر التي وردت في الكتاب أربع مرات([12]). بينما نجد تسميتها في كتاب محمد بن الأمير صاحب كتاب تحفة الزائر، ترد على الشكل نفسه الذي تتسمى به المدينة حالياً وهو معسكر، لأن هذا الكتاب هو المصدر المرجع لكل ما يكتب عن الأمير عبد القادر. فمن أين لهذا الكاتب بهذه التسمية، ولعل التفسير الوحيد هو رغبة المؤلف في إعادة التسمية إلى اللغة الفصحى؛ إلا أن الأمر لا يتطلب هذا التحويل، إذ يجب إبقاء على التسميات على حالها مهما كان الحال، إلا إذا كانت المسألة تتعلق بمناقشة مصدر الكلمة اشتقاقاتها وأصولها اللغوية. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها البعض هو نطق بعض الكلمات العامية بالإعراب إذا ما وقع الاستشهاد بها في حال الكلام وبالخصوص في حالة الشعر الشعبي، إذ إن إعادة الكلمة إلى أصلها الفصيح يخل بالوزن الشعري وبالنغم الذي يعطي الشعر خصوصيته.

وبخصوص المحتوى نجد المؤلف عند حديثه عن حروب الأمير ينتقل مباشرة إلى ذكر معركة سيدي مبارك في ديسمبر 1835، حين كان تريزيل يقود الجيش الفرنسي والذي استولى إثر ذلك على مدينة معسكر. وكلوزيل هذا هو الذي عينته الحكومة الفرنسية في أوت من سنة 1835 خلفاً للضابط تريزيل الذي كان الأمير هزمه في معركة سيق وبعدها في معركة المقطع في جويلية من السنة نفسها.

وبذلك أهمل المؤلف أهم المعارك السابقة لهذه المعركة مثل معركة خنق النطاح الأولى والثانية ومعركة برج راس العين واتفاقية دي ميشيل. كما أن المؤلف لم يتعرض لواقعة سقوط عاصمة الأمير «الزمالة» بأيدي الفرنسيين في 16 من شهر ماي سنة 1843، وهي من الأحداث التي كان لها وقع سيء على تاريخ الأمير؛ بل هي من أخطر الضربات التي وجهت للمقاومة الوطنية آنذاك وأشدها ضرراً، يقول عنها ابنه محمد: «وبالجملة فإنها (واقعة سقوط الزمالة) كانت من أعظم الوقائع التي لا تؤدي العبارة تفصيلها ولا يُدْرِكُ اللسان تحصيلها...»([13]).

ويذكر المؤلف أن «ولد الأمير محيي الدين باشا وهو أديب شاعر أيضاً ألف في التعريف بوالده كتاباً مُهماً ذكر فيه جميع أحوال والده وأطواره ومدائحه ومقاماته وأسفاره على وجه استوفى به جميع الغرض»([14]). ويضيف: «هكذا أخبرني أخوه وابن عمه». وكأني به يقصد هنا كتاب «تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر» لصاحبه محمد بن الأمير وليس محيي الدين كما يقول. وهكذا وقع المؤلف في خطأ ثابت بنسبته كتاب محمد بن الأمير عبد القادر لأخيه محيي الدين. وهو لم يطلع على الكتاب ولكن قيل له فحسب، فلا مجال للشك في وقوع الخطأ من قبل المؤلف.

وعن قضية المعارضة التي لقيها الأمير يشير المؤلف إلى أن بعض أفراد عائلة الأمير قد «أبوا المبايعة وعلى الخصوص شيعة عمه علي أبي طالب، فإنه كان يتصدى لمقاومته، ولاقى الأمير من شقاق عائلته ما أفسد عليه كثيراً من الأعمال...»([15]) بينما لا نجد لذلك ذكراً في كتاب محمد بن الأمير «تحفة الزائر»، والذي يذكر مثلاً أنه «اجتمع أشرافهم وعلماؤهم وأعيانهم وتداعَى صغيرهم وكبيرهم وخيموا بوادي فروحة من غريس عند شجرة الدردارة، وجاء سيدي الجد في بنيه وأقاربه وذويه... إلخ»([16]) ويواصل صاحب هذا الكتاب فيذكر أنه بعد مبايعة محيي الدين لولده عبد القادر، «قام عمه سيدي الجد لأمي علِي أبي طالب (كان صهراً للأمير) وبايعه وكذا الإخوة وسائر القرابة ثم الأشراف والعلماء والأعيان والرؤساء.. إلخ»([17]) وأن جماعة من الأعيان المشاهير كتبوا على صك المبايعة «ما يؤذن بحضورهم للبيعة وشهادتهم على أنفسهم وعلى سائر من حضرها؛ فكتب العلامة سيدي الجد للأم عم الأمير شقيق والده السيد علي أبي طالب بن مصطفى بن المختار ما نصه: الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله. بعد انعقاد البيعة للإمام المعظم والأمير الجليل المفخم ابن أخينا السيد عبد القادر بن محيي الدين أحيا الله بهما الدين وأعانهما على القيام بأمور أهله ودمر بهما الكفرة أولي العناد، وأهْلك بسطوتِهما أهل البغي والفساد. بايعناه على السمع والطاعة وامتثال الأمر ولو في ولد الواحد منا أو نفسه، وقدمنا نفسَه على أنفسنا وحقه على حقنا، وإني أوصيه بتقوى الله وطاعته في السر والعلانية.. إلخ»([18]).

ومن جهة أخرى فإن الأمير لما تمت بيعته «واستقام له الأمر اتخذ الآلة ورتب الحاشية وعين رجال الدولة، فاستوزر محمد بن العربي واستكتب ابن عمه السيد أحمد بن علي أبي طالب»([19]) في أول حكومة أقامها.

ويذكر صاحب كتاب تحفة الزائر دائماً ـ ابن الأمير ـ تهنئة عمه أبي طالب بعد معركة المقطع التي انتصر فيها الأمير على جيش الفرنسيين بقيادة الجنرال تريزيل في جويلية من سنة 1835 في قوله: «وكان عمه، سيدي الجد، علي أبي طالب، قدم إليه، ثاني يوم المقطع، قصيدة تهنئة يقول فيها:

هنيئاً لك البشرى، نُصِرتَ على العِدَى

 

ودمَّرْتَ جيشَ الكفرِ، بالقتلِ والخَسْفِ

وحُزتَ مقاماً، دونَه كلُّ باسلٍ

 

يرى الحربَ، ميدانَ الخلاعةِ والقَصْفِ

بجيشٍ عظيمٍ، قد تفرَّدَ في الوغى

 

له سطوةٌ عزَّتْ، وجَلَّتْ عن الوَصْف»([20])   

ويذهب أكثر من ذلك حين يذكر أن أبا طالب عم الأمير هو الوحيد الذي بقي إلى جانبه ذات يوم في إحدى معاركه (معركة حرش مولاي إسماعيل) ويقول: «ولم يبق مع الأمير سوى عمه، سيدي الجد للأم، السيد علي أبي طالب، وهذه النادرة الاتفاقية ذكرتني ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حين تفرقت جيوشه حتى المهاجرين والأنصار ولم يبق معه سوى عمه العباس آخذاً بلجام بغلته صلى الله عليه وسلم التي كان راكباً عليها يومئذ»([21]).

وعندما عَرَض الأمير أمر الصلح مع الفرنسيين، فيما سيسمى بمعاهدة تافنا (1837)، حدث اختلاف في المجلس الذي جمعه الأمير، بين معارض لعقد الصلح ومؤيد، تدخل عمه علي أبو طالب مؤيداً لفكرة الأمير بعقد الصلح وذلك في خطبة سجلها محمد ابن الأمير في كتابه المعروف. فبعد أن يذكر تسلط الفرنسيين على البلاد واضطراب الأمر يضيف قائلاً: «...فأظهر الله تعالى بلطفه، بدر الدين ومؤيد كلمة المؤمنين ابن أخي هذا، السيد عبد القادر بن محيي الدين، فبذل الجهد في الذب عن الدين والوطن وأتى في ذلك من العجائب والغرائب ما هو به قمِن، فكم من حروب أضرمها وكم من كروب أزالها عن المسلمين وأطفأ أوارها... فالنظر أيها السادة، إنما هو للإمام لا لغيره، وكيف تذهبون إلى أن عدم قبول الصلح أولى من قبوله! مع علمكم بقلة الأنصار والأعوان وكثرة المشاغبين والمفسدين في الأقطار والأوطان...!»([22]).

وبعد انتهاء عمه من الخطبة هذه اقتنع القوم بفكرة عقد الصلح واتفقت كلمة الجميع على ذلك ورأوا أن فيه مصلحة كبرى للأمة. فموقف كهذا من عم الأمير، وهو في أدق المواقف، من أكبر الدلائل على وقوفه إلى جانبه وليس ضده، فأين هي العداوة والمعارضة بين الرجلين!

والمؤرخ الفرنسي المعاصر برينو إيتيان Bruno Etienne في كتابه «عبد القادر» يذكر أنهم «كلهم هنا جالسين على شكل دائرة تحت سقف الخيمة التي كانت تعقد فيها الاجتماعات: أعمامه وأخوته وبعض عمومته، بنو طالب وبنو تامي الذين جلسوا في المقدمة لأنهم يعتقدون في مرتبتهم العائلية المتميزة، ولأنهم لم يفهموا جيداً كل ما كان يشعر به ابن محيي الدين...»([23]).

إذن فمبايعة عمه ثابتة بعد والده محيي الدين مباشرة، وتعيين ابنه أحمد كاتباً في حكومته، ووجود عمه معه في ميادين القتال وتأييده له في المواقف الحرجة، تدل كلها على وقوف العائلة معه وليس ضده، وهي من الشواهد التي تثبت عكس ما قال صاحب الرحلة. فأين هي الحقيقة ومن أين جاء المؤلف بهذا الخبر؟ لقد فهم عم الأمير أن تآلف الأسرة وتكاتفها من أولويات العمل الناجح في ذلك الحين وفي تلك الظروف، ولذلك كان حاضراً في كل الظروف وكان الفيصل في المواقف. لقد كان يرى أنه في مكانة والد الأمير، بعد وفاة محيي الدين الوالد، الذي كان يمثل مستشار الأمير ودليله. وإلى جانب رابطة العمومة التي تربط بين الرجلين كانت رابطة المصاهرة رابطة أخرى تجمعهما ولا تفرقهما، لأن زوجة الأمير هي ابنة عمه علي أبو طالب، والتي بقيت إلى جانبه رغم تخيير الأمير لها بين البقاء معه أو مفارقته لأنه سينشغل عنها لمصالح الأمة، فكانت نعم الزوجة الوفية والصاحبة الأنيسة.

وإلى جانب كتاب محمد بن الأمير فإن الكتابات الأخرى لا تذكر شيئاً من ذلك، وبخاصة مذكرات الأمير وكتاب تشرشل الذي عاصر الأمير.

أما مذكرات الأمير عبد القادر فقد جاء فيها ما يلي: «فانعقدت البيعة وقتئذ يوم الأربعاء آخر شعبان سنة ثمان وأربعين ومئتين وألف، وخطب له على المنابر، ورضي به الصغير والكبير والجليل والحقير... فأذعنت له الأعراش وجاءته الوفود بالهدايا من كل ناحية... وانضم الشمل واجتمعت الكلمة بأم عسكر، وتعينت دار إمارة في جميع الأرجاء القريبة واستمع أهلها للأمر والنهي...»([24]).

أما شارل هنري تشرشل صاحب كتاب «حياة الأمير عبد القادر»، والذي لقيه وتحاور معه طيلة خمسة أشهر في شتاء 1859 ـ 1860، فيذكر في الفصل الثاني([25]) أن الأمير «بدأ يتقبل البيعة من النبلاء والرؤساء الذين تجمعوا حوله، وقد ارتفعت أصوات عالية من المجلس كله مرددة: الحياة والنصر لسلطاننا عبد القادر». وفي الفصل الثالث يذكر أن الظروف التي عُيِّن فيها الأمير سلطاناً قد أثارت مشاعر الخصام بدل القضاء عليه، وذكر عدة أمثلة عن ذلك كسيدي العريبي قائد قبيلة فليتة والغماري قائد قبيلة أنجاد ومحمد بن نونة حاكم تلمسان من قبل سلطان المغرب ومصطفى بن إسماعيل الذي «عبر عن تقززه من تقبيل يد ولد ما يزال أمرد، حسب تعبيره»([26]).

ويقول في مكان آخر إن الأمير «شعر أن الغيرة والتنافس الذين يحوطان به لا يمكن القضاء عليهما إلا بخوض المعركة، وأن كل الصعوبات الداخلية ستنتهي أمام النجاح..»([27]) ولم يذكر تشرشل أي شيء عن الخصومة داخل أسرة الأمير مثلما ذكر مؤلف الرحلة.

يتبين من هذا كله أنه كانت هناك معارضة من قبل بعض الزعماء لسلطة الأمير عبد القادر، ومرجع ذلك أن هؤلاء رأوا أن نفوذهم سيتقلص إذا ما خضعوا له، ولذلك حاولوا التصدي له بوسائل مختلفة، منهم رؤساء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية، وذلك حفاظاً على مكاسبهم ومراتبهم في السلطة والجاه، إلا أن دعم عائلته له كان ضرورياً جداً لمواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، فكيف إذن كانت هذه المعارضة من داخل بيته وبين بني عمومته!

ويخطئ المؤلف في تاريخ وفاة الأمير إذ يقول: «...إلى أن أدركته المنيةليلة السبت الثامن عشر من رجب الأصبمّ ثلاث عشرة مائة الموافق للسادس والعشرين من مايه الأفرنجي سنة 1883 مسيحية». بينما يقول محمد بن عبد القادر الجزائري في التحفة، وهو المصدر الأصلي لكل ما يختص بحياة الأمير، كما ذكرنا ذلك سابقاً، إن الأمير توفي «ليلة السبت التاسع عشر من رجب سنة 1300 والرابع والعشرين من أيام سنة 1883»([28]). وهو كما نرى اختلاف في الأيام فحسب.

الخلاصة:

لقد اشتهر عن المغاربة تَوْقهم إلى المشرق حيث منبع النبوة ومواقع الأماكن المقدسة؛ أي أن دوافعهم كانت روحية «بهدف الحج إلى الأماكن المقدسة، على أن الحاجَّ قد يتجاوز هذا الهدف الأساسي... ويفضي به الترحال إلى أماكن بعيدة..»([29]) ومحمد السنوسي هذا زار بالإضافة إلى الحجاز، كلاً من إيطاليا وتركيا وسوريا ولبنان ومصر ومالطة ثم عاد إلى بلدة تونس. فقيّد مشاهداته وملاحظاته، وتعرض خلال ذلك إلى كثير من المسائل وترجم لبعض الشخصيات وتحدث عن بعض العلوم والمخترعات. ومنها حديثه عن الأمير عبد القادر وذلك خلال وجوده بدمشق عاصمة سوريا في السنوات الأخيرة من عمر الأمير.

وأخيراً يمكننا القول إن مثل هذه الرحلات تحوي بين سطورها معلومات كثيرة يمكن الاستفادة منها في مختلف المجالات، إلا أن ذلك لن يكون إلا بعد تمحيص وحذر. وقد فتحت لنا هذه الرحلة مجالاً للدراسة والمناقشة والتعليق، وذلك ما تمكنا من ذكره آنفاً.


المصادر والمراجع:

* أستاذ محاضر بقسم التاريخ بجامعة وهران.

([1]) محمد السنوسي، الرحلة الحجازية، الجزء الثالث، تحقيق علي الشنوفي، الشركة التونسية للتوزيع، تونس 1978، ص179.

([2]) نفسه، ص: 181.

([3])  بيرم الخامس من أعيان تونس، عين سنة 1874 لإدارة جمعية الأوقاف في عهد خير الدين، وقد توفي بمصر سنة 1889.

([4]) محمد السنوسي، ص: 219.

([5]) محمد السنوسي، ص: 219.

([6]) عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، الجزء الثاني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1992، ص: 249.

([7])  ينظر محمد عيد، المستوى اللغوي، دار الثقافة، القاهرة 1981، ص: 29.

([8])  محمد السنوسي، الرحلة، الجزء الأول، ص: 42.

([9]) نفسه، ص: 43. تعرضت وثائق المؤلف للاحتجاز ومنها تقييداته هذه، وذلك سنة 1885 على إثر تزعمه لحركة احتجاجية ضمت حوالي ثلاثة آلاف متظاهر ضد الحماية الفرنسية، وقد نفي هو إلى مدينة قابس بالجنوب التونسي.

([10]) نفسه، الجزء الثالث، ص: 181.

([11]) يحيى بو عزيز، كفاح الجزائر من خلال الوثائق، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1986، ص: 357 و359 على التوالي. والمقرانيون هم الثوار الجزائريون الذين قاوموا السلطة الفرنسية سنة 1871 بزعامة الحاج أحمد المقراني بمساعدة الشيخ الحداد، وقد لجأ بعضهم إلى تونس بعد القضاء على حركتهم في الجزائر.

([12]) نفسه، ص: 179 ـ 89 ـ 190 ـ 193.

([13]) محمد بن عبد القادر الجزائري، تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، الجزء الأول «سيرته السيفية»، المطبعة التجارية، الإسكندرية 1903، ص: 280.

([14]) محمد السنوسي، ج الثالث، ص: 213.

([15]) نفسه ص: 188.

([16]) محمد بن الأمير عبد القادر، المصدر السابق، ص: 96 و97.

([17]) نفسه، ص: 97. والمعروف أن زوجة الأمير هي ابنة عمه علي أبي طالب.

([18]) محمد بن الأمير عبد القادر، المرجع السابق، ص: 99.

([19]) نفسه، ص: 103.

([20]) محمد بن عبد القادر، ص: 156.

([21]) نفسه، ص: 151.

([22]) محمد بن عبد القادر الجزائري، تحفة الزائر، ص: 176.

([23]) انظر: Bruno Etienne. Abd El Kader, Hachette, 1994. p/131.

([24]) مذكرات الأمير عبد القادر، تحقيق محمد الصغير بناني ومحفوظ سماتي ومحمد الصالح الجون، شركة دار الأمة، الجزائر 1998، ص: 142.

([25]) شارل هنري تشرشل، حياة الأمير عبد القادر، ترجمه وقدم له وعلق عليه الدكتور أبو القاسم سعد الله، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الجزائر 1982 ص: 57.

([26]) شارل هنري تشرشل، ص: 61.

([27]) نفسه، ص: 64.

([28]) محمد بن عبد القادر الجزائري، تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر، شرح وتعليق ممدوح حقي، دار اليقظة العربية، بيروت 1964، ص: 857.

([29]) إسماعيل العربي، تاريخ الرحلة والاستكشاف في البر والبحر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1986، ص: 7.

 

آخر التغريدات: