محمد البشير الإبراهيمي ومعركة الإصلاح

بقلم: د.صالح الشورة-

ولد العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي سنة 1889 في الجزائر وتلقى العلم وتقلد منصب رئيس جمعية العلماء المسلمين في بلده. وبعد أن أعد نفسه علميا نذرها لامته ولوطنه فعمل مع رفيق دربه الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي وضع أسس النهضة الإسلامية في الجزائر، وشارك في بنائها وبقي كذلك حتى وافاه الأجل عام 1965.

يرى الشيخ الإبراهيمي أن الأديان هي الجامعة بين الأرواح، مثلما الأوطان جامعة للأبدان، واللغات جامعة للألسنة. وهي المؤلفة بين نكوات القلوب، ومن بين النقاط المهمة التي تلتقي فيها الأديان السماوية جميعها، أنها تجمع البشر على الهدى والحق. وان الإسلام جاء بالدواء الشافي، وتمثل ذلك بالتوحيد الخالص المؤيد بالأدلة التي يدركها الإنسان بفطرته، والتي تبتدئ من النفس الإنسانية ذاتها. كما جاء الإسلام لإصلاح الأديان التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، والشرائح التي قررها الحكماء والمصلحون، بعد أن غيرتها الوثنية التي وقفت في طريق الفكر.

يعتبر الشيخ الإبراهيمي أن الإسلام ليس دين حرية فقط، لكنه دين وحدة تلاشت في ظله جميع الأجناس، لأنه لا يميز بين جنس وآخر، أو إنسان وآخر، إلا على أساس التقوى والإيمان وهذا ما يفسر دخول الأمم المختلفة الأجناس والأعراق واللغات والطبائع والألوان فيه. وهذا بدوره أدى بالشيخ الإبراهيمي إلى القول بأن محاسن الدين الإسلامي كانت سببا في تكوين اعداء له. حيث قال: أن محاسن هذا الدين كونت له أعداء من غير المنتسبين اليه يرمونه بكل نقيصة، ويقصد بهم الاستعمار الفرنسي، كما أن حقائقه ومقاصده السامية كونت له أعداء من المنتسبين اليه، يرمونه بكل معضلة، ويقصد بهم الطرقيين والملحدين كما يقول بان هؤلاء الأعداء يختلفون في الأهداف، لكنهم يتناوبون في الأثر والنتيجة .

اتخذ الإبراهيمي من الكتاب والسنة الحجة والبرهان في الرد على خصومه وكان يرى أن التصوف شيء غامض، ليسعى إليه بوسائل غامضة ويسهل على كل واحد ادعاده والتلبس به، فإذا خاف مدعي التصوف والتورع به والانقطاع عن الناس أو الهروب منهم، لذلك لا يقره الإبراهيمي مظهرا من مظاهر الدين. واقر الإبراهيمي أن للمذاهب الصوفية أثرا كبيرا في تثوية حقائق الدين الإسلامي والابتعاد عن روحه مثل العزوف عن الزواج حتى لا يشغله ذلك عن عبادة الله وقد كانت أقوى تأثيرا في تفريق كلمة المسلمين، لأنها ترجع في أصلها إلى نزعة غامضة مبهمة تسترت في أول أمرها بالانقطاع للعبادة والعزوف عن اللذات الجسدية والتقاهر بالخصوصية، وكانت تأخذ منتحليها بشيء من مظاهر الديانة البرهمية، وهي تعذيب الجسد وإرهاقه من اجل الوصول إلى كمال الروح.

يرى الإبراهيمي أن العامة يقعون فريسة للاستغلال والاستعباد من قبل الطرقيين والأولياء، ويخرون لخدمتهم وقضاء مصالحهم وأغراضهم الشخصية، ويقول الإبراهيمي بذلك: اذا كان هذا القرآن يفيد معرفة الله، وهي أعلى مطلب فالقوم عارفون بالله بمجرد الانتساب إلى إحدى الطرق، وقد كان قدماؤهم يتخذون من مراحل التربية مدارج للوصول إلى معرفة الله فيما يزعمون، وفي ذلك تطويل للمسافة وإشعار بأن المطلوب شاق، حتى جاء الدجال بن عليوة - يقصد بابن عليوه هنا هو صاحب الطريقة العليوية- وإتباعه بالخاطئة، فادخلوا تنقيحات على الطرق ورسومها أملاها عليهم الشيطان.

يرى الإبراهيمي أن الأولياء اتخذوا لأنفسهم صفات زائفة مثل العارف بالله. كما انه من خلال اطلاعه على بعض رسائلهم المتبادلة بينهم، رأى بأنها لا تتعدى كونها مخصصة لمدح المشايخ والأولياء، وهي قريبة من الشعر. وقال الشيخ الإبراهيمي أن أسلوب الطرقيين في استغلال العامة، تمثل في تجهيلهم وتغريقهم بين الطرق المختلفة، تم إيهامهم بأن شيوخ الطرق هم وحدهم القادرون على إيذائهم، حتى أن العاصم أصبح يقسم بأغلظ الإيمان لكن الموت أهون عليه من أن يقسم بالشيخ او بضريحه، ما أن الطرقيين أوهموا العامة أن حق شيخ الطريقة عليهم يقع قبل الزوجة والأولاد والآباء والأجداد.

أكد الشيخ الإبراهيمي أن الطرقيين لم يستطيعوا إضعاف قوة المصلحين،عمدوا إلى تأسيس جمعيات تحمل أسماء براقة مثل جمعية علماء السنة، وهي تمثل الطرق الموجودة في الجزائر، وقال الإبراهيمي أن مثل هذه الجمعية انتشرت بإيعاز من إدارة الاستعمار الفرنسي، للوقوف في وجه علماء الإصلاح، فضلا عن كون هذه الجمعية أسلوبا جديدا من أساليب التدجيل على العامة.

عند تصفح خطاب الإصلاح عند الشيخ الإبراهيمي نجد انه مجد العقل الإنساني، وذلك لان العقل السليم هو الذي يأتي مما يطابق الشريعة الإسلامية، في الجمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وهذا الجمع فيه سعادة الإنسان في الحياتين. ورأى الإبراهيمي أن النهوض يكون بالرجوع إلى الإسلام وفهمه، والالتزام بهديه، كما فعل مؤسسو الدولة الأولي في الإسلام، حيث حققوا تقدما وانتصارات أشبه ما تكون بالمعجزات، ويرى أن الإصلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي.

أكد الشيخ الإبراهيمي على قضية استخدام القياس والعقل في تطبيق المعاملات، بما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية من ناحية، ومع ظروف الحياة الجديدة من ناحية أخرى يفتح الإبراهيمي باب الاجتهاد على مصراعيه، كما ينادي بتطوير الفهم للإسلام، وكل ذلك ينبغي أن يتم بالحكمة والموعة الحسنة وأورد الإبراهيمي أن إقفال باب الاجتهاد قد سد على المسلمين والعرب على طريق التقدم الذي عرفوه في بعض مراحل التاريخ ولكن هذا الباب الذي فتحه لم يفضل عند فتحه عن التمييز بين الاجتهاد كأمر ضروري تفرضه مجريات تطور المجتمعات عبر الزمان والمكان، وبين البدع والانحرافات التي شاعت في كثير من المجتمعات الإسلامية.

يركز الإبراهيمي على التماس التقدم والأخذ بنواصيه، حتى لو كان مصدره من الغرب ولكن المهم أن يكون هذا الأخذ يتلاءم بدينهم الإسلامي الذي يرى انه جدير بقيادة الامم نحو عمل واحد وغاية واحدة. ورأى الإبراهيمي أن من بين الأمراض التي أصابت المسلمين هو تعدد المذاهب الفقهية، بالرغم من أنها وجدت للتيسير على المسلمين، وهي رخص لممارسة العبادات ولم يكن الاجتهاد في أبوابها من اجل تفريق المسلمين لان ذلك يناقض جوهر الإسلام الذي هو دين التوحيد والوحدة.

وأدرك شيخنا بذلك الضرر الناجم من اقتناع الحنفي بمخالفة المالكي، وان يقضي الشافعي ساعات طوال في مجادلة الحنبلي في مسألة فقهية، ويختزلوا الدين في مسائل صغيرة هو اكبر وأوسع منها بكثير، وجه الإبراهيمي سهامه للأخذ والاستفادة من الثقافات الأخرى دون أن تكون على حساب المفاهيم والقيم العربية الإسلامية، وبالتالي دون أن تكون سببا من أسباب الفرقة والخلاف. وعلى المسلمين أن يتوجهوا للأخذ من الشعوب لأخرى ليطلعوا على حضاراتها، وأسباب تقدمها ويأخذوا بها، على أن لا يؤثر ذلك سلبا على وحدة المسلمين مثلما حدث عندما اخذوا بالترجمات الفلسفية الأمر الذي قوى عندهم النزعات والمذاهب الكلامية والفقهية والجدل في هذه المذاهب هو أساس فقه المسلمين.

وأخيرا نجد أن الإبراهيمي حث العلماء للقيام بمهام تجاه الله وتجاه امتهم وان يعملوا على تربية الجيل الناشئ، على الإيمان والرعاية الدقيقة لكل شيء حتى تبقى الأمة الإسلامية الموحدة في مصاف الأمم الراقية والمتقدمة.

 

* أكاديمي أردني.

 

آخر التغريدات: