الإستراتيجية التعليمية والتربوية عند ابن باديس في مواجهة المخططات الاستعمارية

بقلم: ط . مـروك-

كان الوضع التعليمي في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي في حالة جيدة، رغم أن العثمانيين لم يهتموا كثيرا بالتعليم في الجزائر، فلم تكن لهم وزارة للتعليم، أو أي مؤسسة خاصة بذلك، ولكنهم فتحوا المجال أمام السكان لإنشاء الزوايا والمساجد والكتاتيب التي كانت منتشرة في كل ربوع الوطن. ويعترف الجنرال الفرنسي فاليري، عام 1834، بان وضعية التعليم كانت جيدة قبل احتلالهم الجزائر، لأن معظم الجزائريين كانوا يعرفون القراءة والكتابة .

بعد دخول المحتل الفرنسي مباشرة بدأ في تنفيذ خطته لمسخ الهوية الوطنية، من خلال محاربة التعليم العربي الإسلامي، ولجأ في ذلك إلى الاستيلاء على المدارس، محولا بعضها إلى مراكز إدارية، إما مدنية أو عسكرية. كما عمل على غلق بقية المدارس وتهجير المعلمين والتضييق عليهم، باعتبارهم خطرا على السياسة الاستعمارية .

وفي المقابل، قامت فرنسا بفتح مدارس التعليم اللغة الفرنسية، والتاريخ الفرنسي والحضارة الأوربية، ولم يكن الهدف تعليم الجزائريين، بل كان في حدود ضيقة، ولا يسمح بتجاوز مستوى تعليمي محدود جدا، لكي لا يعرض الوجود الاستعماري للخطر،
ومن أشهر دعاة فرنسة الجزائريين الجنرال بيجو الذي كان يرفع شعار السيف والمحراث والقلم، وكان يهدف إلى تعليم بسيط للأهالي، و جول فيري الذي كان من أشد أنصار الحركة التوسعية الفرنسية، ويتبنى مقولة أن الأجناس أو الشعوب السامية، تتمتع بواجب الوصاية والرعاية للشعوب البدائية المستعمرة، وبأن الشعوب الأولى تضطلع بدور تحضير وتأهيل الشعوب الثانية .
وفي الذكرى المئوية للاحتلال الفرنسي للجزائر، أقيمت استعراضات عسكرية ضخمة في المدن لإظهار قوّة فرنسا الاستعمارية، وترهيب الجزائريين. ومن المظاهر أيضا تقديم محاضرات في مختلف المدن الجزائرية للتذكير بدور العسكريين السابقين في احتلال الجزائر، والتأكيد على أن الجزائر فرنسية، كما تم أيضا تدشين منشآت وافتتاح مؤسسات جديدة، وتسميتها بأسماء القادة العسكريين، واستعراضات لكيفية دخول الجيش الفرنسي سنة 1830 ، كما طبعت كتب وحوليات من طرف أكاديمية الجزائر العاصمة لتكون في متناول القراء المهتمين بتاريخ الجزائر الفرنسية، وصدرت الأعمال تحت عنوان "مجموعة الاحتفال المئوي". وعموما عملت فرنسا كلّ ما في و سعها لإظهار إنجازاتها في الجزائر المستعمرة من جهة، وإثارة عواطف الجزائريين من جهة أخرى، ولذا نجد القوى والشخصيات الوطنية قد أبدت موقفا مستنكرا من العائلات الموالية للاستعمار والتي شاركت في فعاليات هذه الاحتفالات.
ولم تمر سنة واحدة على ذلك حتى تأسست (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، فكان ذلك رداً عملياً على المحتفلين الذين كانت أصواتهم تردد الجزائر فرنسية، وكان شعار العلماء المصلحين "الإسلام ديننا العربية لغتنا الجزائر وطننا"، وقد ظهر هذا الشعار أول ما ظهر مكتوباً على كتاب الجزائر للشيخ أحمد توفيق، ثم تناولته الألسنة والأقلام، ولقن لطلبة العلم، وذلك يوم الخامس من ماي 1931 في (نادي الترقي) بالعاصمة إثر دعوة وجهت إلى كل عالم من علماء الإسلام في الجزائر، من طرف (هيئة مؤسسة) مؤلفة من أشخاص حياديين ينتمون إلى نادي الترقي غير معروفين بالتطرف، لا يثير ذكرهم حساسية أو شكوكا لدى الحكومة ولا عند الطرقيين وأعلنوا أن الجمعية دينية تهذيبية تسعى لخدمة الدين والمجتمع ولا تتدخل في السياسة ولا تشتغل بها. 
لبّى الدعوة وحضر الاجتماع التأسيسي أكثر من سبعين عالما، ومن شتى الاتجاهات الدينية والمذهبية (مالكيين واباضيين، مصلحين وطرقيين، موظفين وغير موظفين)، كما حضر الاجتماع طلبة العلم من مختلف جهات الوطن.
و يجب التنويه إلى انه منذ عام 1913 بدأ تفكير العلامة عبد الحميد بن باديس يتجه إلى توسيع الخطة الإصلاحية التي شرع بتنفيذها بتعليم الناس وإرشادهم، واستنهاض همم العلماء، وتأكد لديه أن معركة الدفاع عن الجزائر والحفاظ على هويتها أمام موجة الفرنسة الشرسة، لا يمكن أن يقوم بها شخص واحد، أو جماعة محدودة العدد، لذلك أخذ منذ عودته من البقاع المقدسة يتطلع إلى الدخول في مرحلة جديدة، تتكامل فيها وسائل العمل النضالي، وتوحد جهد المخلصين من أبناء هذا الوطن للتصدّي لإفشال سياسة الاستعمار، والقيام بواجب خدمة الوطن والدين واللغة وإصلاح الأوضاع الثقافية والاجتماعية والسياسية، وذلك بتأسيس الهيئات التي تشد عضد الشعب الجزائري وتهيئه وتحضره لمواجهة الخطط الاستعمارية . 
نهج عبد الحميد بن باديس:
كان نهج الإصلاح الإسلامي وإصلاح العلـماء الـمجتـمعين حول الـمعلـم القائد ابن باديس، يقوم أساسا على العودة إلى الـمرجعين الأساسيين للإسلام القرآن والسنة، فكانوا يدعون إلى إحياء الإسلام من خلال أعمالهم التي كانت تتـخذ مرجعا دائما لها إسلام السلف الصالـح الـمطهر من البدع الـمذمومة، فشنوا هجوما مركزا على كافة الأوساط التقليدية الـمتهمة بنشر صوفية ظلامية متناقضة وقيـم الإسلام الأصيلة وكانوا ينددون بوجه أخص بالتبجيل الذي كان يحظى به ما يدعى بالأولياء الصالـحين الذين كانوا يستغلون الشعب دون وازع ولا رادع.
وقد رسم العلامة بن باديس منهجا واضحا منذ البداية لبرنامج عمل متكامل يقوم على التعليم و الصحافة .
فالتعليم تشحذ به الهمم و به تنار العقول ويستعيد الشعب سيادته و يقهر أعداءه وهو القائل :

 علم ما استطعت لعل جيلا -- سيأتي يحدث العجب العجابا 

وبالصحافة ينتشر الوعي وتسود ثقافة عربية إسلامية تحافظ على تماسك الشعب الجزائري، وتوحد كلمته في مواجهة القضايا المصيرية .

الهياكل التربوية والتعليمية التي ساهمت في دعم الحركة الإصلاحية:
إن الاهتمام المبكر بالتعليم لدى قادة جمعية العلماء، وإصرارهم على ربطه بالتربية، هما سر نجاح رسالتهم ودعوتهم وتوفيقهم في إفشال المشروع الثقافي الاستعماري في الجزائر، بالرغم من أنه مدعوم بكل الوسائل المادية والبشرية، في مقابل وسائل بسيطة و إمكانيات محدودة لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وبفضل تضافر جهود الجزائريين وتعاونهم، وإقبالهم على تعلم لغتهم، ودينهم، فقد اتخذوا من الدور والمساجد والزوايا والمدارس، التي تمكنت جمعية العلماء من إقامتها، أماكن إشعاع فكري وعلمي، كونت النخب والعلماء والمعلمين والسياسيين البارعين الذين تعاونوا جميعا، فكان لهم النصر العلمي والفكري الذي توج بنصر عسكري حاسم إبان ثورة التحرير.
ويجب التنويه إلى أن المساجد، والتي كانت تحت رعاية جمعية العلماء، والتي كان يؤمها الشيخ ابن باديس وأعضاء جمعية العلماء، كثيرة ومنتشرة عبر ربوع القطر الجزائري، والزوايا التي وقفت إلى جانب الجمعية معروفة بفضائلها، وكرم مريديها والمدارس التي ساهم ابن باديس في إنشائها، عرفت تنظيما ونجاحا منقطع النظير، وسأقتصر على ذكر أشهر المساجد وبعض المدارس.
المسجد الأخضر بقسنطينة: 
وهو أحد الجوامع الثلاثة الكبيرة بعد الاحتلال الفرنسي بقسنطينة، أسسه حسن بك بن حسين سنة 1156هـ - 1743م ، وقد اتخذ ابن باديس من المسجد الأخضر مدرسة لتكوين القادة، وإعداد النخبة التي حملت مشعل الإصلاح، وأخذت بيد الأمة تعلمها دينها، وتصحح عقائدها، وتوحد صفوفها ضد المستعمر الغاشم.
وقد تمكن بن باديس من تحويل الجامع الأخضر، من مسجد مغمور، إلى معهد كبير، يستقبل الطلبة من مختلف أنحاء القطر، وقد بلغ عددهم 300 خلال سنة 1936.
الجامع الكبير بقسنطينة:
وهو المسجد الذي اتخذه الشيخ ابن باديس لإلقاء دروسه. فبعد إتمام دراسته بجامع الزيتونة، ابتدأ حلقاته العلمية فيه بدراسة كتاب الشفاء للقاضي عياض، حتى عمد مفتي قسنطينة السيد ابن الموهوب إلى منعه، فانتقل الشيخ حينها إلى المسجد الأخضر. 
الجامع الجديد بباب البحر بالعاصمة:
وهو المجاور للجامع الكبير، أنشئ على حساب خزينة مشروع سبل الخيرات سنة 1070هـ - 1660م على عهد خليل أغا، وكان الأستاذ الطيب العقبي يلقي دروسه الدينية بهذا المسجد فترة بقائه ممثلاً لجمعية العلماء في العاصمة. 
الزوايا: 
كان ابن باديس يعرض أفكاره الإصلاحية، ويبين أهدافها على أصحاب الزوايا، ويدعوهم للوقوف إلى جانب حركته. وكانت هذه الدعوة من ابن باديس، موفقة إلى حد كبير، فقد انضم إلى صفوف الجمعية الكثير من شيوخ تلك الزوايا، والذين أبلوا بلاءً حسنًا في مناصرة الجمعية، وكانت تلك الزوايا معقلاً للنشاط الإصلاحي في تلك الفترة. 
مدرسة دار الحديث: 
تم تأسيس هذه المدرسة في مدينة تلمسان، على يد العلامة البشير الإبراهيمي الذي وجد كل الدعم والمساندة من أهالي تلمسان الذين تلهفوا للمشروع فكملوا انجازه في سنة واحدة. لقد تمكن البشير الإبراهيمي منذ حلوله بتلمسان سنة 1933 من إيقاظ الهمم، وبث النشاط في الشباب، بفضل الدروس التي كان ينظمها، والمحاضرات التي كان يلقيها في أوساط الشباب والطلبة في النوادي التي تأسست حينذاك، والمراكز الثقافية، وفي أحواش وبساتين السكان التي صارت كلها مدارس للعلم .. وجاء تشييد مدرسة دار الحديث كتتويج لهذا العمل، من أجل توحيد الجهود، ولم شمل الطلبة، فأصبحت هذه المدرسة، بعد تدشينها في 27سبتمبر 1937 من طرف رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الحميد بن باديس، مركز إشعاع ديني وعلمي وثقافي في أرض الجزائر، وقد كان لها نظام متكامل، يشمل جوانب بيداغوجية، وإدارية، ومالية، وصحية، واجتماعية، تحت قيادة مديرها، والساهر على حسن سيرها البشير الإبراهيمي. وتهافت عليها الطلاب والطالبات من كل مكان، ولم ينل ذلك رضا المستعمر الفرنسي، فعمدت السلطات الاستعمارية إلى أساليب التضييق، والغلق والمحاكمات، ولكن عزم وتحدي أهل تلمسان وأعضاء جمعية العلماء ورئيسها في التصدي والنضال، ظل مستمرا للدفاع عن مدارسهم وطلبتهم في دار الحديث وفي كل الأماكن الأخرى.
وكم ابهرني ذلك الفيديو النادر لافتتاح المدرسة من طرف عبد الحميد بن باديس الذي وضعه زميلنا في الموقع الالكتروني السيد علي علاوة حيث يظهر هذا الفيديو بالرغم من قلة وضوحه عظمة الاحتفال، وحفاوة الاستقبال من طرف سكان تلمسان أهل الحضارة والتاريخ المجيد.
المدرسة الموفقيّة: 
أسسها في مدينة ساطارنو قرب سكيكدة، الشاب الأديب السيد محمد بن الموفق للتعليم والتهذيب، بتأييد فضلاء البلد، وقد زارها الشيخ ابن باديس في صيف 1348هـ- 1929م وألقى فيها دروسًا في التفسير، وأكد فيها على أهمية التعليم . 
مدرسة الإخاء:
أسست في سنة 1921م بمدينة بسكرة، وكانت تسميتها بمدرسة الإخاء، تعبيرًا عن روح الأخوة والتضامن في مواجهة المخاطر المحدقة بالأمة في تلك الآونة، وانتصب للتدريس بها جماعة من علماء البلدة. 
مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية بقسنطينة:
والتي أسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس وجماعة من الخيرين المتعاونين معه، وكان محل هذه المدرسة فوق مسجد (سيدي بومعزة)، ثم نقلت إلى مبنى الجمعية الخيرية بقسنطينة، التي تأسست في 1917 ، ثم أصبحت في سنة 1930 مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية، وقد أولاها ابن باديس عناية خاصة في اختيار معلميها، ورعاية طلبتها، وتقديم مختلف أنواع الدعم لهم.
ويجب الإشارة إلى إن وضوح المنهج، وسلوك مسلك السلف الصالح، وبرنامج العمل المتكامل المنظم، جعل الأهالي يقبلون على مدارس جمعية المسلمين الجزائريين والمساجد التابعة لها، ويبدون تعاونهم وتعاطفهم معها، فبذلوا الأموال، ودفعوا بأبنائهم إلى هذه المدارس الحرة، فانتشرت في كل ربوع الوطن. وكان عدد طلبتها يتزايد يوما بعد يوم حتى وصل عددها 400 مدرسة سنة 1955 ، ووصل عدد الطلبة 75 ألفا وعدد المعلمين 700 ، وفي المقابل ازداد عزوف الأولياء عن إرسال أبنائهم إلى مدارس الاستعمار، رافضين الفرنسة، واثبتوا أنهم أمة لها دينها، ولغتها، وحضارتها العربية الأمازيغية الإسلامية البعيدة كل البعد عن الحضارة الأوربية .


آخر التغريدات: