ضوابط المنهج الباديس للتغيير الاجتماعي

بقلم: محمد العلمي السائحي-

ما من مجتمع إلا ويحتاج إلى تغيير باعتبار أن التغيير هو وسيلة المجتمع وأداته للتحول من وضع إلى آخر، واستبدال واقع أفضل وأمثل، بآخر أردأ وأرذل، والتغيير هو المعبر الرئيس لأي نهوض حضاري يطمح إليه المجتمع، وهو سنة كونية تقف وراء كل ما يطرأ على المجتمعات من تحولات سواء إلى الأصلح المفيد، أو الأقبح المبيد..

كما أن التغيير لكي يكون إيجابيا، لابد أن تحكمه ضوابط تضمن له أن يتجه مساره نحو الأهداف والغايات التي حددت له، كما تكفل لعملية التغيير السير بوتيرة ثابتة وعدم التوقف رغم كل العوائق، وهذا يقتضي أن يخضع التغير الاجتماعي المرغوب، إلى منهج شامل يأخذ بعين الاعتبار خصائص المجتمع موضوع هذا التغيير، وما يتوفر عليه من إمكانيات مادية، وطاقات بشرية، وكفاءات علمية، وما يقبل تغييره وما يرفضه، وما يجب تغييره ضرورة، وما يمكن تأجيله حتى تتهيأ النفوس لتقبله، كما ينبغي احتساب العوائق والاعتراضات التي تعترض هذا التغيير على الصعيدين الداخلي والخارجي، حتى يتم الاستعداد لمواجهتها والتعامل معها، حتى لا تتسبب في عرقلة عملية التغيير أو توقيفها، وأما ما يطرأ على المجتمع من تحول بفعل الكوارث الطبيعية، أو الأزمات السياسية، أو الحروب فلا يعد تغييرا وإنما هو تغير، بدليل أنه يفرض على المجتمع أوضاعا غير مرغوب فيها، مثلما حدث للجزائر حينما غزتها فرنسا عسكريا وقامت باحتلالها، فوجد المجتمع الجزائري نفسه في وضع جديد لا يرغب فيه، أو ما حدث لبلاد الصومال في العصر الحالي، التي تقوضت أركان دولتها، وتمزقت أوصال مجتمعها، بفعل الأزمة السياسية التي عصفت بها، ثم لابد أن تكون هناك دواع قوية للتغير حتى نضمن استعداد المجتمع لتقبله والمساهمة فيه، وتحمل ما يفرضه من تضحيات. هذه الضوابط والاعتبارات كلها قد انتبه إليها ابن باديس - عليه رحمة الله - لما وضع منهجه الإصلاحي لتغيير المجتمع الجزائري، والتحول به من وضع المجتمع المحتل الذي صودرت حريته، إلى المجتمع الحر المستقل، ولو رحنا نتعمق هذا المنهج لنعرف الضوابط التي تحكمت فيه، لوجدنا الآتي:

1- التركيز على إنضاج الرغبة في التغيير: حيث ركز جهده في إقناع المجتمع بحاجته إلى التغيير وهذا ما جعله يرفع شعار : (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )).

2- تغيير الفرد أساس لتغيير المجتمع: وهذا ما جعله يهتم بالتعليم لأنه الوسيلة الأهم لتغيير الفرد، وبتغييره يتغير المجتمع حتما، فأنشأ المدارس، وأسس النوادي، لتكون هي الأطر التي يتم التأثير من خلالها على الفرد والمجتمع.

3- إعادة الاعتبار للدين والأخلاق: إن الدين والأخلاق من أقوى الضوابط التي تتحكم في المعاملات الاجتماعية، ولذلك أولى ابن باديس – عليه رحمة الله - أهمية كبرى للجانب الديني والأخلاقي، والعودة به إلى التأثير في الحياة العامة للمجتمع.

4- إن التغيير الإيجابي لا يتحقق إلا بالعلم: وهذا ما جعله – رحمه الله – يركز على التعليم ويرغب في العلوم ويشجع عليها، ويهيأ الأسباب المساعدة على اكتسابها، وذلك ما جعله يرفع شعار (( إنما أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني )).

5- الإصلاح عملية شمولية كاملة ومتكاملة: ولذالك ركز على تعليم الجنسين، وتوظيف كل الأطر من مدرسة، ونادي ومسجد، وكشافة، ومسرح، وفن وصحافة، وإشراك كل رجال العلم والفكر والأدب في كامل القطر الجزائري لخدمة التغيير المطلوب، ضمانا لنجاعته وفعاليته.

6- لضمان تواصل الإصلاح وعدم توقفه ينبغي الاعتماد على إمكانيات المجتمع ومقدراته الذاتية، لا على الدعم الخارجي، وهذا الذي جعله يوائم بين مطالب الإصلاح، والإمكانيات المتاحة فعليا، ويستنفر الأمة ويستنهضها للمساهمة فيه.

تلكم هي بعض الضوابط التي ميزت المنهج الباديسي للتغيير الاجتماعي، ذلك المنهج الذي أثبت فعاليته ونجاعته، حيث تمكن بواسطته من تمكين المجتمع الجزائري من التحرر في النهاية من هيمنة المحتل الفرنسي، وأن يفتك منه حريته واستقلاله بجدارة واستحقاق، فيا ليت أولي الأمر يستلهمونه ويستفيدون منه في وضع منهجهم للإصلاحات المزمعة لتجاوز ما يعاني منه المجتمع الجزائري من أوضاع مختلة ومعتلة، والتحول به إلى مجتمع منتج وفعال في كل صعيد ومجال. 

 

آخر التغريدات: